الوقت - مع تغير الزمن والتطور الكبير الحاصل في تكنولوجيات وسائل التواصل وتحصيل المعرفة والمعلومة، كانت الصحافة المكتوبة واحدة من المهن الضحية في هذا المسار. حيث تشير الاحصائيات إلى تراجع كبير في أعداد المتابعين للصحف الورقية إضافة إلى متصفحي الكتب في مقابل تحول نحو التكنولوجيا الرقمية ووسائل تحصيل المعرفة والمعلومة رقميا من صحافة رقمية وكتب الكترونية متوفرة بكثرة على الشبكة العنكبوتية. ويبدو أن الأمور لا زالت تتجه بسرعة فائقة نحو هذا التحول الجذري في أسلوب تحصيل المعرفة.
أما عن تاريخ الصحافة الورقية فيعود إلى القرن السابع عشر الميلادي حيث كانت البداية على شكل أخبار مطبوعة في القارة الأوروبية ابان عصر النهضة. وكانت البداية من فرنسا حيث استفاد منها الملوك في التأثير على الرأي العام. أما الصحافة الحرة فلم تظهر في أوروبا قبل القرن الثامن عشر حيث صدرت الصحيفة الأولى في بريطانيا عام 1702 م تحت اسم "دايلي كورانت" وفي فرنسا عام 1777م باسم "جورنال دو باريس" وفي أمريكا فقد ظهرت أول صحيفة يومية عام 1690 م تحت اسم "the public ocurrence". أما القرن الثامن عشر فكان عصر النهضة للصحافة ومنذ ذلك الحين بدأ الصراع بين الصحافة الحرة والمأجورة من قبل التجار والمتمولين والحكام ولا يزال إلى اليوم. والقرن التاسع عشر والعشرين فقد كانا عصر الازدهار للصحافة وقد اشتهرا بالتطور الكبير للصحافة لجهة الخدمات الاعلانية والطباعية ومن الواضح أن القرن الحالي هو عصر الأفول للصحافة الورقية في مواجهة الصحافة الرقمية المتمثلة بالمواقع الاخبارية والصحفية والتلفزيونية وغيرها.
ومن الأسباب التي أدت وتؤدي إلى الانتقال السريع نحو الصحافة الرقمية هو التدهور الحاصل في عائدات الاعلانات المدفوعة على صفحات الجرائد. ويعود السبب إلى أن قطاع الاعلانات أصبح رقميا أيضا فمن خلال وسائل التواصل الاجتماعي وصفحات الانترنت يمكن الوصول إلى أكبر شريحة من المستهدفين من قبل الاعلان وبأقل التكاليف أيضا. ومن جهة أخرى فان أسلوب الحياة قد اختلف عن السابق حيث نعيش اليوم عصر السرعة والتطور التكنولوجي وقد أصبح الانترنت وأجهزة الهاتف الذكية بمتناول الجميع حتى الأطفال. وثقافة القراءة أصبحت في الحضيض وفق مؤشرات واحصائيات كثيرة تؤكد التراجع الكبير في طباعة الكتب والمجلات والصحف.
وفي هذا السياق أتى خبر إيقاف طباعة جريدة "ذي إندبندنت" البريطانية العريقة والتي تصدر منذ 30 عاما، ليكون يوم الجمعة الماضي هو اليوم الأخير للصحيفة الورقية. وقد اتخذت إدارتها قرارا وصفته بـ "التحول الجريء" إلى صحيفة رقمية بشكل كامل وقد كتبت الصحيفة في افتتاحية طبعتها الأخيرة "سنتذكر دائما هذا التحول الجريء نحو الصحافة الرقمية كنموذج تحتذي به صحف أخرى في العالم" وأضافت الصحيفة "اليوم توقفت المطابع، وجف الحبر، وقريبا لن يصدر الورق حفيفا، لكن مع اغلاق فصل يُفتح آخر وستواصل ذي إندبندنت الازدهار". يُذكر أن الصحيفة وبعد أن كانت توزع 420 ألف نسخة يوميا عام 1989 لم تعد قادرة على بيع أكثر من 40 ألفا خلال الأشهر القليلة الماضية.
وضمن نفس السياق من الصعوبات الاقتصادية والمالية التي تواجهها الصحافة الورقية، وخاصة الصحافة الحرة التي تعتمد على مردود الاعلانات المدفوعة لتغطية نفقاتها أتى الخبر الصاعقة الذي أعلنه صاحب ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية "طلال سلمان" حول إيقاف العمل بالجريدة ابتداءا من أول نيسان أبريل القادم. ويعزو أصدقاء ومقربون منه السبب إلى الضائقة المادية وأزمة الاعلام اللبناني غير المسبوقة ماديا. وأما عن سبل المعالجة فيؤكد المعنيون أن الآفاق مسدودة بسبب الانحطاط الأخلاقي والمهني الذي يواجهه القطاع العريق لبنانيا وعالميا.
وفي توجه مغاير يؤكد الرئيس التنفيذي لـ"نيويورك تايمز" الأمريكية أنه رغم الضغوط الاقتصادية وتراجع مبيعات الاعلانات المطبوعة بنسبة 11% خلال الربع الأول من العام الحالي إلا أن صحيفته مصرة على الصدور بنسختها الورقية لأسباب إقتصادية.
ختاما ورغم كل ذلك تبقى للصحافة الورقية نكهتها الخاصة، وهذا ما يؤكده الكثيرون ممن اعتادوا تلمس أوراقها في كل صباح. والأهم من ذلك هو بقاء الصحافة الحرة التي لا ترتهن لجهات سياسية واقتصادية، جهات بدأت تُحرف الحقائق عبر الصحافة المأجورة التي تخرب أذهان قارئيها لمصلحة ممولي هذه الصحف. وفي هذا الاطار نأسف أنه في عالمنا العربي والاسلامي أضحى الجزء الأكبر من الصحافة ووسائل الاعلام بشكل عام أبواقاً للسلاطين ولا تعبر عن وجدان الأمة وضميرها الحي.