الوقت - الدكتورة رويا موفق، خبيرة شؤون أفغانستان وآسيا الوسطى: عشية الذكرى السادسة لعودة طالبان إلى السلطة، لفت نبأ عصيان وتمرد قائد طاجيكي من طالبان في ولاية بدخشان شمال شرق أفغانستان انتباه المحللين.
حمل "جمعة خان فاتح"، أحد قادة طالبان المؤثرين في بدخشان، والذي كان قد استقال سابقًا من منصب نائب حاكم طالبان في ولاية زابل، السلاح ضد قوات طالبان في قندهار في مديرية ناسي ببدخشان. وفي يوم الأربعاء، دعا رجاله والشعب في رسالة صوتية إلى شن حرب ضد طالبان.
اندلعت اشتباكات بين قوات طالبان ورجال جمعة خان فاتح ليلة الثلاثاء في مديرية ناسي، وأفادت مصادر محلية بمقتل خمسة على الأقل من عناصر طالبان قندهار في هذه الاشتباكات. لم يكن هذا الحادث، الذي تزامن مع عودة جمعة خان فاتح إلى بدخشان من كابول، مجرد تمرد عابر، بل كان مؤشراً على انقسامات عرقية وهيكلية عميقة داخل حركة طالبان، قد تُشكل تحديات خطيرة لمستقبلها.
ومن أهم العوامل التي تُغذي هذا الاستياء نزع سلاح قادة طاجيك واعتقالهم من قبل قيادة طالبان البشتونية.
في يوليو/تموز 2014، اعتقلت طالبان الحاج غلام حسين، وهو قائد طاجيكي في مديرية شاه آب بولاية تخار، ونزعت سلاح 350 من رجاله. وقد اعتُقل القائد، الذي كان يتعاون مع طالبان منذ عام 2016 ويُشارك في إدارة مناجم الذهب في شاه آب، دون إبداء أي سبب.
ليست هذه المرة الأولى التي تجرد فيها حركة طالبان قادتها غير البشتون من أسلحتهم في المحافظات الشمالية؛ فقد سبق اعتقال عدد من القادة الأوزبك في فارياب وتخار. وتبعث هذه الإجراءات، التي يعتقد كثيرون أنها تهدف إلى إضعاف نفوذ القادة المحليين وتعزيز موقع قيادة قندهار، برسالة واضحة إلى جميع فصائل طالبان غير البشتونية التي لا مكان لها فعلياً في هذا الهيكل.
وقد أصبحت بدخشان بؤرة رئيسية للتوترات الداخلية بين عناصر طالبان في الأشهر الأخيرة. وأدى تمرد جمعة خان فاتح، الذي كان عليه البدأ بنزع سلاح قواته على يد تاج مير جواد، نائب رئيس استخبارات طالبان، إلى اشتباكات واسعة النطاق لم يكن وزراء الدفاع والداخلية ورئيس المخابرات على علم بها. ويعكس هذا النقص في التنسيق على أعلى مستويات القيادة شرخاً عميقاً بين مجلسي قندهار وكابول.
بالتزامن مع هذه الاشتباكات، سيطرت جماعة "سباهيان ميهن" المُنشأة حديثًا على مركز مديرية يفتل بايين لبضع ساعات، مما زاد من حساسية الوضع الأمني في الولاية. ومما لا شك فيه أن الاشتباكات المتزامنة في مدينة زيباك، والتطورات في يفتل بايين، وتصاعد الخلافات الداخلية بين عناصر طالبان، تشير إلى أن الوضع الأمني في بدخشان يزداد تعقيدًا.
وفي هذا السياق، صرّح الناشط السياسي الأفغاني مسلم شيرزاد، في مقابلة مع موقع "اتحاد نيوز" الإخباري، عن "غضب طالبان الطاجيك"، قائلاً إن طالبان البشتون همّشت وأهانت طالبان الطاجيك، وإذا عصوا الأوامر، فسوف يتم القضاء عليهم بوصمهم بـ"داعش". كما تحدث عبد الحميد خراساني، أحد قادة طالبان بنجشير، في تسجيل صوتي عما أسماه نزع سلاح "طالبان غير البشتون" في شمال شرق البلاد، وزعم أن طالبان الناطقين بالفارسية يتعرضون لمعاملة تمييزية. تشير هذه التصريحات إلى أن السخط من التمييز العرقي بات خطابًا سائدًا بين صفوف حركة طالبان الطاجيكية.
ينبع جزء كبير من هذا السخط من احتكار البشتون للمناصب القيادية، لا سيما في منطقة قندهار. ووفقًا لتقرير اللجنة الفنية للعقوبات التابعة لمجلس الأمن، تسعى قيادة طالبان في قندهار إلى تعزيز موقعها ونفوذها على عناصر طالبان غير البشتون. وقد أصبح هذا الاحتكار، الذي يتجلى بوضوح في توزيع المناصب العسكرية والإدارية العليا، مصدرًا رئيسيًا للسخط بين القادة الطاجيك. حتى أن بعض أوامر قيادة طالبان، بما فيها حظر زراعة الخشخاش في بدخشان، قد تم تجاهلها بسبب هذه الخلافات. ويشير هذا التجاهل لأوامر القيادة إلى أن الانقسام العرقي قد بلغ حدًا يهدد تماسك القيادة.
وقد أدى النهج التمييزي الذي تنتهجه قيادة طالبان إلى انعدام ثقة عميق بين عناصر طالبان غير البشتون. إن نزع سلاح القادة الطاجيك، واعتقالهم التعسفي، وتجاهل دورهم في انتصارات طالبان العسكرية، كلها عوامل ساهمت في ترسيخ انعدام الثقة هذا. يشعر القادة الطاجيك بأن دورهم ثانوي وهامشي في هيكل سلطة طالبان، وأنهم سيكونون أول من يُستهدف كلما شعرت قيادة قندهار بالتهديد. وقد أصبح انعدام الثقة هذا، المتجذر في سنوات من التمييز البنيوي، أحد أخطر التحديات التي تواجه وحدة طالبان.
ولا تقتصر الخلافات الداخلية في طالبان على القضايا العرقية والسياسية فحسب، بل تلعب الموارد المالية والاقتصادية دورًا هامًا في تأجيج هذه التوترات.
وفي بدخشان، أسفرت اشتباكات دامية بسبب مناجم الذهب عن مقتل ما لا يقل عن 15 شخصًا. كما أدى اشتباك مسلح آخر بين قادة طالبان المحليين حول حق استخدام المراعي في مديرية جرم بدخشان إلى تدخل للتهدئة من كبار قادة طالبان من كلا الجانبين.
بحسب مصادر محلية، استمر النزاع نحو أسبوعين، ونفق أكثر من مئة رأس من الأغنام. ومن المثير للاهتمام أن فصيح الدين فطرت، رئيس أركان طالبان، الذي يملك نحو خمسمئة رأس من الأغنام في مراعي هذه المنطقة، قد نشر عشرات المسلحين لحماية مواشيه. وهذا يدل على أن حتى كبار المسؤولين العسكريين في طالبان ينحازون إلى أحد الأطراف في النزاعات المحلية على الموارد، مما يزيد من حدة هذه النزاعات.
إضافةً إلى العوامل الداخلية، يعتقد بعض المحللين أن جهات خارجية تلعب دورًا في تصعيد هذه النزاعات. فباكستان، التي لطالما دعمت طالبان البشتونية، ربما تسعى إلى استغلال الظروف الجديدة للضغط على هذه الجماعة من خلال تنشيط حركات المعارضة.
كما أن طاجيكستان، التي أرسلت مذكرة احتجاج إلى طالبان عقب الاشتباكات الأخيرة في بدخشان، تشعر بالقلق إزاء عدم الاستقرار في مناطقها الحدودية. تُثير التحركات العسكرية المتزامنة للمعارضة وتصاعد التوترات على الحدود الأفغانية الباكستانية تساؤلات حول ما إذا كانت جهات إقليمية تسعى لاستغلال الانقسامات الداخلية في حركة طالبان. ورغم أن هذه التكهنات تحتاج إلى مزيد من الأدلة، إلا أنه لا يمكن تجاهل الدور المحتمل لجيران بدخشان في تصعيد هذه الأزمة أو إدارتها.
يُعدّ تمرد قادة طالبان الطاجيك في بدخشان مؤشراً خطيراً على وحدة الحركة. فما بدا للوهلة الأولى نزاعاً محلياً، هو في الواقع رمز لانقسامات عرقية وسياسية واقتصادية عميقة داخل هيكل سلطة طالبان. إن نزع سلاح القادة، واحتكار البشتون للمناصب، وانعدام الثقة في القوات غير البشتونية، والصراع على الموارد المالية، كلها تشير إلى أزمة هيكلية فشلت قيادة طالبان حتى الآن في إدارتها بشكل سليم.
في الشهرين أو الثلاثة أشهر الماضية، أصبحت بدخشان بؤرة هذه التوترات، وتُظهر تطوراتها أن السخط قد تجاوز مرحلة الاحتجاج اللفظي، وتحول إلى اشتباكات مسلحة واسعة النطاق.
بإصداره حكما بـ"البغي" على جمعه خان فاتح وإرساله قوات خاصة إلى بدخشان، أغلق زعيم طالبان، هبت الله أخوند زاده، فعليًا طريق الحوار وتبنى نهجًا قمعيًا. مع ذلك، تشير التقارير إلى أن لجمعه خان فاتح حلفاء محليين في إحدى عشرة منطقة من مديريات درواز، وقد وعدوا بالتعاون في حال اندلاع صراع واسع النطاق.
تشير التوقعات إلى أنه إذا استمر هذا الحال، فستواجه طالبان تحديًا متزايدًا في الحفاظ على تماسكها الداخلي. وإذا لم تستجب قيادة قندهار لسخط القادة الطاجيك وتجعل هيكل السلطة أكثر شمولًا، فقد نشهد امتداد هذه الحركات التمردية إلى محافظات شمالية أخرى.
من جهة أخرى، ستستغل الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية هذه الثغرات للضغط على طالبان.
في مثل هذه الحالة، لن يعتمد مستقبل طالبان على قدراتها العسكرية، بل على قدرة قيادة الجماعة على إدارة التنوع العرقي وبناء هيكل سلطة شامل؛ وهو أمر يبدو بالغ الصعوبة في ظل الظروف الراهنة.
