الوقت- تشهد مدينة القدس المحتلة في الآونة الأخيرة تصعيدًا خطيرًا وغير مسبوق في سياسات هدم المنازل وتهجير السكان الفلسطينيين، في إطار استراتيجية ممنهجة ينفذها الكيان الإسرائيلي بهدوء، مستفيدًا من انشغال العالم بملفات دولية متلاحقة، من الحرب على غزة إلى أزمات سياسية وعسكرية في مناطق مختلفة من العالم. هذا التصعيد لا يقتصر على حالات فردية أو إجراءات معزولة، بل بات يشكل مسارًا واضحًا يهدف إلى تفريغ القدس من سكانها الأصليين، وإعادة هندسة واقعها الديمغرافي والجغرافي بما يخدم مشاريع التهويد والاستيطان.
في هذا السياق، حذر الدكتور حسن خاطر، رئيس المركز الدولي للقدس، من التوسع “الخطير والمتسارع” في عمليات هدم منازل الفلسطينيين وتهجيرهم قسرًا في القدس المحتلة ومحيطها، وأكد أن هذه السياسة ليست جديدة من حيث المبدأ، لكنها شهدت خلال العامين الأخيرين تصعيدًا نوعيًا وكميًا يعكس انتقال الكيان الإسرائيلي من مرحلة التضييق التدريجي إلى مرحلة الحسم وفرض الوقائع بالقوة.
هدم ممنهج لتفريغ المدينة من سكانها الأصليين
وأوضح خاطر، في تصريحات صحفية، أن عمليات هدم الأحياء والمنازل الفلسطينية في القدس تأتي في إطار حملة منهجية تستهدف إفراغ المدينة من سكانها الفلسطينيين، عبر أدوات متعددة تبدأ بالهدم ولا تنتهي بالملاحقة القانونية والاقتصادية، وتركز هذه العمليات بشكل خاص في محيط القدس الجنوبي والشرقي، ولا سيما في بلدة سلوان الملاصقة للمسجد الأقصى، وأحياء بطن الهوى ورأس العمود، وهي مناطق ذات أهمية دينية وتاريخية واستراتيجية كبرى.
وأشار إلى أن الكيان الإسرائيلي لم يعد حتى يلتزم بالإجراءات الشكلية التي كان يستخدمها سابقًا كغطاء قانوني لعمليات الهدم، مثل انتظار قرارات المحاكم أو استنفاد المسارات القضائية، ففي كثير من الحالات، لا تزال ملفات المنازل الفلسطينية عالقة أمام المحاكم، لكن أصحابها يُفاجؤون بقرارات فورية بالإخلاء والهدم، في تجاهل تام لأي اعتبارات قانونية أو إنسانية.
ووفق معطيات ميدانية، بلغ عدد المنازل التي هُدمت في القدس المحتلة خلال العام الماضي وحده نحو 320 منزلًا، في وقت يفرض فيه الكيان الإسرائيلي حظرًا شبه كامل على منح تراخيص البناء للفلسطينيين، ما يجعل أي بناء فلسطيني عرضة للهدم بحجة “عدم الترخيص”، هذا الواقع يعني عمليًا أن الهدم لا يقابله أي تعويض أو إمكانية لإعادة البناء، بل يفتح الباب أمام موجات جديدة من التهجير القسري.
بطن الهوى وسلوان: نموذج للتهجير القسري
أحد أبرز الأمثلة على هذا النهج، ما جرى مؤخرًا في حي بطن الهوى ببلدة سلوان، حيث أقدمت قوات الكيان الإسرائيلي على هدم منزل عائلة خليل بصبوص، قبل أن يقوم مستوطنون بالاستيلاء عليه مباشرة والبدء بأعمال ترميم وتحويله إلى بؤرة استيطانية، وحسب مركز معلومات وادي حلوة، أدى هذا الاعتداء إلى تشريد عائلة مكونة من 13 فردًا، تُركوا دون مأوى في ظل غياب أي حماية دولية أو تدخل فعّال.
ولا تُعد هذه الحادثة استثناءً، بل تأتي ضمن سياق متواصل من عمليات الهدم التي تستهدف سلوان، باعتبارها أحد أكثر المناطق حساسية لقربها من المسجد الأقصى، ولما تمثله من عائق أمام مشاريع التهويد التي يسعى الكيان الإسرائيلي إلى فرضها بالقوة.
تصعيد خطير: هدم مبنى من 13 طابقًا
بلغ التصعيد ذروته مع إقدام قوات الكيان الإسرائيلي على هدم مبنى سكني مكون من 13 طابقًا في حي وادي قدوم ببلدة سلوان، في واحدة من أكبر عمليات الهدم التي تشهدها القدس منذ سنوات، وأسفر هذا الهدم عن تشريد 13 عائلة فلسطينية، تضم نحو مئة شخص معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى اعتقال شاب وفتى خلال العملية.
في أعقاب هذه الجريمة، اعتبرت حركة حماس، على لسان القيادي البارز عبد الرحمن شديد، أن ما جرى يشكل جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، ويأتي في سياق تنفيذ مخطط التهجير القسري للفلسطينيين من أراضيهم، وأكد شديد أن هدم مبنى كامل بهذا الحجم يعكس مرحلة جديدة من السياسات العدوانية التي تستهدف الوجود الفلسطيني في القدس بشكل مباشر.
وأضاف إن ما حدث في وادي قدوم يشكل “ناقوس خطر” حقيقيًا لما يُحاك من مخططات أخطر تستهدف هوية القدس ومستقبلها، مشددًا على أن هذه الإجراءات ليست سوى جزء من سياسة استعمارية متكاملة، تقوم على تفكيك الأحياء الفلسطينية، وتشديد الحصار، وفرض وقائع ديمغرافية جديدة تخدم مشاريع الاستيطان والتهويد.
الاستيطان يتوسع على أنقاض المنازل
بالتوازي مع عمليات الهدم والتهجير، يشهد النشاط الاستيطاني في القدس المحتلة تسارعًا ملحوظًا، في إطار خطة شاملة لتثبيت السيطرة الكاملة على المدينة، ففي أحدث هذه الخطوات، صادقت سلطات الكيان الإسرائيلي على بناء مرحلتين جديدتين في مستوطنة “آدم/جفعات بنيامين” شمال شرق القدس، تشملان مئات الوحدات السكنية الجديدة، بعضها مخصص لعناصر من قوات الاحتياط في جيش الاحتلال.
كما جرى خلال شهر أكتوبر الماضي تسجيل 13 مخططًا استيطانيًا جديدًا، شملت آلاف الوحدات السكنية على مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية، في وقت تشير فيه الإحصاءات إلى أن الكيان الإسرائيلي صادق منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023 على بناء نحو 13 ألفًا و755 وحدة استيطانية جديدة في القدس المحتلة وحدها.
ويرى مراقبون أن هذه الأرقام تعكس سياسة واضحة تقوم على الجمع بين الهدم والاستيطان: هدم المنازل الفلسطينية من جهة، وبناء وحدات استيطانية مكثفة من جهة أخرى، بما يؤدي في نهاية المطاف إلى تغيير الطابع السكاني للمدينة وتقليص الوجود الفلسطيني إلى حدوده الدنيا.
صمت دولي ومسؤولية قانونية
في مواجهة هذا التصعيد، حذرت جهات فلسطينية رسمية وحقوقية من خطورة الصمت الدولي المتواصل إزاء الجرائم التي يرتكبها الكيان الإسرائيلي في القدس، وأكدت محافظة القدس أن أي عملية هدم تؤدي إلى تهجير السكان تُعد جريمة حرب بموجب القانون الدولي، وجزءًا من مخطط استعماري يستهدف مصادرة الأراضي الفلسطينية وإحلال المستوطنين مكان أصحابها الشرعيين.
كما شددت حركة حماس وقوى فلسطينية أخرى على أن المجتمع الدولي، بما فيه الأمم المتحدة والمؤسسات الحقوقية والقانونية، يتحمل مسؤولية مباشرة عن استمرار هذه الجرائم، داعية إلى تحرك عاجل وفعّال لوقف سياسات الهدم والتهجير، ومحاسبة قادة الكيان الإسرائيلي على انتهاكاتهم الجسيمة للقانون الدولي الإنساني.
القدس في قلب المعركة
رغم شراسة الهجمة، يؤكد الفلسطينيون في القدس أن هذه السياسات لن تنجح في كسر إرادتهم أو اقتلاعهم من مدينتهم، فبالنسبة لهم، لا تمثل القدس مجرد مكان للسكن، بل هي جوهر الهوية الوطنية والدينية، وعنوان الصراع مع مشروع استعماري يسعى إلى محو التاريخ وتزييف الحاضر.
ومع استمرار عمليات الهدم والاستيطان في ظل غياب ردع دولي حقيقي، تبدو القدس اليوم أمام مرحلة مفصلية، تتطلب تحركًا سياسيًا وقانونيًا وإعلاميًا واسعًا، يعيد تسليط الضوء على ما يجري في المدينة المحتلة، ويكشف الوجه الحقيقي لسياسات الكيان الإسرائيلي القائمة على التهجير القسري وتغيير الوقائع بالقوة، وفي ظل ذلك، تبقى القدس ساحة مفتوحة لصراع الإرادة، بين شعب متمسك بأرضه وحقوقه، وكيان يسعى لفرض مشروعه الاستعماري مهما كلف الثمن.
