الوقت - دأب الكيان الصهيوني على مدى الأعوام الماضية، على التنصل من كل عهد، والنكوص عن كل وثيقة، متكئًا على آلةٍ عسكرية لا تعرف السكون، عابرة للحدود، ناقضة للمواثيق. ومع هذا، فإن الحكومة السورية المؤقتة، التي يتزعمها أبو محمد الجولاني، وقد أعيَتها ضربات تل أبيب المتلاحقة، عادت لتولي وجهها شطر الدبلوماسية، أملاً في أن يکون في دهاليز المفاوضات وميادين السياسة ما يُطفئ أوار الحرب، أو يُسكِّن من وهج النيران المستعرة.
ولذلك، وبعد جولاتٍ عدّة من المباحثات الخفيّة، أُعلن عن عزم الطرفين على استئناف فصلٍ جديد من المفاوضات، يلتقي فيه المندوبون في باريس، في مسعى معلن لعقد تفاهم أمني مشترك.
وقد أفادت القناة الثانية عشرة في التلفزيون الصهيوني، نقلًا عن مصادر من داخل الكيان، بأن لقاءً مرتقباً سيجمع مسؤولين رفيعي المستوى من الجانبين، يوم الإثنين القادم، في باريس، ضمن جلسات تمتد ليومين، يُشارك فيها توم باراك، مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى سوريا، إلى جانب أسعد الشيباني وزير الخارجية في إدارة الجولاني، ووفد إسرائيلي.
وصرّحت وكالة الصحافة الفرنسية بأن هذه المبادرة تأتي في إطار ضغوط تمارسها إدارة ترامب على كلٍ من "إسرائيل" وسوريا، بغية تثبيت هدنة أمنية على الحدود، تمهيداً لخطوة يُرجى منها أن تُمهّد الطريق نحو تطبيع العلاقات الدبلوماسية في قادم الأيام. غير أن هذا الأمل، وإن تمسّكت به واشنطن، يبقى، في نظر المراقبين، رجاءً ضئيلاً، إذ إن الهوّة السحيقة التي تفصل بين تطلعات الطرفين ومقاصدهما من هذا الاتفاق، تجعل من الوئام المرتجى سراباً تُخايله العيون ولا تلمسه الأيدي.
التمهيد للمفاوضات
ما إن انقضى شهر مايو، حتى لاحت في الأفق بوادرُ مساعٍ لبلوغ اتفاقٍ أمنيّ بين دمشق وتل أبيب، فشمّر الإعلام السوري والعبري عن أنباء تُشيع انطلاق المراجعات في إطار اتفاق فك الاشتباك المؤرَّخ بعام 1974، مؤكداً إقامة قنوات اتصالٍ مباشرة بين الطرفين، بعد انقطاع مارس فيه كلٌّ ما شاء من صمتٍ أو تصعيد.
وكانت باكو، عاصمة أذربيجان، أولى المحطات التي احتضنت الجولة الرسمية الأولى، حيث اجتمع أبو محمد الجولاني، زعيم الحكومة السورية المؤقتة، مع وفدٍ صهيونيّ في لقاءٍ سرّي جرى في طيّات زيارته الرسمية لأذربيجان. وما إن لاح شهر أغسطس، حتى تسرّبت تقارير تحمل في طيّاتها إشارةً إلى انتقال المفاوضات إلى طورٍ أرفع، بل إن الساسة السوريين أنفسهم لم يُخلوا تصريحاتهم من التلميح إلى تقدّمٍ يبعث على الترقّب. ثم عادت باكو لتضيف جولةً ثانيةً إلى سجلها في شهر سبتمبر المنصرم.
أما آخر الجلسات، فقد انعقدت قبل شهرين تقريباً، غير أنها ما لبثت أن تهاوت أمام عوائق الخلافات الجوهرية واستقالة ران درمر، كبير مفاوضي تل أبيب، فشُلّ المسار وتوقّف الركب عند تلك العقبة. وهكذا، غدا اجتماع باريس المنتظر، خامس جولات المفاوضات، لعلّها تؤتي بعض أُكلها.
ومع تعنّت الكيان الصهيوني ورفضه القاطع لمبدأ الانسحاب من الأراضي التي احتلها بُعيد أفول دولة بشار الأسد، ظلّت جولات التفاوض تدور في فلكٍ خاوٍ، لا تُسفر عن أية نتيجة متوخاة. لكن، ورغم هذا الإخفاق المزمن، ألمحت بعض الوسائل الإعلامية استناداً إلى مصادر غير رسمية، إلى احتمال تحقق انفراجة في مفاصل هذه الجولة.
وقد أوردت “أكسيوس” أن تل أبيب، في هذه الجولة، قدّمت اقتراحاً مثقلاً بشروطها، يتضمن إقامة مناطق عازلة في جنوب غربيّ دمشق، وفرض حظرٍ جويّ فوق المجالات القريبة من الحدود يحول دون تحليق الطائرات السورية، وذلك في مقابل انسحابٍ محدود للقوات الإسرائيلية من أراضٍ دخلتها حديثاً، من غير أن تُفرّط في مواضع بعينها ترتئي فيها ضرورةً استراتيجيةً، كموقع جبل الشيخ (جبل حرمون)، الذي لطالما أرّخ لحضور استخباري صهيوني مُزمن.
مرامي تل أبيب من اتفاقٍ أمنيٍّ مع دمشق
إنّ الغاية التي يتحرك صوبها الكيان الصهيوني من ولوجه درب التفاوض مع سوريا، ومسعاه لإبرام اتفاق أمنيّ، تندرج ضمن إطار إستراتيجي واسع، تسعى من خلاله تل أبيب إلى إدارة المخاطر المحيطة بها، وإعادة رسم خرائط النفوذ والقوة في سوريا ما بعد الانهيار، وفق معادلات جديدة تصبّ في كفّة تفوّقها وتُضعف جبهة الخصم.
فدمشق كانت، وما فتئت، إحدى ركائز جبهة المقاومة، ينبضُ فيها قلبٌ عربيٌّ لم يهادن الغازي ولا استكان، وكانت بما راكمته من مقدّرات، نواة خطرٍ مُستدام على عمقها الاستراتيجي. فلما تداعت أركان دولة الأسد، رأت تل أبيب في اللحظة فرصةً نادرة الصوغ، وغنيمةً ينبغي ألا تُهدَر، فسعت بكل أدوات الهيمنة إلى إضعاف محور المقاومة في سوريا، اقتلاعاً لجذور الردع، وتجفيفاً لمنابع الصمود.
وفي هذا السياق، تمضي حكومة نتنياهو إلى فرض قيودٍ دقيقة على مفاصل القوة السورية، دفاعياً واستخبارياً وميدانياً، في محاولةٍ لاحتواء أي صحوة عسكرية أو ارتداد نحو مشروع المقاومة. وبالتالي، فإن الاتفاق الأمنيّ المأمول ما هو إلا قفصٌ يُراد إغلاقه على الحكومة المؤقتة، يُحصي عليها الأنفاس ويطوّقها بالقيود، ليمنع أي ولادة جديدة لسوريا مقتدرة، موحّدة السيادة، تعرف وجهتها ولا تُبدّل ثوابتها.
أما ما تسعى إليه تل أبيب من سيطرة تامة على الأجواء السورية، فذاك هدفٌ قديمٌ جديد، تسعى إليه بخُطى محسوبة. إذ لطالما استغلّت هشاشة الداخل السوري، فأطلقت يد سلاحها الجويّ يعيث في الآفاق، يضرب متى شاء، ويجوب كيفما أراد، مستثمراً السماء السورية بوصفها معبراً جوياً إلى ما وراء الحدود.
ومن هنا، فإن توقيع اتفاق أمني يُضفي طابعاً رسمياً على هذه الهيمنة، ويفرض على المنظومة الدفاعية السورية أثقال التقييد والشلل، ليُبقي الباب مشرعاً أمام عمليات تل أبيب الاستباقية، والإغارات التي تشكّل سلاحاً مكمّلاً للضغط السياسي وجمع المعلومات الاستخبارية الدقيقة.
وحين تتصاعد نُذر المواجهة بين إيران والكيان الصهيوني، يزداد حرص نتنياهو على تحويل المجال الجويّ السوري إلى منصة عمليات مفتوحة ضد طهران، بما يكفل له بسط النفوذ، واحتكار التفوق، وترسيخ ميزانٍ إقليمي تميل كفّته دوماً لصالحه.
من ناحية أخری، تمتدّ الأطماع الصهيونية من الجولان المحتلّ إلى الجنوب السوري، بلا انقطاع، إذ تُعدّ السيطرة على تلك الأصقاع ركيزةً استراتيجيةً في منظومة الأمن لدى تل أبيب، وأحد أعمدة غاياتها الكبرى. وقد كرّر طغاة الكيان مراراً أن الجنوب السوري ينبغي أن يكون منزوع السلاح.
وفي تصريح يُفصح عمّا في الصدور، أعلن “يسرائيل كاتس”، وزير الحرب في حکومة نتنياهو، أنّ الكيان لن يتراجع “حتّى عن نصف مليمتر” من الأراضي السورية التي احتلها، ماضياً في صَلَفه. ومن هذا المنطلق، تسعى حكومة نتنياهو عبر بوابة المفاوضات الأمنية إلى تحويل الواقع الراهن إلى حقيقة مبرّدةٍ بالأمر الواقع، تستند إليها شرعنة الاحتلال وتُبطل أيّ مطالبة مستقبلية من دمشق لاسترداد ترابها المحتل.
وفي ظل هذا المشهد، تتكئ تل أبيب على وجهٍ دبلوماسيٍّ مصطنع، تتزيّن به لتخفيف وطأة الانتقادات العالمية، ولا سيما تلك القادمة من العواصم العربية، فتخوض مباحثاتها من طرف اللسان، وتُواصل في الخفاء ما تشاء من غارات ومداهمات تحت يافطة “الضرورات الأمنية”، تسيغ بها العدوان وتمنحه الشرعية الزائفة.
ولم تَغب عن عين الکيان الصهيوني التحركات التركية على الأرض السورية، فقد راقبت تل أبيب بعين القلق تمدّد أنقرة شمالاً وجنوباً، مستشعرةً خطر القواعد العسكرية التركية التي قد تقترب من محيطها الغاصب، فشاركت سابقاً بعدّة ضربات موضعية ضد تلك النقاط، في رسالة تعبّر بوضوح أنها لا تُطيق لجارٍ عنيدٍ جواراً، ولا لطامعٍ آخر طمعاً.
لذا، فإنّ الاتفاق الأمني مع دمشق، في نظر رُعاة الاحتلال، ليس سوى أداة من أدوات كبح النفوذ التركي، وصمّام أمان لحفظ تفوّق الكيان في معادلات الميدان السوري، بل ورقعة ضغط ترسم للتحالفات حدودها، وللطموحات حواجزها.
أفق معتم لاتفاقٍ موعود
رغم الحراك السرّي والدفع العلنيّ الذي تقوده واشنطن لإقناع تل أبيب بالمضي نحو توقيع اتفاق أمني مع حكومة الجولاني، إلاّ أن مواقف المسؤولين الصهاينة تبيّن بجلاء أن المآلات المرتقبة لا تَعِدُ بشيء ذي بال، ولا تبشّر باتفاق مستقرّ ولا نهج معتدل. فربّما تنجح تل أبيب، على طاولة التفاوض، في انتزاع بعض المكاسب، أو فرض شروطٍ مشوبة بالإملاء، لكنّها لا تنظر إلى الكيان الناشئ في دمشق إلا بعين الريبة، وتراه غريب النَسب على موازين المنطقة، ضعيف الشوكة، مشوب الولاء.
فبين نهج الجولاني واستراتيجية تل أبيب بُعد المشرقَين، واختلافٌ في الجوهر والمصير، لا يجمع بينهما وُدٌّ ولا يقرّبهما هدف، ما جعل من إمكانية بناء جسور الثقة أمراً بعيد المنال. وقد أفصح نتنياهو قبل أشهر عن موقفه بلا تحفّظ، حين أعلن رفضه القاطع لتمركز أي كيان جديد في جنوب دمشق، بل وشجب ما وصفه بـ"غطرسة" الجولاني بعد زيارته لواشنطن، قائلاً: “عاد متكبّراً، وأطلق سلوكيات لن نغضّ الطرف عنها”. أما “يسرائيل كاتس”، فقد صرّح في أكثر من مقام بأن الجولاني لا يُؤتمن جانبه، وأنه تحت المجهر، تُرصده أعين الكيان صباح مساء من أعالي جبل الشيخ.
ومن ثمّ، فإن التجمّل بثوب الدبلوماسية لا يعدو كونه واجهةً يُدار من خلفها المسرح، وتُؤدّى عبرها فصول الضغط وأشكال التحكّم، لا نية فيها لحلٍّ ولا دافع فيها للسلام. فالغاية الكبرى لتل أبيب، ليست الاتفاق بحدّ ذاته، بل هندسة سوريا على مقاس المصالح الصهيونية، دولةً منهكةً ممزّقةً، لا تقوى على القيام، ولا تملك سلطاناً على أطرافها.
وفي هذا السياق، تتعمّد تل أبيب إخضاع فسيفساء الشعب السوري لمنهج “فرِّق تَسُدْ”، فتدعم جماعات الأقليات كالدروز والأكراد، لا شفقةً بهم، بل اتكالًا على صنع شقاق داخلي، يغذّي الانقسام، ويُضعف المركز، ويزرع الوهن في جسد الدولة، ليتهيّأ لها الجوّ لبسط تدخلها واستدامة مشروعها التوسعي.
وفيما يتعلّق بالجولاني، فلا ترى فيه تل أبيب أكثر من وجهٍ باهتٍ فاقد للهيبة، لا يرتكز على مشروعية شعبية، ولا يحظى بثقة المنطقة ولا احترام المجتمع الدولي، بل ولا يجمع ولاء المقاتلين أنفسهم. فتعتبره دُميةً سياسيةً تتحرّك بخيوط الخارج، خصوصاً أنقرة والرياض، ما يضاعف شكوكها، ويدفعها للتمنّع عن التفاوض الجادّ معه، فضلاً عن الاعتراف به طرفاً صالحاً لعقد معاهدات مصيرية.
وفي غمرة هذا المشهد، ومع استحضار سجلّ الكيان الصهيوني المليء بالغدر في لبنان وغزة، وخرقه المتكرّر لعهود وقف إطلاق النار، يصبح من اليقين أنّ أي اتفاقٍ مرتقب مع دمشق محكومٌ عليه بالسقوط. فجوهر سياسة الكيان، كما تجلّى في سلوك نتنياهو، يقوم على التوسّع والهيمنة، لا السلم والوفاق، وإن وقّعوا معاهدةً، فالعدوان مستمرّ، والاتفاق لا يعدو غطاءً يختفي تحته الطمع والاستيطان.
