الوقت ـ تتفاقم الأزمة الإنسانية في جنوب قطاع غزة مع تداخل أزمتين حادتين تضربان آلاف النازحين في محافظة رفح، تتمثل الأولى في توقف إمدادات المياه المحلاة عن مخيمات النزوح بسبب إطلاق النار المتكرر، فيما تتجسد الثانية في الانتشار المتسارع لمرض جدري الماء بين الأطفال داخل مراكز الإيواء المكتظة، وسط تحذيرات من انهيار إضافي للأوضاع الصحية والمعيشية.
وأعلنت بلدية رفح، الخميس 16 يوليو/تموز 2026، أن نحو 2500 أسرة نازحة تقيم في 12 مخيماً بمنطقة "مربع الإقليمي" جنوب منطقة خدمات رفح باتت تواجه خطر العطش الشديد بعد توقف توريد المياه المحلاة إليها نتيجة استمرار إطلاق النار باتجاه مخيمات النزوح والطرق المؤدية إليها.
وأوضحت البلدية في بيان صحفي أن الجهات المزوِّدة للمياه اضطرت إلى وقف عمليات النقل حفاظاً على سلامة طواقمها، ما أدى إلى انقطاع مورد حيوي كان يؤمّن نحو 150 متراً مكعباً من المياه في أيام التوزيع، وهي كمية وصفتها بأنها كانت أصلاً أقل من الاحتياج الفعلي للسكان النازحين.
ويعكس توقف الإمدادات المائية هشاشة الأوضاع في مناطق النزوح جنوب القطاع، حيث تعتمد آلاف الأسر بشكل شبه كامل على المساعدات والخدمات الإنسانية لتأمين احتياجاتها الأساسية. وترى جهات محلية أن استمرار الانقطاع قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات الجفاف والأمراض المرتبطة بنقص المياه وتراجع مستويات النظافة الشخصية والعامة.
وحذرت البلدية من أن الأزمة الحالية قد تدفع المنطقة نحو مزيد من التدهور الإنساني والصحي، داعية الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات الإنسانية إلى التدخل العاجل لاستئناف إمدادات المياه وتوفير الحماية للخدمات الأساسية والعاملين في المجال الإنساني.
وفي موازاة أزمة المياه، تتصاعد المخاوف من تفشي الأمراض المعدية داخل مخيمات النزوح، إذ حذر مدير الإغاثة الطبية في قطاع غزة، بسام زقوت، من انتشار واسع لمرض جدري الماء بين الأطفال، واصفاً الوضع بأنه وصل إلى مرحلة "التفشي الوبائي" في ظل الاكتظاظ الشديد وتدهور الظروف المعيشية.
وقال زقوت إن الطواقم الطبية تسجل ما يقارب 5000 إصابة أسبوعياً بجدري الماء بين النازحين، مشيراً إلى رصد سلاسل انتقال نشطة للفيروس داخل الخيام والمناطق المحيطة بها، الأمر الذي يعكس سرعة انتشار العدوى في بيئة تفتقر إلى مقومات الصحة العامة.
ويربط مختصون بين تفشي المرض وتراجع خدمات الرعاية الصحية والوقائية، إضافة إلى النقص الحاد في اللقاحات. وأكد زقوت أن القيود المفروضة على إدخال لقاحات جدري الماء إلى القطاع أدت إلى حرمان آلاف الأطفال، لا سيما المولودين خلال فترة الحرب، من برامج التطعيم الأساسية.
وتزداد المخاوف الصحية مع ارتفاع المخاطر التي تواجه الفئات الأكثر هشاشة، إذ قد يتسبب المرض بمضاعفات خطيرة لدى النساء الحوامل، بما في ذلك احتمالات الإجهاض أو تشوهات الأجنة، فضلاً عن تهديده للأطفال الذين يعانون من سوء التغذية أو ضعف المناعة.
كما تسهم موجات الحر الشديدة داخل الخيام في تفاقم الأوضاع الصحية، حيث تزيد من معاناة المصابين وتوفر بيئة مواتية لانتشار الأمراض المعدية بين النازحين.
ويحذر مسؤولون صحيون من أن جهود احتواء الوباء ستظل محدودة ما لم يتم توفير اللقاحات بشكل عاجل، في وقت تتفاقم فيه أزمة الوقود التي تهدد بتوقف سيارات الإسعاف وتعطل حركة العيادات المتنقلة، بالتزامن مع الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية والطرق.
وتكشف أزمتا المياه والصحة في رفح عن تزايد الضغوط على السكان النازحين في جنوب قطاع غزة، حيث تتداخل تحديات البقاء اليومية مع مخاطر انتشار الأمراض، ما يرفع من احتمالات حدوث أزمة إنسانية أوسع إذا استمرت الظروف الحالية دون تدخل دولي عاجل وفعّال.
