الوقت- تسعى وزارة الحرب الأمريكية لتبرير جريمتها الكبرى في اليوم الأول من الحرب ضد إيران. بدأت الجريمة بقصف مدرسة ميناب الابتدائية جنوب إيران من قبل الولايات المتحدة، ولا يزال الجدل قائماً حول هذه الجريمة ضد الإنسانية. مؤخراً، صرّح قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) في مجلس الشيوخ الأمريكي بأن التحقيق العسكري الذي تجريه بلاده في الغارة الجوية على مدرسة في مدينة ميناب جنوب إيران "معقد" ولكنه "يقترب من الاكتمال".
أدلى قائد القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) بهذه التصريحات ردًا على أسئلة آدم سميث، كبير الديمقراطيين في لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب. وخلال جلسة الاستماع، طالب المشرعون الديمقراطيون كوبر بالاعتراف علنًا بمسؤوليته عن أي تورط أمريكي محتمل.
وقال سميث: "في الماضي، عندما ارتكبنا أخطاءً كهذه، كنا عادةً ما نسارع إلى تحمل المسؤولية، حتى لو كانت هناك حاجة إلى مزيد من التحقيق".
لكن كوبر جادل بأن الهجوم على المدرسة كان مختلفًا، قائلاً: "المدرسة نفسها تقع على قاعدة صواريخ كروز نشطة تابعة للحرس الثوري الإيراني. هذا الأمر أكثر تعقيدًا من أي هجوم عادي".
كما ادعى قائد القيادة المركزية الأمريكية أننا لا نتحمل مسؤولية ما فعلناه علنًا.
جرائم الولايات المتحدة
بعد مرور أكثر من شهرين على الهجوم الصاروخي على مدرسة "شجره طيبه" في ميناب، لا يزال البنتاغون يرفض الاعتراف رسميًا بمسؤوليته عن الهجوم، الذي أسفر، بحسب التقارير، عن استشهاد أكثر من 170 شخصًا، معظمهم من التلاميذ، وهو ما أثار انتقادات حادة من بعض المشرعين الأمريكيين.
استُهدفت المدرسة الابتدائية في 28 فبراير/شباط، وهو اليوم الأول من العملية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران. وقد صرّح مسؤولون إيرانيون باستشهاد 175 شخصًا، معظمهم من الأطفال، في الهجوم.
في الأيام التي تلت الهجوم، قدم مسؤولون أمريكيون روايات متضاربة، حتى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب زعم أن الهجوم من تدبير إيران. إلا أن تحقيقات إعلامية وتحليلات مستقلة أظهرت لاحقاً أن المدرسة استُهدفت بصاروخ أمريكي الصنع.
هيومن رايتس ووتش: قصف مدرسة ميناب جريمة حرب
ذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير لها أن الهجوم الأمريكي على مدرسة ابتدائية للبنات في إيران يُمكن اعتباره "جريمة حرب".
ويوضح تقرير هيومن رايتس ووتش أن قوانين الحرب، أو "القانون الدولي الإنساني"، تحظر الهجمات العشوائية والهجمات على الأهداف المدنية. وتُعتبر المدارس والمستشفيات والمرافق الطبية عادةً "أهدافًا محمية"، ويتعين على القوات العسكرية إجراء تقييم دقيق للتأكد من أن الهدف عسكري بالفعل قبل شن أي هجوم.
تُشير تقارير أخرى إلى أنه حتى في القواعد الداخلية للجيش الأمريكي، يوجد مبدأ هام يقضي بأن تفترض القوات العسكرية أن الأفراد والمباني مدنيون ما لم تُثبت معلومات موثوقة خلاف ذلك. في الواقع، وبموجب مبدأ "الحذر في الحرب"، تلتزم القوات المهاجمة باتخاذ جميع التدابير الممكنة لتجنب إلحاق الضرر بالمدنيين. ويشمل ذلك فحص معلومات الهدف بدقة، واستخدام بيانات حديثة، وتحليل حركة المدنيين، وتحديد المناطق المحمية.
في العديد من الدول، مثل فرنسا وهولندا وأستراليا، يُعتقد أن شن هجوم عسكري دون امتلاك معلومات دقيقة وحديثة عن البيئة المدنية المحيطة بالهدف يُعد انتهاكًا لقوانين الحرب.
جريمة مثبتة
الأدلة "مقلقة للغاية" بالنسبة للولايات المتحدة. وقد صرّح فريق من خبراء الأمم المتحدة بأن الضحايا كنّ في الغالب فتيات تتراوح أعمارهن بين 7 و12 عامًا، وأن الهجوم وقع خلال ساعات الدوام المدرسي. وأكدوا أن الهجوم على مدرسة خلال ساعات الدوام يثير مخاوف قانونية بالغة، ويجب التحقيق فيه بشكل مستقل وعاجل.
ووفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، فقد تم تحديد إحداثيات الهجوم باستخدام معلومات قديمة من وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية.
وأشار الخبراء إلى أن المعلومات المتاحة للعامة على الإنترنت تُشير إلى أن الموقع مدرسة للبنات فقط. كما أفادت وكالة رويترز بأن موقع المدرسة الإلكتروني كان نشطًا، وأن صورًا للطالبات بالزي المدرسي كانت متاحة على الإنترنت، وأن موقع المدرسة كان واضحًا في المصادر العامة.
الإجراءات المنظمة لجرائم الجيش الأمريكي
في نظام القضاء العسكري الأمريكي، لا تُراجع القضايا عادةً باعتبارها "جرائم حرب"، بل باعتبارها انتهاكات للوائح العسكرية الداخلية. ولهذا السبب، لم تُفضِ العديد من الهجمات الأمريكية المثيرة للجدل في الماضي إلى محاكمات رسمية بتهمة ارتكاب جرائم حرب.
في الوقت نفسه، لا تقتصر المشكلة على خطأ فردي، بل قد تكون نتاجًا لتوجه سائد في إدارة ترامب. فمنذ بداية ولاية ترامب الثانية، دأب وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيت على انتقاد الحدود القانونية للحرب، ودعا إلى تكثيف العمليات العسكرية "القاتلة". بل إنه صرّح بأن تركيز الجيش يجب أن يكون على "أقصى قدر من الفتك، لا على التمسك الضعيف بالقانون".
في الواقع، لا تقتصر قضية مدرسة ميناب على هجوم واحد فحسب، بل هي اختبار لمدى التزام أمريكا بقوانين الحرب ومسؤوليتها عن الخسائر في صفوف المدنيين، وتُظهر توجهات إدارة ترامب والمسؤولين الأمريكيين أن الجيش الأمريكي ارتكب جرائم حرب مرارًا وتكرارًا دون أن يُحاسب عليها.
فعلى سبيل المثال، في الهجوم الأمريكي على مستشفى أطباء بلا حدود في قندوز، أفغانستان، عام ٢٠١٥، والهجوم على مسجد في سوريا، والعديد من الحالات الأخرى التي قُتل فيها مدنيون، أعلن الجيش الأمريكي في نهاية المطاف أن هذه الهجمات "لم تكن متعمدة"، وبالتالي لا تُعدّ جرائم حرب.
لكن العديد من خبراء القانون الدولي يخالفون هذا الرأي. فقد صرّح أكثر من مئة محامٍ أمريكي في بيان مشترك بأن الهجوم على مدرسة ميناب يُرجّح أنه انتهك القانون الدولي، وإذا ثبت أنه كان عملاً طائشاً، فقد يرقى إلى جريمة حرب.
