الوقت - في حين لا يزال الكيان الصهيوني متورطاً في التداعيات الواسعة لحرب غزة، ولم يسلم من تبعاتها السياسية والأمنية والاقتصادية والدولية، فقد أشعل في الوقت نفسه أزمة أخرى في الضفة الغربية. أزمة، وإن كانت أقل تسليطاً للضوء عليها في وسائل الإعلام العالمية من حرب غزة، إلا أنها لا تقل خطورةً وانعداماً للأمن، وتؤثر على مستقبل حياة الفلسطينيين في هذه المنطقة.
إذا كانت آلة الحرب التابعة للجيش الصهيوني في غزة مسؤولة بشكل مباشر عن الدمار والقتل، فإن الفاعلين الرئيسيين في الضفة الغربية هم المستوطنون المتطرفون الذين أصبحوا فعلياً القوة الميدانية لمشروع الاحتلال.
في آخر التطورات، أعلنت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، يوم الجمعة، عن إصابة فلسطينيين اثنين بنيران مستوطنين إثر هجوم استهدف منطقة "العديسة" في بلدة "سعير" شمال الخليل. وفي نابلس، أعاد المستوطنون تمركزهم ونصبوا خيامًا حول منازل الفلسطينيين المحاصرين لليوم الخامس على التوالي في منطقة "رأس العين" ببلدة "قصرة" جنوب نابلس. وفي الوقت نفسه، شهدت قرية "المغير" شمال شرق رام الله اشتباكات اندلعت بعد مقاومة السكان لهجوم آخر شنه المستوطنون.
ومع تصاعد هجمات المستوطنين، لم يعد ما يحدث في الضفة الغربية اليوم مجرد سلسلة من الاشتباكات المتفرقة، بل هو أشبه بحرب استنزاف صامتة ضد الفلسطينيين. فالعديد من الفلسطينيين اليوم ليسوا في ساحة المعركة، بل يواجهون جماعات تداهم القرى ليلًا وتستهدف كل ما يرمز إلى الحياة الفلسطينية وبقائها.
تقارير صادمة عن حجم جرائم المستوطنين
تشير تقارير المنظمات الدولية إلى تصاعد هجمات المستوطنين في الأشهر الأخيرة إلى مستويات غير مسبوقة. فقد أعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في تقرير صدر يوم الجمعة، أنه منذ بداية العام وحتى نهاية يوليو/تموز 2026، تم تسجيل أكثر من 1330 هجومًا استيطانيًا ضد الفلسطينيين في مختلف أنحاء الضفة الغربية، أي ما يزيد عن ستة هجمات يوميًا. وقد أثرت هذه الهجمات على مئات العائلات الفلسطينية، وعرّضت عشرات القرى والبلدات لانعدام الأمن بشكل مستمر.
ووفقًا للتقرير نفسه، قُتل ما لا يقل عن 18 فلسطينيًا وأُصيب نحو 900 آخرين في هجمات استيطانية منذ بداية هذا العام.
وفي أسبوع واحد فقط، أفاد مكتب أوتشا بتسجيل 38 هجومًا استيطانيًا، أسفرت عن إصابات بين الفلسطينيين وأضرار في الممتلكات. كما أفاد المكتب بهدم مستوطنين ثلاثة منازل فلسطينية في منطقة طوبا بمحافظة سفر يطا، ما أدى إلى نزوح 23 شخصًا، بينهم 14 طفلًا.
بحسب بيانات نشرتها يوم الجمعة هيئة مكافحة جدار الفصل والمستوطنات التابعة للسلطة الفلسطينية، نفّذت القوات الإسرائيلية والمستوطنون المتطرفون 2256 هجوماً على الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم خلال شهر يوليو/تموز، منها 1458 هجوماً شنّتها القوات العسكرية و798 هجوماً نفّذها المستوطنون. ووفقاً لبيانات فلسطينية، تصدّرت محافظات رام الله والبيرة ونابلس قائمة المناطق الأكثر تضرراً من هذه الهجمات.
وأفادت وكالة أسوشييتد برس من منطقة قصرة بأن العائلات الفلسطينية محاصرة خوفاً من استيلاء المستوطنين على منازلها، وأن نشطاء حقوق الإنسان يُمنعون من إيصال الغذاء والمساعدات إليهم. وفي السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة يوم الجمعة من أن جهود الإغاثة في الضفة الغربية تتأخر وتُقيّد بسبب شبكة واسعة تضم 900 حاجز مادي، تشمل نقاط تفتيش وبوابات وحواجز طرق.
كما نشرت صحيفة وول ستريت جورنال تقريراً عن حصار منازل الفلسطينيين ومحاولات المستوطنين الاستيلاء على الأراضي المحيطة بها، مشيرةً إلى انقطاع المياه والكهرباء عن السكان، وأن عشرات الأشخاص يعيشون في حالة طوارئ.
يُعدّ القطاع الزراعي الفلسطيني أحد الأهداف الرئيسية لهذه الهجمات، فهو مصدر الدخل الأساسي لآلاف العائلات. ففي جنوب الخليل والمناطق المحيطة بنابلس، شنّ المستوطنون هجمات متكررة على الأراضي الزراعية، ودمروا مئات أشجار الزيتون، بعضها معمر منذ عقود، ويرمز إلى ارتباط الفلسطينيين بأرضهم. وإلى جانب هذه الأعمال، بات تدمير خزانات المياه، وألواح الطاقة الشمسية، وأسوار المزارع، ومعدات الريّ، أمراً شبه يومي.
وذكرت وكالة رويترز، يوم الجمعة، أن المستوطنين في منطقة فسيل بوادي الأردن استولوا على مصدر مياه رئيسي يستخدمه المزارعون الفلسطينيون، وحوّلوا مساره. ونتيجة لذلك، انقطعت المياه عن حقول الباذنجان والقرع والبطيخ، ما ترك مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية غير مزروعة. ويصف المزارع الفلسطيني سعد نمر المعاناة بوضوح، إذ قال لوكالة "معاً" الفلسطينية للأنباء: "أغلقوا خط المياه وصادروه. مرّت ثلاثة أشهر ولم تصلنا قطرة ماء واحدة لريّ أرضنا".
لا يقتصر الضرر على المحاصيل فحسب، بل يهدد سبل عيش عائلات بأكملها، في حين تعرض العمال والمزارعون الذين حاولوا الوصول إلى النبع لاعتداءات جسدية وتهديدات. وبدلاً من تعويض المزارعين، روّج المستوطنون للموقع باعتباره "معلمًا سياحيًا إسرائيليًا" أطلقوا عليه اسم "برك هيرودس"، بميزانية ضخمة مدعومة من سموتريتش. وقد خصص سموتريتش 3 ملايين شيكل (حوالي مليون دولار) لما أسماه "ترميم وتطوير" الموقع.
وفي أواخر مايو/أيار، أفادت وكالة رويترز أن مستوطنين في منطقة ممر يطا سرقوا نحو 45 رأسًا من الأغنام تعود لعائلة فلسطينية. ووفقًا لمسؤولين فلسطينيين، فقد سُرق أو أُخذ أكثر من 4000 رأس من الماشية على يد المستوطنين في عام 2026 وحده، مما تسبب في خسائر تجاوزت 5 ملايين دولار لمربي الماشية الفلسطينيين.
ونتيجة لذلك، ازداد نزوح الفلسطينيين. وقد حذرت الأمم المتحدة من أنه في الأشهر الأولى من عام 2026 وحدها، أُجبر أكثر من 1800 فلسطيني على الفرار من ديارهم نتيجة لعنف المستوطنين والقيود المفروضة على حياتهم اليومية. ذكرت وكالة رويترز، في تقرير لها عن قرية تل جنوب نابلس، أن الصحفيين شاهدوا آثار قطع أشجار الزيتون والتين في الحقول الزراعية، وهو ما عزاه السكان إلى هجمات المستوطنين الرامية إلى تهجير الفلسطينيين من أراضيهم.
وقد حذرت وكالات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة وموقع ReliefWeb في الأيام الأخيرة من أن الهجمات على منازل الفلسطينيين في قصرة ومناطق مماثلة قد بلغت ذروتها، وأنها جزء من عملية تهجير قسري للسكان الفلسطينيين.
هجمات المستوطنين مدعومة من حكومة نتنياهو
يشير تصاعد هجمات المستوطنين في الضفة الغربية إلى أن السبب الرئيسي لاستمرار العنف هو ثقة الجناة في سلامتهم من الملاحقة القضائية والعقاب. ووفقًا لبعض المحللين، فإنه لولا الدعم السياسي الذي توفره حكومة بنيامين نتنياهو، لكان من الصعب الاستمرار في هذا المستوى من العنف والعدوان ضد الفلسطينيين.
وتعتمد حكومة نتنياهو اليمينية، التي تربطها علاقات وثيقة بقادة المستوطنين، أكثر من أي وقت مضى على أحزاب اليمين المتطرف والحركات المؤيدة للاستيطان التي تسعى إلى كسب جزء كبير من قاعدتها الاجتماعية والانتخابية بين المستوطنين.
لذلك، خلال السنوات الأربع الماضية التي قضاها المتشددون في السلطة، لم يتوقف توسع المستوطنات الصهيونية فحسب، بل اتخذت حكومة نتنياهو خطوات في مناسبات عديدة لإضفاء الشرعية على قواعد ومراكز المستوطنين غير الشرعيين. وقد أيّد وزيرا الأمن الداخلي والمالية، إيتامار بن غيفر وبتسلئيل سموتريتش، علنًا مرارًا وتكرارًا توسع المستوطنات، بل ودعوا إلى تسريع عملية ضم أجزاء من الضفة الغربية إلى الأراضي المحتلة.
وفي هذا السياق، كشفت وسائل الإعلام العبرية يوم الجمعة أن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، ينقل صلاحيات إنفاذ القانون من الجيش إلى الشرطة الخاصة في الضفة الغربية، وهي خطوة يراها النقاد خطوة أخرى نحو ترسيخ سيطرة تل أبيب على الضفة الغربية، وتقليص الرقابة على أنشطة المستوطنين، وتمهيد الطريق لضم المنطقة فعليًا.
في ظل هذه الظروف، يتردد قلة من السياسيين الإسرائيليين في تحمل التكلفة السياسية لمواجهة عنف المستوطنين، وقد زاد اقتراب الانتخابات البرلمانية من حدة هذا القلق. حتى العديد من قادة أحزاب المعارضة المنتقدين لحكومة نتنياهو يفضلون عدم اتخاذ موقف جاد تجاه تصرفات المستوطنين خشية فقدان دعم الحركات اليمينية والناخبين المؤيدين للاستيطان. وقد حال هذا الوضع دون اتخاذ إجراءات فعّالة ضد مرتكبي العنف، واستمرت الهجمات.
صمت المجتمع الدولي
إلى جانب الدعم السياسي داخل إسرائيل، أصبح ضعف استجابة المجتمع الدولي أحد العوامل الرئيسية في استمرار عنف المستوطنين. ففي الأشهر الأخيرة، حذرت الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان مرارًا وتكرارًا من تصاعد الهجمات ضد الفلسطينيين، لكن ذلك لم يُفضِ حتى الآن إلى تدابير عملية ورادعة. وكان آخر مثال على هذه الجهود اجتماع مجلس الأمن الأسبوع الماضي بشأن التطورات في الضفة الغربية، والذي، على الرغم من التحذيرات الجادة من وصول الوضع إلى "نقطة حرجة" والتعبير عن القلق إزاء تصاعد العنف، انتهى في نهاية المطاف دون اعتماد قرار أو آلية عملية لكبح جماح هجمات المستوطنين.
في أوروبا، ورغم دعوة بعض الدول، كإسبانيا وبلجيكا، إلى تشديد الضغط على المستوطنين المتطرفين، بل وفرض عقوبات عليهم، إلا أن غياب التوافق بين أعضاء الاتحاد الأوروبي حال دون تبني سياسة موحدة وفعّالة. ونتيجةً لذلك، بقيت معظم الإدانات والتحذيرات الدولية حبيسة المواقف السياسية، ولم تُحدث أثراً ملموساً في الحد من العنف في الضفة الغربية.
وأخيراً، قد يُحوّل استمرار عنف المستوطنين وتوسع مستوطناتهم الضفة الغربية إلى بؤرة توتر جديدة في المنطقة، ما يُفاقم انعدام الأمن والاستقرار، ويُقوّض أيّ فرص متبقية لإحياء عملية السلام والتوصل إلى حل سياسي.
