الوقت- تشهد المنطقة تحولات متسارعة جعلت من اليمن لاعباً محورياً في معادلة الصراع مع الكيان الصهيوني، فالتقارير العبرية التي تتحدث عن استعداد تل أبيب لـ "السيطرة على نفوذ أنصار الله" لا تعكس قوة أو ثقة بقدر ما تكشف عن حالة اضطراب وقلق متزايد داخل هذا الكيان.
اليمن، بموقعه الاستراتيجي على باب المندب والبحر الأحمر، وبقدراته غير التقليدية، أصبح ضلعاً إضافياً في الحرب على غزة، ما يربك الحسابات الصهيونية ويجعل أي مواجهة محتملة أكثر تعقيداً، هذا المقال يحاول تحليل أبعاد هذه المخاوف عبر قراءة معمقة للواقع العسكري والسياسي والإعلامي المرتبط باليمن ودوره في الضغط على الكيان الصهيوني، من خلال استعراض أسباب الحديث عن اليمن الآن، حدود القدرة الصهيونية على التدخل، طبيعة التهديد اليمني مقارنة بغزة ولبنان، البعد الإعلامي والنفسي في الخطاب العبري، وأخيراً أدوات الضغط غير المباشرة التي يوظفها اليمن.
اليمن في الحسابات الجديدة للكيان الصهيوني
إثارة موضوع اليمن في الإعلام العبري في هذا التوقيت تعكس إدراكاً متزايداً لدور صنعاء في معادلة الحرب. فاليمن لم يعد مجرد ساحة داخلية، بل تحول إلى لاعب إقليمي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، ويؤثر مباشرة على خطوط الملاحة الدولية التي يعتمد عليها الكيان الصهيوني في تجارته وأمنه الاقتصادي.
مع تصاعد عمليات أنصار الله ضد السفن المرتبطة بالكيان، باتت تل أبيب ترى في اليمن تهديداً استراتيجياً يتجاوز حدود غزة ولبنان، هذا التوقيت يرتبط أيضاً بتوسع رقعة الحرب في المنطقة، حيث تخشى تل أبيب من أن يصبح اليمن ضلعاً ثالثاً ثابتاً في مواجهة مفتوحة، ما يعني أن الكيان الصهيوني سيواجه جبهة متعددة الاتجاهات يصعب السيطرة عليها، إن الحديث عن اليمن الآن ليس صدفة، بل هو انعكاس لقلق متزايد من اتساع دائرة الصراع وتحوّل اليمن إلى عنصر ضغط دائم في المعادلة الإقليمية، وخاصة مع قدرته على التأثير في الممرات البحرية الحيوية التي تمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الصهيوني.
محدودية القدرة على التدخل العسكري المباشر
رغم الخطاب الإعلامي، فإن قدرة الكيان الصهيوني على الدخول المباشر في الميدان اليمني محدودة للغاية، فالمسافة الجغرافية، طبيعة التضاريس، وتعقيدات البيئة القبلية والسياسية في اليمن تجعل أي تدخل عسكري مباشر مغامرة محفوفة بالمخاطر، إضافة إلى ذلك، فإن الجيش الصهيوني يواجه استنزافاً كبيراً في غزة، ويستعد لاحتمالات مواجهة مع لبنان، ما يقلل من قدرته على فتح جبهة جديدة بهذا الحجم، حتى لو حاول الاعتماد على تحالفات إقليمية أو دعم لوجستي من بعض القوى الدولية، فإن الواقع اليمني أثبت أنه عصي على التدخلات الخارجية، كما حدث مع التحالف الذي يقوده النظام السعودي منذ سنوات دون تحقيق أهداف حاسمة، لذلك، فإن الحديث عن استعداد الكيان الصهيوني للسيطرة على نفوذ أنصار الله يبدو أقرب إلى خطاب دعائي يهدف إلى طمأنة الداخل الصهيوني أكثر من كونه خطة عملية قابلة للتنفيذ، إن أي محاولة فعلية للتدخل ستعني فتح جبهة جديدة مع خصم يمتلك خبرة طويلة في حرب الاستنزاف، ويعرف جيداً كيف يوظف جغرافيته الصعبة لصالحه، وهو ما يجعل التدخل العسكري المباشر خياراً شبه مستحيل بالنسبة لتل أبيب.
طبيعة التهديد اليمني مقارنة بغزة ولبنان
التهديد القادم من اليمن يختلف جذرياً عن التهديدات التقليدية التي يواجهها الكيان الصهيوني في غزة ولبنان، ففي غزة، المواجهة مباشرة مع فصائل المقاومة التي تعتمد على الصواريخ والأنفاق، بينما في لبنان، التهديد يتمثل في قوة حزب الله العسكرية وقدرته على ضرب العمق الصهيوني، أما اليمن، فيمثل تهديداً من نوع آخر، إذ يركز على البعد البحري والاقتصادي، ويستهدف سلاسل الإمداد الحيوية للكيان.
هذا النوع من الضغط لا يحتاج إلى مواجهة مباشرة، بل يكفي أن يعرقل حركة السفن أو يهدد الممرات البحرية التي يستفيد منها الكيان ليضع الكيان أمام أزمة اقتصادية وأمنية خانقة، كما أن اليمن يضيف بعداً جغرافياً جديداً للصراع، حيث يوسع نطاق المواجهة إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي، ما يجعل الكيان الصهيوني في مواجهة تهديدات متعددة الأبعاد يصعب التعامل معها بالطرق التقليدية، إن هذا التهديد النوعي يربك حسابات تل أبيب لأنه يضرب في نقطة ضعفها الاقتصادية، ويجعلها عاجزة عن الرد المباشر دون تكبد خسائر كبيرة أو فتح جبهة جديدة غير محسوبة.
البعد الإعلامي والنفسي في الخطاب العبري
من خلال متابعة الخطاب الإعلامي العبري، يتضح أن هذه التصريحات تحمل طابعاً إعلامياً–نفسياً أكثر من كونها خطة عسكرية واقعية، الهدف الأساسي هو إرسال رسائل للداخل الصهيوني بأن القيادة تتابع التهديدات وتستعد لها، في محاولة لاحتواء حالة القلق الشعبي المتزايد، كما تسعى تل أبيب إلى التأثير على الرأي العام الدولي، عبر تصوير نفسها كضحية لتهديدات إقليمية متنامية، وبالتالي كسب مزيد من الدعم السياسي والعسكري من القوى الكبرى، لكن على المستوى العملي، لا توجد مؤشرات على استعداد فعلي لدخول مواجهة مباشرة مع اليمن، خاصة في ظل الانشغال بجبهات غزة ولبنان، لذلك، يمكن القول إن هذه التصريحات أقرب إلى حرب نفسية من جهة، وتبرير أي خطوات مستقبلية في البحر الأحمر من جهة أخرى، دون أن تعكس خطة عسكرية واضحة المعالم، إن هذا الاستخدام الإعلامي يعكس حالة من الارتباك، حيث تحاول تل أبيب أن تخفي ضعفها خلف خطاب دعائي يهدف إلى رفع معنويات الداخل وإقناع الخارج بضرورة دعمها.
أدوات الضغط اليمني غير المباشرة
اليمن استطاع أن يفرض معادلة جديدة في الصراع من خلال استهدافه المباشر للكيان الصهيوني، عبر عمليات أنصار الله ضد السفن المرتبطة بالكيان أو الداعمة له، تمكن اليمن من تعطيل جزء من حركة التجارة العالمية، ما انعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الصهيوني.
هذا الضغط البحري لا يحتاج إلى مواجهة عسكرية تقليدية، بل يعتمد على تكتيكات ذكية تستغل الموقع الجغرافي الاستراتيجي لليمن المطل على باب المندب والبحر الأحمر، إضافة إلى ذلك، فإن مجرد إعلان أنصار الله استعدادهم لمواصلة هذه العمليات يخلق حالة من القلق المستمر داخل تل أبيب، ويجبرها على إعادة حساباتها الاستراتيجية، بهذا الشكل، استطاع اليمن أن يتحول إلى لاعب إقليمي مؤثر، يضغط على الكيان الصهيوني ويضعه أمام تحديات جديدة، إن هذا الأسلوب غير المباشر يثبت أن اليمن قادر على التأثير في المعادلة الإقليمية، وأنه أصبح ضلعاً أساسياً في الصراع، يفرض حضوره عبر أدوات غير تقليدية تضرب في العمق الاقتصادي والأمني للكيان الصهيوني.
في الختام، إن ما تكشفه التقارير العبرية حول اليمن ليس سوى انعكاس لحالة الارتباك والاضطراب داخل الكيان الصهيوني، الذي بات عاجزاً عن مواجهة التحديات المتعددة التي تحيط به من غزة ولبنان وصولاً إلى البحر الأحمر، فاليمن اليوم أثبت أنه قادر على فرض معادلة جديدة في الصراع، عبر أدوات غير تقليدية تضرب في العمق الاقتصادي والأمني للكيان، دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة أو حرب شاملة، هذا التحول يبرهن أن المقاومة لم تعد محصورة في جغرافيا محدودة، بل أصبحت شبكة ممتدة تربك حسابات تل أبيب وتضعها أمام واقع استراتيجي جديد، إن الكيان الصهيوني، مهما حاول أن يوظف الإعلام والحرب النفسية، يظل عاجزاً عن كسر إرادة الشعوب الحرة، فيما اليمن يثبت يوماً بعد يوم أنه ضلع ثابت في محور المقاومة، وأنه قادر على تحويل موقعه الجغرافي إلى سلاح استراتيجي يضع الكيان تحت ضغط دائم، وبذلك، فإن المستقبل يحمل مزيداً من التحديات لهذا الكيان، ومزيداً من فرص القوة والتمكين لليمن في معركة الأمة ضد الاحتلال والهيمنة.
