الوقت- في حين حددت الولايات المتحدة وتركيا سابقًا نهاية عام 2025 موعدًا نهائيًا للجماعات الكردية والحكومة السورية المؤقتة بقيادة أبو محمد الجولاني للتوصل إلى اتفاق نهائي بشأن آلية دمج القوات الكردية في الجيش والهياكل الحكومية، إلا أنه على الرغم من جولات المفاوضات العديدة، لم تُفضِ هذه التحركات إلى النتيجة المرجوة.
والآن، وسط مخاوف من تصاعد التوترات بعد انقضاء الموعد النهائي، سافر قادة القامشلي إلى دمشق لعلهم يجدون حلًا لهذه المعضلة الأمنية عبر محادثات مباشرة.
في هذا السياق، أعلن مصدر عسكري في قوات سوريا الديمقراطية (قسد) يوم الأحد (14 يناير/كانون الثاني) أن وفداً كردياً رفيع المستوى، يضم القائد العام مظلوم عبدي وعضوي القيادة العامة لقوات سوريا الديمقراطية سوزدار حاجي وسيبان حمو، قد توجه إلى دمشق.
وأكد المركز الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية أن الوفد ناقش مسألة دمج الأكراد في الجيش الوطني مع مسؤولين من الحكومة المؤقتة خلال هذه الاجتماعات، ووفقاً لتقارير إعلامية، حضر الاجتماع أيضاً القائد الأمريكي كيفن ج. لامبرت، إلى جانب مسؤولين أكراد ودمشقيين.
ويبدو أن هذه الجولة من المحادثات قد انتهت أيضاً دون التوصل إلى حل فعال لتسوية الخلافات بين الجانبين. فقد أفادت شبكة الإخبارية السورية، نقلاً عن مصدر حكومي مطلع، أن هذه الاجتماعات، التي تُعقد لمتابعة تنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار 2025، لم تُسفر عن نتائج من شأنها تسريع تنفيذ الاتفاق على أرض الواقع، وأشارت الشبكة إلى أنه تم التوصل إلى اتفاق لعقد جولة جديدة من المحادثات في موعد لم يُحدد بعد.
تجدر الإشارة إلى أنه في مارس الماضي، وقّع الجولاني ومظلوم عبدي اتفاقية لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن الجيش، إلا أنه بعد فترة من توقيع الاتفاقية، برزت تحديات تتعلق بمنهجية وآلية الدمج. فبينما تسعى الحكومة السورية المؤقتة، تحت ضغط من تركيا، إلى ضمّ الميليشيات إلى الجيش بشكل فردي وغير مؤسسي، مع اشتراط عدم دمج جميع وحداتها المسلحة في الجيش السوري ونزع سلاح بعضها، وضع الجانب الكردي شروطه للحفاظ على الهوية التنظيمية لوحدات قوات سوريا الديمقراطية وضرورة إدراجها في الدستور السوري.
وقد دفع هذا النهج الأكراد إلى التراجع عن التزاماتهم في مجال نزع السلاح، ونتيجة لذلك، لم تدخل هذه الاتفاقية مرحلة التنفيذ حتى الآن، بل إن اندلاع اشتباكات متفرقة بين القوات الكردية وعناصر هيئة تحرير الشام في مواقع مختلفة، بما في ذلك حلب، أظهر أن الطريق إلى التوصل إلى اتفاق شامل بشأن آليات الأمن لا يزال طويلاً ومعقداً.
المطالب السياسية والأمنية للأكراد
على الرغم من إعلان القادة الأكراد، تحت ضغط من الولايات المتحدة، استعدادهم الظاهري للاندماج في هياكل الحكومة المركزية، إلا أنهم يرفضون تقديم أي تنازلات حتى تُلبّى مطالبهم.
ورغم موافقة مظلوم عبدي على الاندماج في الحكومة الجديدة، فقد شدد مرارًا على مطلبه باللامركزية، ويؤكد الأكراد على ضرورة أن يكون النظام الحكومي السوري الجديد لامركزيًا وديمقراطيًا ومتعدد الأعراق، حتى لا تتركز السلطة في يد دمشق وحدها، وحتى تتمكن مختلف المناطق، بما فيها المناطق الكردية، من لعب دور فعلي في إدارة شؤونها، بعبارة أخرى، ينبغي النظر في منح الأكراد في شمال وشرق سوريا نوعًا من الاستقلال السياسي والأمني، وقد طُرح هذا المطلب مرارًا في مناصب رسمية، ولا تزال المناقشات جارية بشأنه.
إضافة إلى ذلك، يطالب الأكراد بحضور فعّال وتمثيل حقيقي في المؤسسات الحكومية ومراكز صنع القرار، بحيث يكون لعدد من الوزراء وكبار المسؤولين الأكراد تمثيل في هرم السلطة السياسية السورية. ويؤكدون أيضاً على ضرورة عدم حلّ قوات سوريا الديمقراطية بالكامل، بل دمجها في الجيش السوري أو قوات الأمن الوطني ضمن إطار رسمي، مع الحفاظ على هيكل قيادة محلي.
إلا أن حكومة الجولاني لم تقبل هذه المطالب حتى الآن، كما يعارض المسؤولون الأمريكيون معظمها، وكان توماس باراك، المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، قد أكد سابقاً أن واشنطن تدعم "سوريا موحدة بشعب واحد وجيش واحد ودولة واحدة"، ورفضت رفضاً قاطعاً مطالب الأكراد السوريين.
وفي هذا السياق، تسعى تركيا، بمساعدة قوات تابعة لحكومة الجولاني، للحصول على إذن من الولايات المتحدة لتنفيذ عمليات جديدة ضد مواقع الأكراد.
إلا أن حكومة الجولاني غير مستعدة للدخول في صراع شامل مع الأكراد في الوضع الراهن، من جهة، يواجه موجة من الهجمات المتواصلة من قبل الكيان الصهيوني في الجنوب، ومن جهة أخرى، ونظرًا للصراعات مع الأقليات الدرزية والعلوية في مناطق أخرى، فضلًا عن افتقاره للسلطة والشرعية الكافية لتنظيم الوضع في البلاد بشكل كامل، يُفضّل مواصلة الحوار مع الأكراد، على أمل التوصل في المستقبل القريب إلى حلٍّ ينهي الصراعات الأمنية والسياسية.
تسيطر قوات سوريا الديمقراطية على أجزاء واسعة من شمال وشمال شرق البلاد، وهي مناطق غنية بالنفط، وقد تمكنت، بدعم من الولايات المتحدة، من ترسيخ نفوذها وسلطتها في هذه المنطقة خلال العقد الماضي، إن خسارة هذه المكاسب ومصادر الطاقة المهمة، دون الحصول على تنازلات أمنية وسياسية جوهرية، ستكون لها تكلفة باهظة على القادة الأكراد.
احتمال غير واضح بالتوصل إلى اتفاق بين الأكراد ودمشق
رغم محاولات الولايات المتحدة تهدئة مخاوف تركيا ومنع أنقرة من شنّ هجوم جديد على شمال سوريا عبر التوسط في اتفاق بين الجولاني وكوباني، إلا أن جهود واشنطن الدبلوماسية لم تُكلل بالنجاح عمليًا، وكان توماس باراك قد حذّر الأكراد سابقًا من إمكانية طرح "خيارات بديلة" في حال عدم التوصل إلى اتفاق مع دمشق بحلول نهاية ديسمبر/كانون الأول، مع ذلك، لم يُعلّق المسؤولون الأمريكيون على الأمر منذ فترة، ولا يزال من غير الواضح ماهية هذه البدائل أو كيف سترد الولايات المتحدة في حال تجدد القتال بين الجانبين.
من جهة أخرى، يبدو أن تركيا، التي كانت تأمل أن يُتيح الموعد النهائي فرصةً، وراهنت على دعم حكومة الجولاني للقضاء على التهديد المستمر منذ عقود الذي يُشكّله الأكراد السوريون من حدودها الجنوبية، لم تتلقَّ التعاون اللازم من دمشق في هذا الشأن، لهذا السبب، ومع فشل المفاوضات الأخيرة وانتهاء مهلة الإنذار، ثمة احتمال أن تستخدم تركيا القوات التابعة لها، والمعروفة باسم "الجيش الوطني السوري"، لشنّ عمليات جديدة ضد الأكراد دون مشاركة حكومة الجولاني، الأمر الذي قد يُشكّل تحديًا خطيرًا لعملية الاتفاقات الأمنية.
إضافةً إلى ذلك، يرفض الأكراد تسليم أسلحتهم بسبب التهديدات التركية، ويرغبون في الحفاظ على الهيكل العسكري الحالي في المناطق الشمالية والشرقية من سوريا ضمن إطار الجيش والمؤسسات الحاكمة، حتى في حال التوصل إلى اتفاق مع دمشق، ويطالب الأكراد بتشكيل قوات كردية مستقلة ضمن الجيش الوطني، تعمل تحت قيادة قادتهم لا أولئك الذين تُعيّنهم حكومة الجولاني، لذا، يسعى الأكراد حاليًا إلى الحفاظ على الوضع الراهن من خلال مواصلة عملية الحوار المتكرر، على أمل تحقيق مطالبهم ومصالحهم على طاولة المفاوضات مستقبلًا.
بناءً على هذه التفسيرات، يمكن القول إن تنامي انعدام الثقة وعدم الاستقرار الداخلي في سوريا قد جعلا احتمالية توقيع اتفاق بين الأكراد ودمشق غامضة وغير مؤكدة، وإذا استمر هذا الوضع، فستستمر المناوشات المحدودة بين قوات الجانبين. كما يُحتمل أن يستغل الكيان الصهيوني، مع تزايد الضغط التركي وحكومة جولاني على الأكراد، هذه الفرصة لدعمهم وتأجيج الوضع الأمني في سوريا، وإذا كانت سياسات الولايات المتحدة في هذا الشأن متوافقة مع مواقف تل أبيب، فلن يكون نزع سلاح الأكراد بالأمر الهين.
