الوقت- في السنوات الأخيرة، وبوتيرة متسارعة منذ عام 2023، يشهد كيان الاحتلال الإسرائيلي ظاهرة مقلقة باتت تتصدر النقاشات الاقتصادية والإعلامية داخله، وهي هجرة المتخصصين والكفاءات، ولا سيما في قطاعات التكنولوجيا والتكنولوجيا المتقدمة، بأعداد غير مسبوقة منذ تأسيس الكيان، لم تعد هذه الظاهرة مجرد تسرب محدود للعقول، بل تحولت إلى ما يشبه نزيفًا هيكليًا يهدد ركائز الاقتصاد الإسرائيلي ونموذجه القائم على "اقتصاد المعرفة".
هذا القلق عبّرت عنه بوضوح صحيفة "كالكاليست" الاقتصادية العبرية، حين حذرت من أن “لا بد من اتخاذ إجراءات فورية لوقف نزيف الكفاءات في كيان الاحتلال الإسرائيلي”، معتبرة أن الأولوية القصوى للحكومة التي ستتولى السلطة بعد انتخابات 2026 يجب أن تكون وقف الهجرة العكسية المتصاعدة، هذا التحذير لا يأتي من فراغ، بل من واقع أرقام واتجاهات باتت ملموسة حتى دون الرجوع إلى بيانات المكتب المركزي للإحصاء.
أرقام تعكس أزمة عميق
وفقًا لما أقرّت به "كالكاليست"، فإن جزءًا كبيرًا من نحو 69 ألف إسرائيلي غادروا الكيان خلال عام 2025 كانوا من العاملين في قطاعي التكنولوجيا والتكنولوجيا المتقدمة، وهذه الفئة تحديدًا تُعد العمود الفقري للاقتصاد الإسرائيلي، إذ تشكل شركات “الهايتك” المصدر الرئيسي للنمو، ولعائدات التصدير، ولجذب الاستثمارات الأجنبية.
سهولة حصول هؤلاء المتخصصين على فرص عمل في الخارج، مقارنةً بغيرهم من الفئات، جعلت هجرتهم أسرع وأكثر كثافة، فالمهندس أو خبير البرمجيات أو الباحث في الذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى سنوات لإعادة بناء حياته المهنية في أوروبا أو الولايات المتحدة أو كندا؛ بل غالبًا ما تكون العروض الوظيفية بانتظاره حتى قبل مغادرته.
الانقلاب القانوني والحرب: محفزات مركزية للهجرة
لا يمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن التحولات السياسية العميقة التي شهدها كيان الاحتلال، وعلى رأسها ما يُعرف بـ“الانقلاب القانوني” الذي أطلقته حكومة اليمين المتطرف، وما تبعه من حرب طويلة ومفتوحة على غزة، أدخلت المجتمع الإسرائيلي في حالة استقطاب حاد وعدم يقين مزمن.
مسؤولون تنفيذيون في قطاع التكنولوجيا المتقدمة يعترفون بأن عدد طلبات الموظفين للانتقال إلى خارج فلسطين المحتلة ارتفع بشكل حاد منذ بدء الانقلاب القانوني والحرب التي تلته، فالمسألة لم تعد فقط اقتصادية أو مهنية، بل باتت تمس مستقبل النظام السياسي، واستقلال القضاء، وطبيعة الدولة نفسها.
بالنسبة لقطاع واسع من المتخصصين، وخاصة أولئك الذين عملوا أو درسوا في بيئات دولية، فإن تآكل ما تُسمى بـ“الديمقراطية الإسرائيلية” وازدياد النزعة الدينية والقومية المتطرفة، شكّلا عامل طرد قوي، هؤلاء لا يرغبون في تربية أبنائهم في مجتمع يسير نحو العزلة الدولية، ويواجه خطر العقوبات، ويتحول إلى ساحة صراع دائم.
شهادة من قلب المنظومة الأمنية-التكنولوجية
خطورة الظاهرة عبّر عنها أيضًا نداف تسافيرير، القائد السابق للوحدة 8200، وهي نخبة الاستخبارات السيبرانية في جيش الاحتلال، والرئيس التنفيذي الحالي لشركة تشيك بوينت، أحد أكبر شركات الأمن السيبراني الإسرائيلية، ففي تصريح لافت الأسبوع الماضي، قال إن التهديد الرئيسي للتكنولوجيا المتقدمة والاقتصاد الإسرائيلي ليس الذكاء الاصطناعي أو التقنيات المنافسة، بل ببساطة هجرة العقول.
هذا التصريح يحمل دلالة عميقة، لأن الوحدة 8200 تُعد المصدر الأساسي للكفاءات التي تقود قطاع الهايتك، وإذا كان أحد رموز هذه المنظومة يعترف بأن الخطر الأكبر هو فقدان البشر أنفسهم، فهذا يعني أن الأزمة بنيوية وليست ظرفية.
الأسباب العميقة لهجرة المتخصصين
1. عدم الاستقرار السياسي والمؤسسي
البيئة التي يشعر فيها المتخصص بأن القوانين تتغير وفق أهواء سياسية، وأن القضاء لم يعد ضامنًا للحقوق، تصبح بيئة طاردة للإبداع والاستثمار طويل الأمد.
2. الحرب الدائمة وتآكل الشعور بالأمان
الحرب على غزة، واحتمالات توسعها إقليميًا، والتوتر الداثم مع لبنان و دول المنطقة خلقت حالة قلق وجودي، وخصوصًا لدى العائلات الشابة، كثيرون يفضلون العيش في مجتمعات مستقرة، حتى لو كان دخلهم أقل نسبيًا.
3. العزلة الدولية المتزايدة
تصاعد الاتهامات بارتكاب جرائم حرب، والحديث عن ملاحقات قانونية دولية، يثير مخاوف من تقييد حركة الإسرائيليين، ومن صعوبة التعاون العلمي والتقني مع مؤسسات عالمية.
4. سهولة الاندماج في الأسواق العالمية
على عكس قطاعات أخرى، فإن المتخصصين في التكنولوجيا يعملون بلغة عالمية واحدة، الانتقال إلى وادي السيليكون أو برلين أو تورنتو لا يمثل قفزة في المجهول، بل امتدادًا طبيعيًا لمسارهم المهني.
النتائج المتوقعة على القطاعات الاقتصادية
قطاع التكنولوجيا المتقدمة
سيكون المتضرر الأكبر، نقص الكفاءات سيؤدي إلى تباطؤ الابتكار، وتراجع تأسيس الشركات الناشئة، وانخفاض جاذبية الكيان للمستثمرين الأجانب، كثير من صناديق الاستثمار قد تفضل نقل أموالها إلى بيئات أكثر استقرارًا.
سوق العمل والأجور
على المدى القصير، قد ترتفع أجور المتخصصين المتبقين، لكن على المدى المتوسط والطويل سيؤدي تقلص القاعدة البشرية المؤهلة إلى انكماش السوق، وتقليل فرص النمو.
المالية العامة والضرائب
قطاع الهايتك يساهم بنسبة كبيرة من الضرائب. هجرة هذه الفئة تعني تراجع الإيرادات الضريبية، ما سيضغط على ميزانية الدولة، وخاصة في ظل نفقات عسكرية متزايدة.
القطاعات التقليدية
حتى القطاعات غير التكنولوجية ستتأثر، لأن الهايتك يشكل محركًا للاقتصاد ككل، تراجع هذا المحرك سينعكس على الاستهلاك، والعقارات، والخدمات.
المكانة الاستراتيجية للكيان
لطالما قدم الاحتلال نفسه كـ“دولة ابتكار”، هجرة العقول تقوض هذه الصورة، وتضعف قدرته على استخدام التفوق التكنولوجي كأداة قوة سياسية وعسكرية.
هل من إمكانية لوقف النزيف؟
رغم دعوة "كالكاليست" إلى جعل وقف الهجرة أولوية للحكومة المقبلة، فإن المهمة تبدو شديدة التعقيد، فالأزمة ليست مجرد حوافز مالية أو تسهيلات ضريبية، بل أزمة ثقة عميقة في المسار السياسي والأخلاقي للكيان.
ما لم يحدث تحول جذري في السياسات الداخلية، وإنهاء حالة الحرب الدائمة، ومعالجة الانقسام المجتمعي، فإن أي حلول تقنية ستبقى محدودة الأثر، فالعقول لا تهاجر فقط بحثًا عن المال، بل عن الاستقرار، والحرية، والمستقبل.
ختام القول
هجرة المتخصصين من كيان الاحتلال الإسرائيلي لم تعد ظاهرة هامشية، بل أزمة وجودية للاقتصاد والمجتمع، الأرقام، والشهادات من داخل قطاع التكنولوجيا، وتحذيرات الصحافة الاقتصادية العبرية، كلها تشير إلى أن الكيان يواجه لحظة مفصلية، وإذا استمر نزيف العقول بهذا الشكل، فإن "إسرائيل" قد تجد نفسها خلال سنوات قليلة أمام اقتصاد أضعف، ومكانة دولية متراجعة، ونموذج تنموي يتآكل من الداخل، مهما امتلكت من تفوق عسكري أو دعم سياسي خارجي.
