الوقت - في الحروب المعاصرة، لا يتحقق النصر بمجرد تدمير الدبابات أو المقاتلات أو السفن الحربية، بل يتفوّق من يتمكّن من تعطيل دورة إنتاج القوة القتالية لدى العدو. تبدأ هذه الدورة من مراكز القيادة، مرورًا بشبكات الاستخبارات والرادارات، ثم تصل إلى مخازن الوقود والذخيرة، وقواعد النقل الجوي، ومراكز الصيانة، لتصل في النهاية إلى الوحدات العملياتية. وإذا تعطلت هذه السلسلة، يفقد حتى أرقى جيوش العالم القدرة على مواصلة العمليات الواسعة.
وعلى هذا الأساس، تُظهر التصريحات الرسمية للقوات المسلحة الإيرانية أن اختيار الأهداف في جولات الصراع الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة، لم يكن مبنيًا على قيمتها السياسية أو الإعلامية فحسب، بل على وظيفتها العملياتية.
بعبارة أخرى، اختارت إيران بدلاً من مهاجمة أي قاعدة عسكرية، قواعد تمثّل حلقات أساسية في سلسلة القيادة والمعلومات والدعم واللوجستيات الأمريكية. فمثلاً، قاعدة الأمير حسن في الأردن ليست مجرد مطار عسكري، بل هي مركز رئيسي لنشر الطائرات المسيرة الاستطلاعية والاستراتيجية، وجمع المعلومات، وتوجيه العمليات فوق العراق وسوريا والحدود الغربية لإيران. واستهداف هذه القاعدة يعني عمليًا مهاجمة “العين” الاستخبارية الأمريكية.
كما يجدر بالذكر أن اختيار الأهداف في الكويت كان دقيقًا وهادفًا. فقاعدة "علي السالم" تُعد مركز نقل القوات والوقود والذخيرة والمعدات إلى العراق وباقي القواعد الأمريكية في المنطقة، وتلعب دور “مركز لوجستي” محوري.
أما قاعدة "أحمد الجابر" فهي مقر المقاتلات والطائرات الناقلة للوقود والدعم الجوي، وتعتمد العمليات الجوية الأمريكية إلى حد كبير على نشاط هذا الموقع. ووفقًا لتصريحات الحرس الثوري الإيراني، فقد أصابت الصواريخ الإيرانية هذه المراكز، مما تسبب في أضرار بأجزاء من منظومات الدفاع الجوي، ومستودعات الوقود، ومعدات الرادار.
وفي البحرين، كان اختيار المراكز المرتبطة بالأسطول الأمريكي الخامس وشبكة القيادة البحرية، دلالةً واضحةً على محاولة الضغط على مركز قيادة العمليات البحرية الأمريكية في الخليج الفارسي، الذي يتولى تنسيق السفن، والزوارق القتالية، ومنظومات الاستطلاع، وحماية خطوط الملاحة البحرية.
في الوقت ذاته، يشير استهداف منظومات الرادار والإنذار المبكر في عمان إلى أن إيران لا تسعى فقط لتدمير المعدات، بل تهدف إلى تقليل الوعي الاستخباري ووقت استجابة العدو.
أما ما يميّز هذه العملية من الناحية الاستراتيجية، فهو استهداف الشبكة بدلاً من استهداف المعدات المنفردة. ففي الأدبيات العسكرية الأمريكية، لا تُقاس القدرة القتالية فقط بالمقاتلات أو السفن الحربية أو الصواريخ، بل تعتمد على شبكة متكاملة تضمّ القيادة، والتحكم، والاتصالات، والمعلومات، والمراقبة والاستطلاع، ومنظومات الإنذار المبكر، ومستودعات الذخيرة، والتزويد بالوقود، والدعم الفني. وإذا تعطلت هذه الشبكة، فإن بقاء جزء كبير من المعدات سليمةً لا يضمن استمرار العمليات.
وعليه، يمكن اعتبار نمط الهجمات الإيرانية الأخيرة هجومًا على شبكة العمليات الأمريكية، وليس مجرد استهداف عدة قواعد عسكرية. فالاختيار المتزامن لمراكز الاستخبارات في الأردن، والمراكز اللوجستية في الكويت، والقيادة البحرية في البحرين، ومنظومات الإنذار في عمان، يدل على أن الهدف كان إحداث اضطرابٍ شامل في دورة العمليات الأمريكية في المنطقة.
ومن النقاط المهمة أيضًا صعوبة استبدال هذه البُنى التحتية. فبعكس الاعتقاد السائد، لا يمكن بسرعة استبدال رادار استراتيجي، أو منظومة باتريوت، أو مركز قيادة، أو مستودعات الوقود، أو معدات الدعم. فعملية نقل هذه الأنظمة من أوروبا أو الأراضي الأمريكية تتطلب تخطيطًا دقيقًا، ونقلًا استراتيجيًا، وتأمينًا للمسارات، ونفقات مالية كبيرة.
وحتى إذا توافرت المعدات البديلة، فإن إعادة قاعدة متضررة إلى دورة العمليات الكاملة قد تستغرق أيامًا أو أسابيع، في حين أن عامل الزمن في حرب مكثّفة يُعد حاسمًا.
لذلك، فإن القيمة الاستراتيجية لهذه الهجمات تفوق حجم الضرر المادي الذي تسببه. فحتى وإن لم تخرج قاعدة عن الخدمة بالكامل، فإن إلحاق الضرر بالممرات الجوية، ومراكز التزويد بالوقود، والرادارات، ومنظومات الاتصالات أو القيادة، يقلّل من سرعة إنتاج القوة القتالية الأمريكية، ويرفع تكلفة استمرار العمليات.
وفي الختام، يجب التأكيد أن النمط المعلن في بيانات القوات المسلحة الإيرانية، يظهر أن إيران في هذه المرحلة من الصراع اعتمدت منطق “إرهاق الشبكة”، بدلًا من “إرهاق القوات”.
