الوقت- منذ الإعلان عن التفاهم الأولي بين الحكومة السورية المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بدا واضحاً أن الاتفاق لم يكن نتاج قناعة سياسية راسخة بقدر ما كان محاولة لشراء الوقت وتخفيف الضغوط المتبادلة، فالاتفاق، الذي رُوّج له كخطوة نحو إعادة توحيد البلاد، حمل في داخله تناقضات بنيوية تتعلق بمفهوم الدولة، وحدود السلطة، وشكل السيادة، ومع مرور الوقت، بدأت هذه التناقضات بالظهور إلى السطح، لتتحول من خلافات تقنية إلى صدام سياسي وأمني، انتهى بتعثر المفاوضات وعودة التوتر العسكري في أكثر من منطقة.
جوهر الخلاف: الدولة المركزية في مواجهة الإدارة الذاتية
الخلاف الأساسي بين الطرفين لا يدور حول تفاصيل إجرائية، بل حول سؤال جوهري: من يملك القرار في سوريا؟ الحكومة السورية المؤقتة تنطلق من تصور تقليدي للدولة يقوم على مركزية السلطة واحتكار القرارين العسكري والاقتصادي، وترى في أي صيغة حكم ذاتي تهديداً مباشراً لوحدة البلاد، في المقابل، تنظر قسد إلى نفسها كقوة أمر واقع بنت مؤسسات إدارية وأمنية خلال سنوات الحرب، وترفض التفريط الكامل بهذه المكاسب دون ضمانات سياسية واضحة، هذا التناقض في الرؤية جعل أي اتفاق هشّاً وقابلاً للانهيار عند أول اختبار جدي.
إشكالية الشرعية السياسية وحدود الاعتراف
تشكل مسألة الشرعية السياسية أحد العوامل غير المعلنة التي أسهمت في تفجير الخلاف بين الطرفين، فالحكومة السورية المؤقتة تتعامل مع قسد بوصفها قوة أمر واقع فرضتها ظروف الحرب، لا شريكاً سياسياً كامل الحقوق، في المقابل تسعى قسد إلى انتزاع اعتراف سياسي بدورها والإقرار بتمثيلها شريحة واسعة من سكان شمال شرق سوريا، هذا التباين في مفهوم الشرعية جعل أي تفاهم مؤقتاً ومعلّقاً على توازنات قوة متغيرة، لا على أسس دستورية واضحة ومستقرة قادرة على الصمود أمام الضغوط الداخلية والتحولات الإقليمية المتسارعة، ما حوّل الاتفاق إلى هدنة سياسية قصيرة الأمد سرعان ما تآكلت بمجرد تغير الظروف الميدانية وتراجع منسوب المرونة بين الجانبين المتخاصمين.
النفط والاقتصاد: العقدة الأكثر حساسية
تشكّل الموارد النفطية في شمال شرق سوريا أحد أعقد ملفات الخلاف وأكثرها حساسية، فهذه الموارد ليست مجرد مصدر دخل، بل أداة نفوذ سياسياً وعسكرياً، الحكومة السورية المؤقتة ترى أن استعادة السيطرة على النفط شرط أساسي لاستعادة السيادة وإنعاش الاقتصاد الوطني، بينما تعتمد قسد على هذه الموارد لتمويل إدارتها ومؤسساتها العسكرية والخدمية، الصراع هنا ليس على العائدات فقط، بل على من يمتلك القدرة على التحكم بالاقتصاد المحلي، وهو ما جعل ملف النفط خطاً أحمر لدى الطرفين، وأسهم بشكل مباشر في تجميد التفاهمات.
البعد الاجتماعي وتأثير الصراع على المجتمعات المحلية
لم يقتصر تعثر الاتفاق على المستويين السياسي والعسكري، بل امتد ليؤثر مباشرة في البنية الاجتماعية للمناطق المعنية، فالمجتمعات المحلية التي علّقت آمالاً على الاستقرار وتحسين الخدمات وجدت نفسها مجدداً رهينة صراع مفتوح على السلطة والثروة، تراجع الثقة بالمسارات السياسية انعكس في حالة قلق عام، وتزايد المخاوف من عودة الفوضى الأمنية والانقسامات المجتمعية، كما أن استمرار الغموض حول مستقبل الإدارة والحكم يضعف قدرة المؤسسات المحلية على التخطيط والتنمية، ويكرّس شعوراً بعدم اليقين لدى السكان، ما يهدد بإعادة إنتاج بيئة هشّة قابلة للاختراق من قبل أطراف داخلية وخارجية تسعى لتوسيع نفوذها على حساب الاستقرار الاجتماعي والأهلي.
البعد العسكري: الدمج أم التفكيك؟
في الملف العسكري، تتجلى الأزمة بأوضح صورها، دمشق تطالب بحلّ البنية العسكرية لقسد ودمج عناصرها فرادى ضمن الجيش السوري، بما يضمن وحدة القيادة والسلاح، أما قسد فترى في هذا الطرح تهديداً وجودياً لها، وتسعى إلى دمج شكلي يحافظ على تماسكها الداخلي وخصوصيتها القيادية، هذا الخلاف جعل الاتفاق أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى خطة قابلة للتنفيذ، ومع غياب الثقة المتبادلة، تحوّل الملف العسكري إلى قنبلة موقوتة انفجرت مع أول احتكاك ميداني.
تداعيات التعثر: عودة السلاح إلى الواجهة
تعثر المفاوضات لم يبقَ في الإطار السياسي، بل انعكس سريعاً على الأرض عبر تجدد الاشتباكات وارتفاع منسوب التوتر الأمني، هذا التصعيد يهدد بإعادة إنتاج دوامة العنف في مناطق عانت طويلاً من الاستقرار الهش، كما أنه يضع السكان المحليين أمام واقع قلق، حيث تتراجع فرص الحل السياسي لمصلحة منطق القوة. الأخطر من ذلك أن استمرار هذا المسار قد يدفع أطرافاً خارجية إلى استغلال الفراغ السياسي والأمني، ما يعقّد المشهد ويطيل أمد الأزمة.
الحسابات الإقليمية وانعكاسها على مسار الاتفاق
لا يمكن فصل تعثر اتفاق قسد ودمشق عن السياق الإقليمي الأوسع الذي يحكم المشهد السوري، فكل طرف يتحرك ضمن شبكة معقدة من الحسابات والضغوط الخارجية التي تحدد سقف قراراته، الحكومة السورية المؤقتة تسعى إلى تثبيت سيادتها في مواجهة أي ترتيبات قد تُفهم كتنازل سياسي طويل الأمد، بينما تدرك قسد أن موقعها مرتبط بتوازنات إقليمية ودولية متقلبة. هذا التداخل جعل الاتفاق رهينة عوامل تتجاوز إرادة الطرفين، وأضعف فرص تحويله إلى مسار مستدام، ومع غياب مظلة إقليمية ضامنة، بقي التفاهم عرضة للاهتزاز مع كل تغير في أولويات اللاعبين المؤثرين.
آفاق المرحلة المقبلة: تسوية مؤجلة أم صدام مفتوح؟
في ضوء المعطيات الحالية، يبدو أن فرص العودة السريعة إلى طاولة التفاوض ضعيفة ما لم يقدّم أحد الطرفين تنازلات جوهرية، فالحكومة السورية المؤقتة غير مستعدة لقبول صيغة حكم لا مركزي موسّع، وقسد غير مستعدة للتخلي عن أوراق قوتها دفعة واحدة، بين هذين الموقفين، يقف الشمال السوري على مفترق طرق: إما إعادة إحياء مسار تفاوضي أكثر واقعية يقوم على حلول وسط، أو الانزلاق نحو صدام طويل الأمد يستنزف الجميع. وفي كل الأحوال، يبقى فشل هذا الاتفاق دليلاً إضافياً على أن الأزمة السورية لم تصل بعد إلى لحظة الحسم السياسي.
