الوقت - شهد اليمن خلال الأيام الأخيرة تصعيداً عسكرياً لافتاً، بعدما أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ سلسلة عمليات بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد مواقع عسكرية تابعة للقوات المدعومة من السعودية. وتأتي هذه التطورات بعد فترة اتسمت بانخفاض مستوى العمليات العسكرية الواسعة، الأمر الذي يجعل عودة الضربات المكثفة مؤشراً مهماً على تغير المشهد الميداني. فقد تحدثت تقارير صحفية عن هجمات وقعت في محافظتي مأرب وحضرموت يوم 6 أغسطس، استهدفت معسكرات ومواقع عسكرية، وأوقعت خسائر بشرية كبيرة في صفوف القوات المدعومة من السعودية ، مع اختلاف واضح بين المصادر بشأن العدد النهائي للقتلى والجرحى.
وفي اليوم التالي، استمرت الهجمات وفق تقارير إعلامية، مع ورود معلومات عن إطلاق مزيد من الصواريخ باتجاه مواقع عسكرية في شرق اليمن. أعلن المتحدث العسكري للقوات المسلحة اليمنية، يحيى سريع،أن هذه العمليات رداً على تحركات وحشود عسكرية للقوات المدعومة من السعودية.
ويكشف هذا التباين أن المعركة الحالية لا تجري فقط على الأرض، بل تمتد أيضاً إلى ميدان الرواية الإعلامية والسياسية، ومن هنا تكتسب التطورات الأخيرة أهمية تتجاوز حجم الضربات نفسها، لأنها قد تحدد شكل المرحلة المقبلة من الصراع اليمني.
مأرب وحضرموت في قلب المواجهة
تكشف طبيعة المواقع التي تعرضت للهجمات أن مأرب وحضرموت ما زالتا تمثلان محوراً استراتيجياً في الحسابات العسكرية للأطراف المتصارعة. فهاتان المنطقتان تتمتعان بأهمية عسكرية واقتصادية وجغرافية، كما أن وجود قوات مدعومة إقليمياً فيهما يجعلهما جزءاً أساسياً من معادلة النفوذ داخل اليمن. ووفق تقارير حديثة، استهدفت الصواريخ والطائرات المسيّرة معسكرات للقوات المدعومة من السعودية في المحافظتين، في هجمات وُصفت بأنها من أكثر العمليات دموية خلال السنوات الأخيرة.
وتبرز هنا نقطة مهمة في قراءة المشهد: فالعمليات لم تقتصر، وفق بيانات القوات المسلحة اليمنية، على إطلاق صواريخ ، بل عمليات تستهدف تجمعات عسكرية وقدرات محددة. وفي المقابل، قالت مصادر للقوات المدعومة من السعودية إن الهجمات تسببت أيضاً في أضرار وخسائر خارج الأهداف العسكرية.
أما من الناحية السياسية، فإن اتساع نطاق الضربات يضع السعودية والقوى المتحالفة معها أمام اختبار جديد. فاستمرار استهداف القوات المدعومة سعودياً قد يفرض إعادة تقييم للانتشار العسكري والتحصينات وطرق إدارة الجبهات، في وقت تحاول فيه الأطراف الإقليمية منع عودة اليمن إلى دورة واسعة من الحرب المفتوحة.
المخ.. رسالة عسكرية تتجاوز حدود الجبهة
في 9 أغسطس انتقل التصعيد إلى الساحل الغربي، بعدما أعلنت القوات المسلحة اليمنية في صنعاء تنفيذ عملية في منطقة المخا باستخدام صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، وقال المتحدث العسكري يحيى سريع إن الأهداف شملت تجمعات للقوات السعودية ومستودعات أسلحة. وأكدت مصادر عسكرية تابعة للحكومة اليمنية وقوع هجمات صاروخية ومسيّرة على المدينة، لكنها قدمت حصيلة مختلفة للضحايا، مشيرة إلى سقوط قتلى وجرحى بينهم مدنيون.
وتكتسب المخا أهمية خاصة بسبب موقعها على ساحل البحر الأحمر وقربها من أحد أهم الممرات البحرية العالمية. ولذلك فإن أي تصعيد عسكري في هذه المنطقة يحمل أبعاداً تتجاوز الصراع اليمني الداخلي، خصوصاً في ظل حساسية الملاحة الدولية في منطقة باب المندب. وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن الهجوم تسبب في أضرار بين صفوف القوات المدعومة من السعودية . ومن منظور عسكري، يمكن قراءة انتقال العمليات إلى المخا باعتباره توسيعاً لنطاق الضغط على القوات المدعومة من السعودية، وليس مجرد استمرار لمواجهات مأرب وحضرموت.
معادلة الردع أمام اختبار جديد
تكشف أحداث الأيام الأخيرة أن الهدوء النسبي الذي عرفته الساحة اليمنية خلال الفترة الماضية لم يؤدِ إلى إنهاء أسباب الصراع، بل ربما أخفى مؤقتاً مجموعة من التوترات العسكرية والسياسية. فالضربات التي شهدتها مأرب وحضرموت ثم المخا، وفق التقارير المنشورة، تشير إلى قدرة الأطراف على إعادة فتح جبهات متعددة خلال فترة زمنية قصيرة، وهو تطور يرفع احتمالات استمرار التصعيد إذا لم تُفتح قنوات سياسية قادرة على احتواء الخلافات.
وفي المقابل، فإن حجم الخسائر المعلن يوضح أن أي مواجهة واسعة ستكون مكلفة لجميع الأطراف. فقد تحدثت وكالة فرانس برس عن مقتل 58 من القوات المدعومة من السعودية في هجمات السادس من أغسطس، بينما نقلت مصادر أخرى أرقاماً أقل، وهو اختلاف يؤكد ضرورة التعامل بحذر مع أرقام الخسائر الصادرة عن أطراف الصراع.
تداعيات الضربات على التحالف وفشل الرهانات الخارجية
تأتي هذه التطورات العسكرية لتسلط الضوء على الفشل الذريع الذي يواجهه التحالف بقيادة السعودية في محاولاته لاستخدام المرتزقة كأداة لزعزعة الاستقرار اليمني. إن استهداف مواقع المرتزقة هو في الحقيقة استهداف لجدوى الرهان السعودي على هذه القوى، حيث أثبتت الميدان أن هذه القوى غير قادرة على الصمود أمام الإرادة اليمنية الصلبة. التداعيات العسكرية لهذه الضربات ستتجاوز الجبهات المحلية لتصل إلى التأثير على التوازنات الإقليمية، حيث يجد التحالف نفسه مضطراً لمواجهة واقع عسكري جديد تفرض فيه القوات المسلحة اليمنية قواعد اشتباك صعبة ومعقدة. إن عجز المرتزقة عن حماية المواقع التي سلمتهم إياها القوى الخارجية يضع مصداقية التحالف على المحك، ويكشف عن هشاشة المنظومة التي بُنيت على أنقاض الدولة اليمنية. وفي نهاية المطاف، فإن هذه الانتصارات المتتالية تعزز من موقف اليمن في أي مفاوضات مستقبلية، حيث ستكون القوة الميدانية هي المحرك الأساسي، والواقع الذي لا يمكن تجاوزه، مما يجعل من حسم المعركة عسكرياً هو السبيل الوحيد والمنطقي لفرض السلام العادل والشامل.
ختاما، تثبت العمليات الأخيرة أن القوات المسلحة اليمنية قد انتقلت ببراعة من استراتيجية الدفاع عن المناطق المحررة إلى استراتيجية الهجوم النشط وفرض واقع ميداني جديد يتناسب مع تطلعات الشعب اليمني في استعادة كامل سيادته. لم تعد العمليات تقتصر على صد الهجمات، بل أصبحت تستهدف العمق العملياتي للمرتزقة لقطع خطوط الإمداد السعودية وتدمير قدراتهم قبل وصولها إلى الجبهات. هذه الرؤية الاستراتيجية تعتمد على فهم عميق لجغرافيا الأرض وطبيعة العدو، مما جعل كل عملية عسكرية تخدم هدفاً سياسياً أكبر وهو إجبار المعتدين على الاعتراف بالواقع اليمني الجديد. إن القدرة على تنفيذ ضربات منسقة في جبهات متعددة وفي توقيتات زمنية مدروسة تدل على وجود غرفة عمليات مركزية تعمل باحترافية عالية، قادرة على استغلال أي ضعف في تحركات المرتزقة لتحويله إلى نصر ساحق. هذا التحول الاستراتيجي يبعث برسالة واضحة إلى كافة القوى الإقليمية والدولية بأن اليمن أصبح يمتلك مفاتيح الحل العسكري، وأن أي محاولة لاستعادة نفوذها عبر المرتزقة ستواجه بضربات قاصمة ومستمرة.
