الوقت - في غضون الأيام القليلة المنصرمة، أماطت التطورات الدبلوماسية والعسكرية اللثام عن حقيقة ساطعة؛ مفادها أن أزمة هرمز لم تعد خلافاً إقليمياً عابراً فحسب، بل تبلورت لتغدو حلبةً كونيةً تُصاغ فيها موازين القوى بين الولايات المتحدة وإيران، وتتقاطع فيها مصالح القوى العظمى.
إن جولات المفاوضات الماراثونية بين طهران ومسقط لرسم مسارات ملاحية مستحدثة، واستمرار طوق الحصار البحري الأمريكي المضروب حول الموانئ الإيرانية، وتراجع نبض حركة ناقلات النفط وما استتبعه من تحليق في أسعار النفط، هي شواهد حية تنطق بأن أطراف النزاع قد بلغوا نقطة اللاعودة؛ نقطةً انعدم فيها سراب النصر العسكري الحاسم، واستحال معها طيّ صفحة الحاضر للعودة إلى ماضي الأيام.
وتشي الأنباء المتواترة في الآونة الأخيرة بأن الجمهورية الإسلامية وسلطنة عمان قد شارفتا على صياغة تفاهم أولي يحدّد إحداثيات شريان بحري جديد. ووفقاً لهذه الرؤية، سيشقّ الجزء الأعظم من أسطول السفن الوافدة عباب المياه الإقليمية الإيرانية، بينما تنساب البقية عبر المياه العمانية.
وعلى الضفة المقابلة، لا تزال واشنطن متشبثةً بموقفها المتعنت، رافضةً أن تبسط أي دولة - ولا سيما الجمهورية الإسلامية الإيرانية - سيطرتها الرقابية على حركة الملاحة، أو أن تُنصّب نفسها مانحةً لتصاريح العبور أو جابيةً للرسوم. وهنا يكمن مربط الفرس وجوهر الخلاف المستعر؛ فالقضية لم تعد مجرد صراع لفتح المضيق، بل هي معركة وجودية لفرض السيادة وانتزاع إدارته.
مآلات الإخفاق: لماذا تعثّر ترامب في فك شفرة هرمز؟
في خضم هذه الأجواء، وجد دونالد ترامب نفسه عالقاً في عنق زجاجة، أو ما يحلو للعديد من المحللين وصفه بـ “المفارقة الاستراتيجية العميقة”.
فمنذ اندلاع “حرب الأربعين يوماً” وخلال الأشهر المنصرمة، استلت الإدارة الأمريكية شتى سيوف ترسانتها، بدءاً من الغارات الجوية، مروراً بالحصار البحري الخانق، وصولاً إلى التصعيد العسكري المحموم. غير أن جميع هذه السهام طاشت عن هدفها، وعجزت عجزاً تاماً عن إعادة نبض الملاحة إلى طبيعته. وبذلك، اصطدم ترامب بصخرة واقعٍ لطالما أرّق مضاجع صنّاع القرار في واشنطن منذ ثمانينيات القرن الماضي؛ واقعٍ يثبت أن التفوق العسكري الكاسح لا يُترجم بالضرورة إلى سيادة مطلقة في ميادين الحروب غير المتكافئة، وتحديداً في بقعة معقدة كمضيق هرمز.
غير أن العلة الكبرى وراء هذا الإخفاق الأمريکي تكمن في طيات جغرافيا المنطقة. فإيران لا تقبض بيد من حديد على السواحل الشمالية للمضيق فحسب، بل تتكئ على شبكة عنكبوتية معقدة من القواعد الصاروخية، وأسراب الطائرات المسيرة، والمنشآت المحفورة في جوف الأرض، فضلاً عن الجزر الاستراتيجية المتناثرة كالقلاع الحصينة.
هذه الفسيفساء الجغرافية والعسكرية جعلت طهران قادرةً، حتى في ظل الهيمنة المطلقة للبحرية الأمريكية على المياه المفتوحة وتأجج نيران التوتر، على إرباك حركة الملاحة بأقل التكاليف. ففي واقع الأمر، لا ترتكز الاستراتيجية الإيرانية على إغراق القطع البحرية الأمريكية، بل تتخذ من زرع بذور الشك، ومضاعفة الأكلاف، والاستنزاف البطيء للإرادة السياسية لواشنطن وحلفائها، عقيدةً راسخةً لها.
ويبرز عاملٌ آخر لا يقلّ أهميةً، ألا وهو قيود الأغلال السياسية والاقتصادية التي تكبّل يدي ترامب والولايات المتحدة. فالعمليات المستدامة في مياه الخليج الفارسي تتطلب حشد أساطيل من البوارج الحربية، وأسراب طائرات الاستطلاع، ومنظومات الدرع الصاروخي، وجحافل الدعم اللوجستي. علاوةً على ذلك، يُجمع جهابذة الخبراء العسكريين على أن التأمين المطلق للمضيق يُعد ضرباً من المحال دون إنزال قوات برية على التراب الإيراني. ومغامرةٌ كهذه لن تكتفي باستنزاف خزائن أمريكا بأموال طائلة، بل ستشعل بركان الغضب في أوساط الرأي العام الأمريكي؛ لاسيما في ظل تنامي هواجس الاقتصاد وتحليق أسعار الطاقة، والتي استحالت بوصلةً حاسمةً في توجيه السياسة الداخلية الأمريكية.
ويتزامن هذا المشهد القاتم مع اقتراب استحقاقات انتخابات الكونغرس التي يترقبها ترامب وحزبه الجمهوري بخيفة. فقد بات جلياً، ومنذ انطلاق سباق الانتخابات التمهيدية، أن تعثّر ترامب في حسم هذه الحرب، قد ألقى بظلاله الثقيلة على مصير المرشحين.
ثمة معضلة أخرى تطفو على السطح وتتمثل في التحول الجذري في طبيعة الصراع. ففي الأمس القريب، كان التساؤل المحوري يدور حول قدرة إيران على إغلاق المضيق من عدمه، أما اليوم، فقد تبدلت الوجهة ليصبح السؤال الجوهري: مَن يمتلك الحق الشرعي في إدارة هذا الشريان المائي؟ لقد ربطت إيران، بطريقة أو بأخرى، إسدال الستار على هذه الحرب بحسم مصير المضيق وتكريس سيادتها المطلقة على إدارته. في المقابل، ترتعد فرائص واشنطن خشيةً أن يؤدي الرضوخ لهذا النموذج إلى تكريس سابقة خطيرة تنسحب على سائر الممرات المائية الحيوية في العالم. ومن هذه الزاوية، لا يقف هرمز كمجرد مضيق مائي، بل يتجلى كأيقونة ترمز إلى ملامح النظام الدولي القادم.
وفي خضم هذا المعترك، برزت سلطنة عمان كلاعب محوري لا يُشق له غبار. فمسقط، التي نسجت بحكمة خيوط التواصل مع كلا الطرفين على مرّ السنين، تسعى جاهدةً اليوم لاستثمار هذا الرصيد لإخماد طبول الحرب في المنطقة. إن الثقة المزدوجة التي تحظى بها عمان من طهران وواشنطن على حد سواء، قد توّجتها كعرّاب أول للوساطة في هذه الأزمة. ولهذا، يميل الكثير من المراقبين إلى الاعتقاد بأن مستقبل المضيق سيُصاغ في أروقة مسقط، أكثر مما سيُقرر في دهاليز طهران أو واشنطن.
السيناريوهات المرتقبة: إلى أين يمضي هرمز؟
بناءً على ما سلف، يمكننا استشراف ملامح عدة سيناريوهات محتملة تلوح في أفق مضيق هرمز:
السيناريو الأول: التوصل إلى تفاهم مؤقت بين إيران وسلطنة عمان، يمهّد لفتح الشرايين الملاحية رويداً رويداً. وفي ظل هذا المشهد، قد تجد أمريكا نفسها مجبرةً - رغم استنكارها الرسمي - على تجرع كأس القبول بدور إيراني محدود كأمر واقع.
السيناريو الثاني: استدامة حرب الاستنزاف الراهنة؛ حالة تستمر فيها رحى الحصار البحري بالدوران، وتتخللها هجمات متناثرة، مصحوبةً بارتفاع جنوني في بوليصات التأمين وتكاليف الشحن.
السيناريو الثالث: انزلاق الأمور نحو تصعيد دراماتيكي، يحيل أزمة هرمز إلى مواجهة إقليمية عاتية، تلتهم نيرانها الدول الخليجية، وتجرّ أذيال الصين وحتى أوروبا للاصطلاء بها بطرق شتى.
ورغم تباين هذه المسارات، يبدو جلياً في المشهد الآني أن بيارق النصر بعيدة المنال عن متناول الجميع. فقد أدركت إيران بذكاء أن بسط هيمنتها المطلقة على المضيق ليس شرطاً لإحداث زلزال في الاقتصاد العالمي أو تضييق الخناق على أمريكا؛ بل يكفيها أن تزرع هاجساً في الوجدان العالمي بأن عبور هذا الشريان محفوف بالمخاطر ولا يتمتع بالأمان التام. في المقابل، استوعبت أمريكا الدرس جيداً؛ وهو أن التفوق العسكري الكاسح، مهما عظُم شأنه، يظلّ قاصراً عن الحلول محل الترتيبات السياسية والقانونية، ويعجز بمفرده عن تشريع نظام حقوقي جديد يضبط إيقاع المضيق.
ولعل هذا المأزق هو ما يجعل من أزمة هرمز، اليوم أكثر من أي وقت مضى، حلبة صراع ملحمية تتصادم فيها إرادتان: منطق القوة الغاشمة في مواجهة منطق الجغرافيا العتيدة. وفي خضم هذا التدافع، يبدو أن الجغرافيا - على الأقل في لحظتنا الراهنة - لا تزال تعتلي صهوة التفوق، مانحةً إيران درعاً متيناً تتكئ عليه لمواصلة إدامة الضغط على إدارة ترامب.
