الوقت - أخيرًا، تحققت التوقعات بأن الحصار البحري المفروض على فنزويلا بذريعة مكافحة المخدرات قد مكّن الولايات المتحدة من شنّ عمل عسكري في كاراكاس، وبدأ الجيش الأمريكي هجماته على أجزاء من البلاد قبل ساعات.
يوم السبت، مع سماع دوي انفجارات في العاصمة، شوهدت طائرات تحلق على ارتفاع منخفض فوق كاراكاس.
تشير مقاطع الفيديو إلى هجمات على المطار والقاعدة الجوية، وأُفيد عن وقوع انفجارات وتصاعد دخان في أنحاء متفرقة من كاراكاس، وانقطاع التيار الكهربائي عن بعض أحياء المدينة.
ذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن خمس مروحيات شينوك كبيرة على الأقل شاركت في الهجوم، لم ترد أي تقارير مؤكدة عن إطلاق صواريخ أرض-جو أو وقوع أي اشتباكات مع طائرات أمريكية.
وتقوم الشرطة بدوريات في شوارع كاراكاس منذ الانفجارات، ولم ترد أي تقارير عن تدهور الوضع الأمني أو فقدان الحكومة السيطرة.
وجهت الحكومة الفنزويلية، التي تتهم الولايات المتحدة بمهاجمة منشآت مدنية وعسكرية في عدة ولايات، نداءً للشعب للخروج إلى الشوارع، وجاء في بيانها: "تدعو الحكومة البوليفارية جميع القوى الاجتماعية والسياسية في البلاد إلى تفعيل برامج التعبئة وإدانة هذا الهجوم الإمبريالي".
وأضاف البيان إن مادورو "أمر بتنفيذ جميع برامج الدفاع الوطني" وأعلن "حالة طوارئ خارجية".
من جهة أخرى، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز، نقلاً عن مصادرها، أن القوات الحكومية سيطرت على القاعدة الجوية التي هاجمتها الولايات المتحدة، وكتبت أنه منذ الفجر، شوهد عدد من المسلحين بملابس مدنية يحرسون قاعدة الجنرال فرانسيسكو دي ميراندا الجوية خارج كاراكاس.
في غضون ذلك، أعلنت شركة شيفرون، أكبر منتج نفط خاص في فنزويلا، صباح السبت أنها ستواصل أنشطتها، وصرحت قائلة: "تولي شيفرون اهتمامًا بالغًا لسلامة موظفيها ورفاهيتهم، فضلًا عن حماية أصولها".
بيان ترامب بشأن اختطاف مادورو
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عبر منصته على مواقع التواصل الاجتماعي "تروث"، أن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته قد "أُلقي القبض عليهما ورُحِّلا من البلاد".
وكانت إدارة ترامب قد اتهمت نيكولاس مادورو سابقًا بالاتجار بالمخدرات، ووصفته وزارة الخارجية الأمريكية بأنه رئيس حكومة "إرهابية مخدرات"، وهو ما يعتقد الخبراء أنه كان تمهيدًا لتبرير التدخل العسكري في البلاد، وقد ظهر هذا الادعاء لأول مرة عام 2020 خلال ولاية ترامب الأولى، عندما أصدر البيت الأبيض لائحة اتهام ضد مادورو، متهمًا إياه بإدارة منظمة لتهريب المخدرات، بل قيادتها.
ويشن الجيش الأمريكي هجمات على قوارب في منطقة البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ منذ أوائل سبتمبر/أيلول، حسب إحصائيات أعلنتها إدارة ترامب، بلغ عدد الهجمات البحرية 35 هجومًا حتى يوم الجمعة، ووصل عدد القتلى إلى 115 على الأقل.
ويأتي هذا على الرغم من أن الهيئات الدولية، كالأمم المتحدة، لم تُقدّم بعد تقريرًا عن الدور المنظم لكاراكاس وحكومة مادورو في تهريب المخدرات.
وكان آخر ظهور تلفزيوني لمادورو يوم الجمعة خلال اجتماع مع وفد من المسؤولين الصينيين في كاراكاس.
ويأتي الادعاء باختطاف مادورو على يد جنود أمريكيين بعد يومين من إعلانه استعداده للحوار والتفاوض مع واشنطن في مقابلة مع وسيلة إعلام إسبانية، حيث أكد رغبة فنزويلا في السلام. وقال: "يجب أن يعلم الشعب الأمريكي أن لدينا شعبًا مسالمًا وحكومةً صديقة، يجب أن يعلموا أن رسالتنا واضحة: لا للحرب، نعم للسلام"، وألقى تصريحاته الداعية للسلام باللغة الإنجليزية.
وفي تصريحات متلفزة، دعا وزير الداخلية الفنزويلي، ديوسدادو كابيلو، أحد كبار مساعدي نيكولاس مادورو، إلى الهدوء وحثّ الفنزويليين على الثقة بقيادتهم، قال: "لا تدعوا أحدًا ييأس، لا تدعوا أحدًا يُسهّل الأمر على العدو المعتدي".
لكن بينما طرح ترامب فكرة اختطاف مادورو، لم تؤكد كاراكاس ذلك، وتطالب برد أمريكي على صحة مادورو. حتى أن المدعي العام الفنزويلي، طارق ويليام صعب، صرّح لصحيفة فايننشال تايمز في رسالة بأنه لا يزال "على خط المواجهة" في فنزويلا، وأن "نيكولاس مادورو هو الرئيس"، وفي بيان متلفز، أدان الهجمات الأمريكية، قائلاً: "أُصيب أبرياء بجروح خطيرة، وقُتل آخرون في هذا الهجوم الإرهابي الإجرامي"، وحثّ الناس على النزول إلى الشوارع "بهدوء ويقظة".
تُظهر الصور التي نُشرت من كاراكاس أنه على الرغم من وجود قلق وتوتر بين السكان، إلا أنه لا يوجد حتى الآن أي مؤشر على انهيار النظام العام أو تصدع في بنية السلطة، وهي مسألة قد تُعقّد حسابات واشنطن لتصعيد العمليات.
الجيش الفنزويلي.. نحن نقاوم
في أعقاب هجمات الساعات القليلة الماضية، انصبّ التركيز الرئيسي للتطورات على أرض الواقع وفي السياسة على ردّ القوات المسلحة الفنزويلية، أصدرت وزارة الدفاع بيانًا جاء فيه أن "جميع وحدات الجيش والحرس الوطني البوليفاري وقوات الدفاع الشعبي في حالة تأهب قصوى"، كما أكد وزير الدفاع فيسواف بادرينو لوبيز أن استقلال فنزويلا "غير قابل للتفاوض أو الاستسلام"، وأنه يجب علينا الحفاظ على وحدتنا لتحقيق النصر.
تشير الأدلة الميدانية الأولية إلى أن الهجمات الأمريكية كانت محدودة النطاق وموجهة بدقة، وتركز على إحداث صدمة نفسية، ولم تُفضِ بعد إلى صراع بري واسع النطاق.
التخطيط لدول أخرى في أمريكا اللاتينية.. كوبا على مرمى البصر
بعيدًا عن فنزويلا، يعتقد العديد من المراقبين الإقليميين أن الهجوم على كاراكاس ليس مجرد إجراء عابر، بل هو جزء من استراتيجية أوسع لواشنطن لإعادة تعريف النظام الأمني في أمريكا اللاتينية، منذ عودتها إلى السلطة، تحدثت إدارة ترامب مرارًا وتكرارًا عن ضرورة تطهير نصف الكرة الغربي من الحكومات المعادية لأمريكا، ووصفت فنزويلا بأنها "الحلقة الرئيسية في سلسلة عدم الاستقرار".
في هذا السياق، عادت كوبا، الحليف القديم لكاراكاس ورمز المقاومة للسياسات الأمريكية، إلى دائرة الضوء. في الأسابيع الأخيرة، نشرت وسائل إعلام مقربة من الجمهوريين في الولايات المتحدة تقارير حول "دور هافانا في تقديم الدعم الاستخباراتي والأمني لحكومة مادورو"، وهي مزاعم قد تمهد الطريق لمزيد من الضغوط، وفرض عقوبات أوسع، أو حتى اتخاذ إجراءات أمنية مباشرة ضد كوبا.
إلى جانب كوبا، تتابع دول مثل نيكاراغوا وبوليفيا التطورات في فنزويلا بقلق. وقد أعربت العديد من حكومات أمريكا اللاتينية، حتى تلك التي تربطها علاقات وثيقة بواشنطن، عن قلقها إزاء عودة الخيار العسكري الأمريكي الواضحة إلى المنطقة؛ لأن مثل هذه العملية قد تُذكّر بعصر التدخلات المباشرة في القرن العشرين، وتُشعل موجة من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي في جميع أنحاء المنطقة.
على الصعيد الدولي، كانت ردود الفعل بالغة الأهمية، وفي مقدمتها، أدانت روسيا بشدة الهجوم الأمريكي ودعت إلى عقد اجتماع لمجلس الأمن الدولي.
باختصار، قد يكون الهجوم الأمريكي على فنزويلا، بغض النظر عن مصير نيكولاس مادورو نفسه، بدايةً لمرحلة جديدة من التوترات الجيوسياسية في نصف الكرة الغربي؛ مرحلة تعود فيها أمريكا اللاتينية من الهامش إلى دائرة التنافس بين القوى العظمى، ويبدو فيها خطر امتداد الأزمة من كاراكاس إلى عواصم أخرى في المنطقة أكثر خطورة من أي وقت مضى.
