الوقت - في مقابلة مصورة لاقت رواجاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، صرّح السيد حسن مرتضوي، نائب السفير الإيراني في كابول، بأن الجمهورية الإسلامية لا تعترف بـ “مقاومة” الفصائل المناهضة لحكومة طالبان ولا تمدّها بأي غطاء للدعم. وشدّد على أن مصطلح “المقاومة” محصورٌ في سياق غزة ولبنان ومقارعة الهيمنة الأمريكية، ولا محل له من الإعراب في الحالة الأفغانية. وأردف مرتضوي موضحاً أن مساعي الإطاحة بحكومة طالبان “تفتقر لأي مسوغ شرعي”، مشيراً إلى أن نصيحة طهران للمعارضة تتلخص في الاحتكام إلى طاولة الحوار مع طالبان. وتأتي هذه التصريحات في وقتٍ تُدار فيه دفة الحكم في كابول بحكرٍ شبه تام من قبل إثنية واحدة، ضاربةً عرض الحائط بوعود تشكيل حكومة شاملة، ومُمعنةً في إقصاء وتهميش المكونات الأخرى كالشيعة الهزارة، والطاجيك، والأوزبك.
ولا ينفصل هذا الموقف الإيراني عن سياق استراتيجية براغماتية (واقعية) تنتهجها الجمهورية الإسلامية، وتستمد جذورها من عدة محددات جوهرية:
1. أولوية الأمن القومي واستقرار الحدود
يتجلى الهاجس الأكبر لطهران في صون أمن حدودها الشرقية ودرء خطر الانفلات الأمني الذي قد تتطاير شراراته إلى الداخل الإيراني. لقد حوّلت طهران بوصلة سياستها تجاه أفغانستان، شأنها شأن العديد من دول الجوار، من مسعى “الإصلاحات الداخلية” إلى نهج “إدارة الأزمات واحتواء الانفلات”، لتتصدر أولوياتها ملفاتٌ حيوية كإحباط الهجمات الإرهابية العابرة للحدود، وإدارة تدفق موجات اللاجئين، وكبح جماح تهريب المخدرات.
2. الحفاظ على شريان التبادل الاقتصادي
يُقدّر حجم التبادل التجاري السنوي بين البلدين بنحو 4 مليارات دولار، يتدفق جلّه عبر المنافذ البرية كمنفذ “إسلام قلعة” في هرات ومعابر محافظة نيمروز. ورغم العواصف الإقليمية، حافظت قوافل التجارة على مسيرها دونما انقطاع يُذكر، لتظل طهران الشريك التجاري الأكبر لكابول. ويُعد الحفاظ على هذا الزخم التجاري أمراً بالغ الأهمية للاقتصاد الإيراني، الذي يرزح تحت وطأة العقوبات وتداعيات الأزمات الإقليمية.
3. وجود سلطة قادرة على تحمل المسؤولية في كابول
على الرغم من إحجامها عن الاعتراف الرسمي بطالبان، تُدرك طهران أن التعاطي مع سلطة مركزية في كابول - بغضّ النظر عن كينونتها - يُعد، من منظور عملي، خياراً أجدى وأنفع لإدارة المصالح وتسوية الملفات الثنائية (كالمياه، والحدود، والأمن) مقارنةً بمكابدة فراغ السلطة أو التشظي الداخلي. ومن خلال الإبقاء على سفارتها واستمرار عجلة المفاوضات، ضمنت طهران إبقاء قنوات التواصل سالكةً، مانحةً إياهم نوعاً من “الاعتراف بالأمر الواقع”.
4. تشتت المعارضة وانعدام تناغمها مع الرؤية الإيرانية
تتّسم أطياف المعارضة المناهضة لطالبان، بما فيها “جبهة المقاومة الوطنية”، بالتشتت وافتقارها لبوصلة موحدة أو قيادة متماسكة. ولما كانت الحكومة السابقة (الجمهورية) ترتمي بالكامل في الأحضان الأمريكية، فقد ولّد ذلك انعداماً للثقة لدى طهران، مما دفعها لتفضيل التعاطي مع الفاعل الجديد المهيمن (طالبان). وقد ساقت هذه النظرة البراغماتية طهران نحو تبني خيار الحفاظ على الوضع القائم.
5. غياب الحاضنة الشعبية الحقيقية للمعارضة
تتخندق المعارضة المسلحة لطالبان في الغالب ضمن الجيوب الجبلية ومناطق الشمال الشرقي، وتفتقر إلى حاضنة شعبية واسعة على امتداد الخارطة الوطنية. فقد تمكنت طالبان، رغم نزعتها الاستئثارية، من فرض حالة من الأمن النسبي في أرجاء واسعة، في حين لا يبدي الشعب، المنهك من ويلات الحروب، أدنى رغبة في الانزلاق نحو أتون دورة جديدة من الاقتتال. وصحيحٌ أن المكونات غير البشتونية لا تخفي امتعاضها من أداء طالبان، إلا أنها في الوقت ذاته لا تولي ثقةً كبيرةً للمعارضة في المرحلة الراهنة.
6. الدور الأمريكي والغربي المزعزع للأمن بتواطؤ باكستاني
لقد عادت أفغانستان لتشكّل ساحةً لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى. وتُشير القراءات الاستراتيجية إلى أن واشنطن وحلفاءها الغربيين، وعبر البوابة الباكستانية، يسعون لزرع بذور “اللااستقرار المنضبط” (الفوضى الموجهة) في أفغانستان، بغية اتخاذها ورقة ضغط ضد خصومهم (روسيا، والصين، وإيران). وإدراكاً منها لخيوط هذه اللعبة، تسعى طهران، عبر ترسيخ تعاطيها مع طالبان، إلى قطع الطريق أمام تحويل أفغانستان إلى منصة لاستهداف مصالحها.
7. حكومة شاملة والإحجام عن إضفاء الشرعية الرسمية
تُمثل هذه النقطة حجر الزاوية الذي يُثبت أن التعاطي الإيراني مع طالبان تمليه الضرورة البراغماتية وليس التحالف الاستراتيجي. فقد دأب كبار المسؤولين الإيرانيين، وفي طليعتهم الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، على التشديد مراراً وتكراراً على حتمية تشكيل “حكومة شاملة” في أفغانستان. وعلى أرض الواقع، امتنعت طهران عن الاعتراف الرسمي بطالبان، وهو موقفٌ يتيح لها النأي بنفسها عن التسرع في إضفاء الشرعية على هذه الجماعة، ويحفظ لها مكانتها كوسيطٍ يتمتع بالمصداقية والوزن.
8. لعب دور الوسيط ودرء صراع الوكلاء الإقليميين
تطمح طهران للعب دور الفاعل المحوري والوسيط في تعقيدات المشهد الأفغاني، وتأبى أن تتحوّل جارتها الشرقية إلى حلبة لحرب بالوكالة مع خصومها الإقليميين، وعلى رأسهم إسلام آباد. فأي دعمٍ للمعارضة لن يصبّ الزيت على نار الفوضى فحسب، بل سيضع طهران في مسارٍ تصادمي مباشر مع باكستان، التي لا تزال تحتفظ بنفوذٍ وازن على أجنحة داخل طالبان، لا سيما “شبكة حقاني” وجناح كابول في الحكومة. فباكستان لا تزال تنظر إلى أفغانستان باعتبارها “عمقها الاستراتيجي” الذي لا غنى عنه.
خلاصة القول
لا يسعنا في هذا المقام غضّ الطرف عن التحولات الدولية والتحركات الأمريكية في المنطقة. فواشنطن لا تزال تتحيّن الفرص لإيجاد ثغرة تضمن لها العودة إلى قاعدة “باغرام”، متخذةً من الحروب بالوكالة عبر التنظيمات الإرهابية، كـ “داعش - ولاية خراسان”، مطيةً لذلك، فضلاً عن الحضور النشط لأذرعها الاستخباراتية في المنطقة. وفي خضم هذه التجاذبات، تسعى طهران، من خلال توثيق عرى التعاطي مع طالبان، إلى سدّ أي فراغ أمني قد يُشكل ثغرةً يعود منها النفوذ الغربي ليتسلل من جديد.
