الوقت- أمس، شكّل نبأ اعتقال أحد أبرز قادة حركة طالبان في ولاية قندهار، والذي لم يُؤكّد بعد، صدمةً كبيرةً لأنصار الحركة، وعادت شائعات الانقسامات الداخلية والصراع على السلطة في قمة هرم الحكومة في كابول إلى صدارة الأخبار.
والآن، يطرح السؤال نفسه: من هو معتصم آغاجان؟ وما سبب اعتقاله؟ وما الذي يقف وراء أحداث الأيام الأخيرة في قندهار؟ وما الحقائق التي يكشفها هذا الحادث عن متاهة دوائر السلطة المظلمة والغامضة في حركة طالبان؟ للإجابة على هذه الأسئلة وغيرها، تناول إسماعيل باقري، الخبير بشؤون أفغانستان وآسيا الوسطى، تفاصيل الحادث في مقال خاص لموقع "الوقت". وفيما يلي نص المقال:
الملا معتصم آغا جان عضوٌ بارزٌ ومؤثرٌ في حركة طالبان. شغل منصب وزير المالية في أول حكومةٍ لطالبان (1996-2001)، وبعد سقوط طالبان من السلطة عام 2001، ترأس اللجنة السياسية لمجلس مدينة كويتا. كانت تربطه علاقاتٌ وثيقةٌ بعائلة الملا عمر، مؤسس طالبان، وكان يُعتبر شخصيةً معتدلةً نسبيًا. بدأ خلافه مع قيادة طالبان عندما طُرحت مسألة مفاوضات السلام مع حكومة حامد كرزاي.
تعرض معتصم آغا جان لمحاولة اغتيال في باكستان عام 2011، وهو ما عزاه البعض إلى قيادة طالبان.
لكن سبب اعتقال معتصم آغا جان هو اتهامه بمحاولة إنشاء هيكل مستقل للتعاون بين علماء الدين في أفغانستان وباكستان. ويُقال إن بيانًا صدر عن مجموعة من شخصيات طالبان يدعو إلى تمديد وقف إطلاق النار بين طالبان وباكستان، وكان اسم معتصم من بين الموقعين. وقد دار نقاش واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، فيسبوك وواتساب، بانتظار نشره في وسائل الإعلام الموثوقة. كما أدت القيود التي تفرضها طالبان على وسائل الإعلام إلى مزيد من التكهنات والافتراضات.
ويُقال أيضاً إن آغا جان استثمر نحو عشرة ملايين دولار في أفغانستان، ويمتلك مدرسة دينية خاصة، وهو ما تعتبره قيادة طالبان مخالفاً لفتوى الملا هيبة الله. ولعلّ أحد الأسباب الرئيسية لاعتقاله هو حساسية قيادة طالبان المفرطة، ولا سيما الملا هيبة الله، تجاه أي نشاط سياسي أو ديني خارج الإطار الرسمي لحكومة طالبان الثانية. إذ يعتبر الملا هيبة الله ومجلس قيادة طالبان هذه التصرفات تهديداً للتماسك الداخلي.
لكن لماذا تم هذا الاعتقال في قندهار؟ لا بد من الإشارة إلى أن قندهار هي مقر قيادة وإدارة وقاعدة نفوذ زعيم طالبان وأنصاره. إن اعتقال معتصم في قندهار يبعث برسالة إلى شخصيات طالبان الأخرى مفادها أن أي نشاط مستقل، حتى من قبل الشخصيات القديمة، لن يُتسامح معه في أراضيها، وأن الملا هيبة الله يسيطر سيطرة تامة على الوضع في البلاد، وأنه لن يتبنى أي فرد أو جماعة سياسة مستقلة عن قيادة طالبان، وأن طريقة التعامل مع باكستان، وطالبان باكستان، وإيران، والولايات المتحدة، والصين، وغيرها من الدول، تقع ضمن سلطة قيادة طالبان والملا هيبة الله.
بغض النظر عن أي تحليل، أظهر اعتقال معتصم آغاجان في قندهار وجود انقسام داخل حركة طالبان القديمة والجديدة، وهو انقسام سياسي في جوهره وليس أيديولوجيًا. وقد برزت اختلافات سياسية واضحة، خاصة بين شخصيات طالبان في قندهار وكابول، حول كيفية التعامل مع العديد من القضايا. وعلى وجه الخصوص، برز اختلاف في أسلوب الحكم بين الفصيل المتطرف بقيادة "أخون زاده" في قندهار، والفصيل الأكثر براغماتية الذي يضم سراج الدين حقاني، والملا يعقوب، وحتى الملا عبد الغني برادر في كابول.
لكن النقطة الأهم بخصوص سؤالك هي أن معتصم آغا جان عاد إلى أفغانستان بضمانة من الملا يعقوب وبجهود لجنة إعادة المواطنين الأفغان (المعنية بإعادة الشخصيات الأفغانية إلى البلاد). يُظهر هذا الإجراء من قيادة طالبان أن الملا هيبة الله، عند الضرورة، لن يكترث لمنصب الملا يعقوب أو منصبه كوزير للدفاع أو الملا برادر، إلخ.
وقد أدى اعتقال آغا جان فعلياً إلى إضعاف مكانة الملا يعقوب كشخصية مؤثرة داخل حركة طالبان وقيادتها، ومن المرجح أن يصبح أقرب إلى مجلس شورى كابول وسراج الدين حقاني مما كان عليه سابقاً.
أخيرًا، تجدر الإشارة إلى أن ما يُتداول في الفضاء الإلكتروني وشبكات التواصل الاجتماعي هو أن اعتقال آغاجان صدر بأمر من الملا هيبة الله، دون تقديم أي دليل أو وثائق تُثبت ذلك؛ لا سيما وأن إدارة وسائل الإعلام والسيطرة عليها قد أدت إلى تداول هذه النقاشات خارج نطاق الصحف والإعلام الرسمي.
في الوقت نفسه، تُعدّ مسألة احتكار الملا هيبة الله للسلطة موضوع نقاش يُغذّيه العديد من شخصيات طالبان، وخاصة من فرع سراج الدين حقاني ومجلس شورى كابول، مثل ستانكزاي. ويزعمون أن الملا هيبة الله حذّر مؤخرًا في تسجيل صوتي من أن الخلافات الداخلية قد تُدمّر نظام طالبان؛ لذا، لا ينبغي لقادة طالبان اتخاذ موقف مستقل عن قيادة طالبان؛ إلا أن الفصيل المعارض يعتبر هذا النهج احتكارًا للسلطة.
