الوقت - في الآونة الأخيرة، أماطت صحيفة “وول ستريت جورنال” اللثام عن تعرض 42 طائرة أمريكية للدمار أو العطب جراء الهجمات الإيرانية. وتواترت تباعاً في وسائل الإعلام الأمريكية أنباء أخرى تفيد بتكبد القواعد الأمريكية في المنطقة خسائر فادحة. بيد أن تسريب هذه الأخبار المحاطة بالسرية، بعد انقضاء أربعة أشهر على “حرب رمضان” وأسابيع طوال على اشتباكات الجنوب الإيراني، ليس محض صدفة؛ بل هو انعكاس لمدى التخبط والعجز الذي يكابده البيت الأبيض في سعيه للسير على حبل مشدود يوازن بين ترويض الرأي العام، والمضي قُدماً في غايات الحرب، وإحداث تحولات في جوهر الوجود العسكري المستقبلي في المنطقة، لاسيما تحت قبة الكونغرس.
ووفقاً لما أوردته صحيفة “وول ستريت جورنال”، فقد شنت طهران، منذ انطلاق شرارة العملية التي أُطلق عليها “الغضب الملحمي”، ما يربو على 2000 هجوم جوي وصاروخي وبالطائرات المسيرة في أرجاء الشرق الأوسط، ملحقةً أضراراً بما لا يقلّ عن 20 موقعاً تستخدمها القوات الأمريكية، وتتوزع على ثمانية بلدان.
وفي السياق ذاته، كشف التقرير أن الهجمات الإيرانية قد كبّدت الولايات المتحدة وحدها حتى اللحظة خسائر ناهزت 13 مليار دولار، تمثلت في إتلاف للمعدات وتدمير للمنشآت. وبالمجمل، ألحقت إيران الدمار والخراب بأكثر من 42 طائرة عسكرية أمريكية، كان العديد منها رابضاً في قواعده الجوية.
إن هذا البوح المتدرج والانتقائي للمعلومات حول الخسائر التي تكبدتها القوات والمنشآت الأمريكية في خضم الصراع مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لا يمكن التعاطي معه كشأن إعلامي عابر، أو تبريره بذرائع التأخير في جمع المعطيات الاستخباراتية.
فلو وضعنا الأرقام التي تتحدث عن تدمير عشرات الطائرات، وإلحاق خسائر بمليارات الدولارات بالبنية التحتية العسكرية، والانخفاض الملحوظ في مخزون صواريخ الدفاع الجوي، جنباً إلى جنب مع النقاشات المستجدة حول تشتيت القوات، وتقليص حجم القواعد، وزيادة الموازنة الدفاعية؛ لتجلت أمامنا صورة مغايرة تماماً: إن واشنطن تدير، في آن واحد، دفة المعركة الميدانية، وتوجّه بوصلة الرأي العام، وتتحمل الكلفة السياسية المترتبة على تغيير الاستراتيجية.
درء تبلور صورة الهزيمة الشاملة
تتجلى الوظيفة الأولى لهذه السياسة في وأد أي محاولة لصياغة رواية متماسكة توحي بالانكسار. ففي الحروب الحديثة، لا تتحول الخسائر العسكرية إلى أزمات سياسية مستعصية إلا عندما تنتظم الأرقام المتناثرة في خيط سردي يسهل على الرأي العام هضمه واستيعابه. إن الإفصاح المباغت عن الحجم الحقيقي للخسائر من شأنه أن يرسخ قناعةً بأن بنية القواعد الأمريكية في المنطقة – وخلافاً لما كان يُعتقد سابقاً – تقف هشةً ومكشوفةً أمام الضربات الصاروخية الإيرانية الدقيقة. ومن هنا، يمنح النشر المرحلي للمعلومات فرصةً ذهبيةً للبنتاغون لتأطير كل خبر ضمن سياق ضيق وقابل للاحتواء؛ وبدلاً من النظر إلى ركام الخسائر كدليل دامغ على إخفاق استراتيجي، يتم تغليف كل واقعة على حدة وتسويقها كحادث عرضي، أو كلفة تشغيلية، أو ضرر مقدور على إصلاحه.
وفي هذا المضمار، لا يقتصر الأمر على رفع معنويات الشارع الأمريكي فحسب، بل يتعداه إلى صون هيبة الردع أمام إيران وحلفاء واشنطن الإقليميين. فالردع، في صميمه، يرتكز بشكل كبير على الانطباع الذي يتشكّل في ذهن الخصم. فإذا ما تجلت هشاشة القواعد الأمريكية على نحو مباغت وسافر، فقد يتبلور انطباع بأن ضريبة التعرض للقوات الأمريكية أخفّ وطأةً مما تحاول واشنطن إيهام العالم به. وعليه، فإن إحكام القبضة على توقيت وحجم المعلومات المنشورة، ليس سوى سلاح آخر يُشهر في ساحة معركة الردع ذاتها.
صون الثقة في نفوس الحلفاء
وتجدر الإشارة إلى بُعد آخر لا يقلّ أهميةً ولا ينبغي التغافل عنه، ألا وهو احتواء الحلفاء الإقليميين وإدارتهم. فالعديد من الدول التي تشرع أبوابها لاستضافة القوات الأمريكية، قد تجد نفسها في مرمى نيران الهجمات المحتملة. إن الكشف المفاجئ عن جسامة الخسائر من شأنه أن يؤجج مخاوف هذه الدول، بل وقد يولد ضغطاً سياسياً يطالب بتقليص الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها. وفي ضوء ذلك، تجد واشنطن نفسها مضطرًة لإيجاد نقطة توازن دقيقة بين استعراض العضلات والاعتراف بمكامن الضعف؛ ذلك أن الإقرار المفرط بالهشاشة قد لا يزعزع ثقة الرأي العام الأمريكي فحسب، بل قد يزرع بذور الشك في نفوس الشركاء الإقليميين حيال مصداقية ومتانة مظلة الحماية الأمريكية.
التحولات المستقبلية في خارطة التموضع العسكري
غير أن البُعد الأعمق والمغزى الأهم لتوارد هذه الأنباء، يكمن في تقاطعها مع احتمالية إعادة رسم خارطة التموضع العسكري الأمريكي في المنطقة. فلعقود خلت، ارتكزت العقيدة العسكرية للوجود الأمريكي على شبكة عنكبوتية من القواعد، والمنشآت اللوجستية، وترسانات السلاح، ومراكز القيادة. ولئن كانت هذه الهيكلية تشكّل نقطة تفوق ساحقة في حقبة كانت فيها التهديدات تنبع من جماعات متواضعة القدرات بهجمات محدودة النطاق، فإن تنامي ترسانة الصواريخ الدقيقة، والقدرة الفائقة على دكّ البنى التحتية الثابتة، قد قلب موازين المعادلة رأساً على عقب.
وفي حقيقة الأمر، فإن الضربات الإيرانية التي طالت القواعد العسكرية الأمريكية في غرب آسيا، والتي كان آخرها في الأردن، لتُشكل برهاناً ساطعاً على الخطر المتعاظم الذي تفرزه الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية. وفي المقابل، يبدو جلياً أن الولايات المتحدة لا تقف على أرض صلبة بما يكفي للذود عن قواعدها الخارجية، وبناها التحتية الحيوية، وأرواح طواقمها.
وإذا ما غدا تكدس الآلاف من الجنود الأمريكيين والعتاد الباهظ الثمن في عدد من القواعد الكبرى صيداً ثميناً وهدفاً دسماً، فإن واشنطن ستجد نفسها مكرهةً على تجرع أحد كأسين: إما تكبد نفقات باهظة لتعزيز دروع الحماية حول هذه القواعد، أو اللجوء إلى تشتيت شطر من قواتها وعتادها وتقليص البصمة الجغرافية لقواعدها. ومن هذا المنطلق، يتجلى الدور المحوري لـ “سياسة التقطير” في إعلان الخسائر، كأداة لترويض الرأي العام وتهيئة أروقة الكونغرس لتجرع مرارة هذا التحول الاستراتيجي.
مفارقة السرديات وتقاطع الأهداف
وهنا تتجلى أمامنا مفارقة ظاهرية؛ فواشنطن من جهة، تأبى أن تبدو خسائرها فادحةً (كي لا تُتخذ كشاهد على الهزيمة والانكسار)، بيد أنها من جهة أخرى، مُلزمة بنفث ما يكفي من الحديث عن مكامن ضعفها وهشاشتها لتبرير الحاجة الماسة لضخّ استثمارات عسكرية جديدة. وتلك هي نقطة التماس الدقيقة التي تنصهر فيها “إدارة تدفق المعلومات” في بوتقة “إدارة الموازنات”.
وفي هذا السياق، فإن التلويح بأرقام فلكية حول حجم الخسائر المادية والبشرية، يستحيل أداةً طيعةً لتطويع إرادة الكونغرس. فالمنطق هنا صريح لا لبس فيه: إذا كانت المنشآت الحالية قد استحالت أهدافاً مستباحةً بأثمان باهظة، فإنه لزامٌ على واشنطن أن تفتح خزائنها لإعادة الإعمار، وتعزيز الترسانة الدفاعية، وإعادة نشر القوات، وتشييد قواعد بديلة، ومضاعفة مخزونها من الصواريخ. ولهذا السبب بالتحديد، فإن كل تقرير يُرفع عن خسائر عسكرية محتملة، يتحول في دهاليز السياسة الأمريكية إلى حجة دامغة لاستجداء اعتمادات مالية جديدة.
والحق يقال، إن سردية “الخسائر” تحمل في طياتها رسالتين مزدوجتين تضربان على وترين مختلفين: فهي تهمس في أذن الرأي العام قائلةً “إننا نُحكم السيطرة على تکاليف الحرب”، بينما تصرخ في وجه الكونغرس منذرةً “إن بخلتم بالإنفاق اليوم، فستدفعون غداً أضعافاً مضاعفةً”. وهاتان السرديتان، وإن بدتا متنافرتين في ظاهرهما، ليستا سوى وجهين لعملة واحدة ضمن سياسة إعلامية وتواصلية محكمة الصنع.
ولا يقلّ ملف “الاحتياطيات الدفاعية” خطورةً وأهميةً. فإذا ما استُنزفت منظومات من قبيل “باتريوت” و"ثاد" في أتون صراع طويل الأمد، فإن القضية تتجاوز حينها مجرد حماية القوات الرابضة في المنطقة، لتطال صلب استدامة القدرة الدفاعية الأمريكية في شتى بقاع الأرض. في خضم هذه الأجواء، تجد واشنطن نفسها مطالبةً بالسير على حبل التوازن المشدود بين متطلبات الساحة الميدانية في غرب آسيا، والتزاماتها تجاه القارة العجوز، ومصالحها الاستراتيجية في المحيطين الهندي والهادئ.
ومن هذه الزاوية، فإن تسريب الأنباء بشکل متدرج حول استنزاف الصواريخ الاعتراضية، وتضرر القواعد، وفواتير إعادة الإعمار الباهظة، من شأنه أن يضع المجتمع الأمريكي وجهاً لوجه أمام حقيقة جديدة ومريرة: لم تعد الحرب نزهةً قصيرةً قليلة التكلفة، بل غدت غولاً يلتهم الموارد والوقت، ويستوجب استثمارات طويلة الأمد.
وبالتوازي مع ذلك، يلعب تسليط الضوء على ما تبقى من الترسانة الصاروخية الإيرانية دوراً مزدوجاً؛ فمن جهة، تُعد هذه السردية ضرورةً ملحةً لدرء وهم “زوال الخطر” من مخيلة الرأي العام الأمريكي، ومن جهة أخرى، تمنح البنتاغون الذريعة الذهبية لمواصلة مسار المواجهة، وتدعيم الترسانة الدفاعية، وتكثيف التواجد العسكري، متذرعاً بأن شبح التهديد لا يزال ماثلاً للعيان. وعليه، فإنه حتى تلك الأخبار التي يبدو في ظاهرها أنها تسلط الضوء على تعاظم القوة الصاروخية الإيرانية، تُوظف في الداخل الأمريكي كترسٍ حيوي في آلة “شرعنة” الموازنات العسكرية المستقبلية.
ولعل البُعد الأعمق والأكثر دلالةً في هذه الخيوط المتشابكة، يكمن في مسعى “شراء الوقت” بغية إحداث انقلاب جذري في عقيدة انتشار القوات. فإذا ما تبلورت لدى واشنطن قناعة راسخة بأن قواعدها الكبرى والمكدسة قد أمست خاصرةً رخوةً أمام ضربات الصواريخ الدقيقة، وأسراب الطائرات المسيرة، والهجمات الهجينة، فإن إعادة هندسة التموضع العسكري ستغدو قدراً محتوماً لا مناص منه. ولا يُترجم هذا التحول، بالضرورة، إلى انسحاب أمريكي يطوي الوجود في المنطقة، بل يتجلى في انسلاخ هذا الوجود من عباءة “التمركز الكثيف” ليرتدي حلة “الانتشار اللامركزي”، متسلحاً بخفة الحركة، وسرعة المناورة، والمرونة الفائقة.
في كنف هذا النموذج الوليد، تتهاوى القيمة الاستراتيجية للقواعد الكبرى الثابتة، لتفسح المجال أمام صعود نجم شبكة عنكبوتية من المراكز المدمجة، والقواعد المؤقتة، والوحدات الجوالة، والأسراب الجوية المتناثرة، فضلاً عن منظومات الدفاع الجوي المتعددة الطبقات. ولئن بدا هذا التحول مستساغاً بل وحتمياً في الميزان العسكري، فإنه يستوجب حياكةً سياسيةً متقنةً لتسويغه أمام محكمة الرأي العام وحلفاء واشنطن؛ ففي عرف المنطقة المشتعلة، قد يُقرأ أي تقليص للقوات أو تحجيم للقواعد على أنه إعلان ضمني بالانكفاء والتراجع.
وهنا، تتجلى الأهمية القصوى لسياسة “التقطير الإعلامي”. فبدلاً من أن تُسقط واشنطن قنبلة الاعتراف بعقم هيكليتها السابقة دفعةً واحدةً، تعمد إلى تسريب المعطيات قطرةً تلو أخرى، لتقود المتلقي في نهاية المطاف، وبسلاسة تامة، إلى استنتاج حتمي: لقد تبدلت طبيعة التهديد، وبات لزاماً أن تتبدل معها ملامح التموضع العسكري. وحينها، لن يُنظر إلى الانتقال من القواعد الفارهة إلى الهياكل المرنة كعلامة على التقهقر، بل سيُتوج كعملية “تحديث” لنسق القوات، ووثبة استراتيجية لرفع منسوب “المناعة والصمود العسكري”.
ومن هذا المنظور، يتضح أن المعركة الحقيقية لا تدور رحاها فوق مسرح العمليات فحسب، بل في ميدان صياغة الوعي وتأويل الأحداث. فالقاعدة المدمرة قد تُقرأ في إحدى السرديات كشاهد قبر لهزيمة نكراء، بينما تُصاغ في سردية أخرى كمبرر حيوي لضخّ المزيد من الاستثمارات، وبناء هندسة دفاعية جديدة، وإعادة رسم لملامح الوجود العسكري.
وعليه، لا مندوحة من اعتبار هذا البوح الانتقائي للمعلومات فصلاً من فصول “حرب السرديات”؛ حربٌ يُسخر فيها البنتاغون كل طاقاته لضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد: 1) وأد صورة الهزيمة قبل تبلورها، 2) صون هيبة الردع المتآكلة، و3) تعبيد الطريق السياسي لتبديد المزيد من الأموال وإعادة صياغة خارطة الانتشار العسكري.
نقطة التحول الكبرى
وفي المطاف الأخير، إذا ما وضعنا التقارير التي تنضح بأنباء الخسائر الفادحة، وتناقص مخزونات الصواريخ الاعتراضية، وانكشاف القواعد الثابتة، في كفة، ووضعنا خطط التشتيت وإعادة الانتشار المستجدة في الكفة الأخرى، فإننا، وبلا ريب، نقف على أعتاب منعطف تاريخي حاسم. فالقضية لم تعد مقتصرةً على التباهي بحجم القوة الضاربة لأمريكا، بل أمست تتمحور حول المعضلة الكبرى: كيف لواشنطن أن تحافظ على موطئ قدم لها بكلفة يمكن تجرعها، في بيئةٍ غدت فيها أهدافها الثابتة صيداً سهلاً ومكشوفاً يوماً بعد يوم؟
ولأجل ذلك، يُعد “تقطير الأخبار” جزءاً أصيلاً من مخاض انتقال استراتيجي عسير؛ انتقال يأخذ على عاتقه مهمة الفصل الجراحي بين الانكسارات التكتيكية والهزيمة الاستراتيجية الكبرى، ويجتهد في ترويض تكاليف الحرب لجعلها قابلةً للهضم، تزامناً مع تمهيد الأرضية لإعادة هندسة المعمار العسكري الأمريكي.
وإذا ما استقامت هذه الفرضية، فإن السؤال الجوهري لم يعد يدور حول أسباب تلكؤ البنتاغون في الإفصاح عن الخسائر، بل ينبثق سؤال أشدّ عمقاً وخطورةً: ما هو التحول الزلزالي الذي تُعد واشنطن العدة لاستقباله؟ هل هو رفع كلفة الدفاع عن القواعد القائمة إلى مستويات غير مسبوقة، أم أنه انتقال تدريجي ومدروس نحو نموذج جديد، مرن ومتناثر، لوجودها العسكري في المنطقة؟
