الوقت- منذ تأسيس الكيان الإسرائيلي، قامت روايته الأيديولوجية على فكرة "أرض الميعاد" الملاذ الآمن لليهود في العالم، غير أن الوقائع المتراكمة في السنوات الأخيرة تكشف مفارقة صارخة تهدد هذه السردية من جذورها: فبدلاً من أن يكون هذا الكيان قطباً جاذباً للهجرة اليهودية كما رُوِّج له عقوداً طويلة، تحوّل تدريجياً إلى كيان طارد لسكانه، تسجل فيه أرقام المغادرين ارتفاعاً غير مسبوق منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023. فوفق تحقيق موسع نشرته صحيفة "فايننشال تايمز"، غادر نحو 150 ألف إسرائيلي الأراضي المحتلة خلال السنوات الثلاث الماضية، في أول ميزان هجرة سلبي متتالٍ يسجله الكيان منذ تأسيسه، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن العدد الإجمالي للمغادرين، بمن فيهم الأثرياء والمستثمرون وأصحاب الكفاءات، تجاوز ربع مليون شخص خلال الفترة ذاتها، وهو ما دفع مؤسسات الاحتلال ذاتها للاعتراف بأن هذه الموجة تمثل أخطر تهديد ديموغرافي واستراتيجي يواجهه الكيان منذ نشأته. وتزداد دلالة هذه الأرقام حين تُقرأ في سياقها التاريخي، إذ لم يسبق للكيان الإسرائيلي، منذ إعلان قيامه عام 1948، أن سجّل ميزان هجرة سلبياً متتالياً على مدى سنوات، ما يجعل من الموجة الحالية سابقة غير مألوفة تعيد فتح النقاش حول جدوى الرواية التي رُوِّج لها طويلاً عن كون هذا الكيان الملاذ الآمن الوحيد لليهود في العالم.
من العودة إلى الأرض إلى الفرار منها
يكتسب هذا التحول أهميته الرمزية من كونه ينعكس مباشرة على المصطلحات المستخدمة داخل الخطاب الإسرائيلي ذاته. فبينما اعتادت الأدبيات الصهيونية التقليدية الحديث عن الصعود، في إشارة إلى هجرة اليهود نحو أرض الميعاد بوصفها فعل تحقق ذاتي وجماعي، باتت وسائل الإعلام العبرية اليوم تتحدث عن يريدا، أي الهبوط أو الانحدار، للدلالة على موجة المغادرة المعاكسة التي يشهدها الكيان. هذا الانقلاب اللغوي، وإن بدا تفصيلاً شكلياً، يحمل دلالة عميقة على أزمة وجودية تعتمل داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث لم يعد الحلم الذي بُني عليه المشروع الاستيطاني قادراً على الصمود أمام واقع الحرب المستمرة والانقسام السياسي الداخلي وتصاعد الإحساس بانعدام الأمان، ما يفسر كيف تحوّل الخطاب من الاحتفاء بالوصول إلى الأرض الموعودة إلى تبرير الهروب منها.
بين الرصاصة والفاتورة: دوافع متشابكة للرحيل
تتوزع أسباب هذه الهجرة العكسية على مستويات متعددة ومتشابكة، يصعب فصلها عن بعضها البعض. فعلى الصعيد الأمني، أدت الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023 على جبهات متعددة، إلى جانب التصعيد العسكري الأخير، إلى تعميق الشعور بانعدام الأمان لدى شرائح واسعة من الإسرائيليين، الذين باتوا يبحثون عن جنسيات بديلة ويقتنون عقارات خارج الأراضي المحتلة كخطة احتياطية للهروب عند الحاجة. وعلى الصعيد السياسي، ساهم ما يُعرف بـ«الانقلاب القضائي» الذي قادته حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة ضد استقلالية القضاء في تعميق الانقسام الداخلي وزعزعة ثقة شرائح واسعة، خصوصاً من الفئات العلمانية والليبرالية، بمستقبل الكيان ونظامه السياسي. أما على الصعيد الاقتصادي، فقد أدى ارتفاع تكاليف المعيشة، وانسحاب شركات وصناديق استثمارية عالمية، وتراجع الثقة الاقتصادية، إلى دفع كثير من الأثرياء وأصحاب الكفاءات التقنية والمالية للبحث عن مستقبل أكثر استقراراً خارج حدود الكيان.
اعتراف رسمي بحجم الأزمة
لم تعد هذه الظاهرة مجرد تحليلات صحفية أو تقديرات متفرقة، بل باتت موضع اعتراف رسمي صريح من أعلى مستويات الكيان. فقد خرج رئيس الكيان الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، مؤخراً، بدعوة علنية للإسرائيليين تحثهم على عدم مغادرة البلاد، في اعتراف ضمني بخطورة الظاهرة وتداعياتها المحتملة على مستقبل الكيان. وأكدت استطلاعات رأي أجرتها هيئة البث الإسرائيلية أن نحو خُمس الإسرائيليين، أي ما يقارب 18 بالمئة من المشاركين، فكروا فعلياً في الهجرة خلال العامين الماضيين، فيما أفاد نحو ثلث المستطلَعين بأنهم يعرفون شخصاً غادر البلاد بالفعل خلال الفترة ذاتها. واللافت أن الاستطلاعات كشفت فجوة واضحة في مستوى القلق من هذه الظاهرة بين مؤيدي الائتلاف الحاكم اليميني ومعارضيه، إذ عبّر غالبية مؤيدي المعارضة عن قلق حقيقي إزاء تصاعد أعداد المغادرين، في حين قللت غالبية أنصار الائتلاف من خطورة الأمر، ما يعكس انقساماً سياسياً يمتد ليشمل حتى قراءة هذه الأزمة الوجودية ذاتها. ومما يزيد من دلالة هذا الاعتراف الرسمي أنه صدر عن رئيس الكيان نفسه، لا عن معارضين أو محللين مستقلين، وهو ما يُعتبر مؤشراً على أن القلق من هذه الظاهرة لم يعد حكراً على أطراف سياسية بعينها، بل بات هاجساً يتخطى الانقسامات الحزبية التقليدية داخل المجتمع الإسرائيلي.
نزيف الكفاءات وتهديد الركائز الاستراتيجية
تتجاوز خطورة هذه الهجرة العكسية البعد الديموغرافي المجرد لتطال بنية الكيان الاستراتيجية بأكملها. فبحسب بيانات رصدتها صحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية، غادر الأراضي المحتلة خلال الأشهر السبعة الأولى من إحدى السنوات الأخيرة أكثر من 40 ألف إسرائيلي، بمعدل يفوق بكثير معدلات الهجرة المسجلة قبل اندلاع الحرب، وتركزت هذه الهجرة بشكل لافت في المناطق الأكثر ثراءً وتطوراً اقتصادياً وتقنياً، وعلى رأسها تل أبيب والمنطقة الوسطى. هذا النمط من الهجرة الانتقائية، الذي يستهدف بالأساس أصحاب الكفاءات العالية في قطاعات التكنولوجيا والصحة والمال والجيش، يهدد بإحداث ما يشبه نزيف الأدمغة الذي يقوّض الركائز الاقتصادية والعسكرية التي بُني عليها الكيان طوال عقود، ويضع مؤسسات الاحتلال أمام معضلة استراتيجية حقيقية تتجاوز حدود التصريحات السياسية المطمئنة.
مفارقة الملاذ الآمن التي تُسائل جوهر المشروع
في نهاية المطاف، تعيد هذه الظاهرة طرح سؤال جوهري يمس صميم الرواية المؤسِّسة للمشروع الصهيوني ذاته: إذا كانت أرض الميعاد قد بُنيت أساساً لتكون الملاذ الآمن لليهود في العالم، فما الذي يدفع هذا العدد المتصاعد منهم للفرار منها؟ وهو التساؤل الذي طرحه، بشكل لافت، مؤرخون إسرائيليون أنفسهم، مشيرين إلى أن حجم هذه الهجرة لا ينبع من اعتبارات اقتصادية بحتة، بل من أزمة ثقة عميقة بالإحساس بالأمان واستقرار النظام ووضوح المستقبل. وبينما يصمد الفلسطينيون في أرضهم رغم سنوات من الحرب والحصار والتهجير القسري، يجد الإسرائيليون أنفسهم، في المقابل، يبحثون عن مخارج للهروب من الأرض الموعودة ذاتها، في مفارقة تكشف هشاشة المشروع الاستيطاني وعمق أزمته الوجودية، وتؤكد أن استمرار هذا النزيف السكاني والاقتصادي، إن لم تتم معالجة جذوره الأمنية والسياسية والاجتماعية، قد يتحول تدريجياً من مجرد ظاهرة عابرة إلى تهديد استراتيجي طويل الأمد يعيد رسم ملامح الكيان الإسرائيلي في العقود المقبلة.
