الوقت - كما كان متوقعاً، أعلنت هنغاريا تنفيذ قرارها الذي اتخذته منذ أشهر، بالخروج من المحكمة الجنائية الدولية، وذلك تمهيداً لاستقبال بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء الكيان الصهيوني، في زيارة إلى بودابست تعدّ الأولى له إلى أوروبا منذ صدور قرار المحكمة، هذه الخطوة المثيرة للجدل جاءت لتعبّد الطريق أمام ضيفها، غير مكترثة بما يحمله القرار من تبعات أخلاقية وقانونية.
وفقاً لحسابات مستشاري نتنياهو وترامب، فإن هذا الإجراء يهدف إلى وضع دول الاتحاد الأوروبي أمام واقع مفروض، يجبرها على تجاهل الحكم التاريخي الصادر عن المحكمة الجنائية الدولية، القاضي باعتقال نتنياهو، هذا الحكم، الذي يمثّل إنجازاً فريداً في الساحة الدولية، يعد انتصاراً لأصحاب الضمائر الحية، إذ يسعى إلى محاكمة رئيس وزراء الكيان الصهيوني بوصفه المتهم الرئيسي في جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب التي ارتكبها الكيان في غزة، حيث الدماء صبغت الأرض والشهداء صاروا عناوين للكرامة الإنسانية.
وفي الوقت الذي كان نتنياهو يلتقي في قلعة بودابست برئيس الوزراء فيكتور أوربان، خرج غريغلي غولياس، رئيس مكتب أوربان، ببيان مقتضب أعلن فيه أن حكومة هنغاريا باشرت إجراءات الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، وفقاً لما تقتضيه أحكام الدستور، غير أن قوانين المحكمة تلزم هنغاريا بتقديم إخطار خطي إلى الأمين العام للأمم المتحدة، وحسب المادة 127 من نظام روما الأساسي، فإن الانسحاب لا يدخل حيز التنفيذ إلا بعد عام كامل من تقديم الإخطار.
وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت في الحادي والعشرين من نوفمبر عام 2024 حكماً يقضي باعتقال بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء الكيان الصهيوني، ويوآف غالانت، وزير الحرب السابق، بتهم تتعلق بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب، وخلال هذه الفترة، أعلنت العديد من الدول استعدادها لتنفيذ حكم المحكمة حال دخول المسؤولين الصهاينة أراضيها، غير أن الوقائع أظهرت أن كثيراً من تلك الدول لا تلتزم بما تعلنه، ولا تقيم وزناً لما تتعهد به من التزامات قانونية وأخلاقية.
أولاً بولندا، والآن هنغاريا
كانت بولندا، قبل أشهر قليلة، رمزاً للعار السياسي حينما تجلّت في صورة الدولة الأكثر عداءً للشعب الفلسطيني، متصدرةً مشهد الخصومة الوقحة التي تفتقر إلى أدنى مقومات الإنصاف والإنسانية، ومنذ انطلاق عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر، لم تتوانَ بولندا وهنغاريا عن اتخاذ مواقف منحازة على نحو فاضح للكيان الصهيوني، لتغدو هاتان الدولتان أبرز أدواته المساندة بين الدول الأوروبية، في مشهد يشي بخيانة القيم الأخلاقية التي تزعم أوروبا أنها تتبناها.
لم يكتف المبعوث الخاص لهنغاريا لدى تل أبيب بالدعم الأعمى للكيان، بل كرّر على مسامع العالم أكاذيب سافرة ادّعى فيها أن جيش نتنياهو لا يتعرض للنساء والأطفال الفلسطينيين، متغافلاً عن المشاهد المروعة التي وثّقتها العدسات، وعن صرخات الضحايا التي صدحت في سماء غزة، حيث تتساقط أرواح الأبرياء وسط دمار لا يرحم، وفي المقابل، شهدت مدن أوروبا وأمريكا حشوداً غفيرةً من الطلبة والمواطنين الذين خرجوا في مظاهرات عارمة، يحتجون على المجازر الوحشية التي طالت النساء والأطفال الفلسطينيين، مطالبين بإيقاف آلة الإبادة التي لا تعرف الرحمة.
النظر في الوثائق والأحداث التاريخية يكشف بوضوح أن هنغاريا، على مدى سبعة وسبعين عاماً، كانت مركزاً استراتيجياً في أجندة السياسة الخارجية للكيان الصهيوني، بناءً على اتفاقيات قديمة تربط الطرفين بعلاقات متشابكة، وفي عام 2017، وصف روفين ريفلين، الرئيس السابق للكيان، تعزيز العلاقات مع هنغاريا بأنه حجر الزاوية لسياسة الكيان في القارة الأوروبية، وقد سعى قادة هنغاريا لاستغلال مأساة اليهود الهنغاريين تاريخياً كوسيلة لاستقطاب الاستثمارات الصهيونية، إلا أن حجم الاستثمارات المباشرة القادمة من تل أبيب إلى هنغاريا لم يتجاوز خمسة مليارات يورو، رغم تطلعاتهم الطامعة.
وعلى الرغم من محدودية هذه الاستثمارات، فإن هنغاريا لم تعتبر من هذا الواقع، بل مضت على نهجها المشين، متمسكةً بمواقفها التي تضعها في طليعة الدول الأوروبية الداعمة للكيان، وقد دأبت على الترويج لضرورة الدعم المالي للجيش الصهيوني، متذرعةً بأوهام جذب رؤوس الأموال اليهودية، غير مبالية بما تتركه تلك السياسات من وصمة في جبين العدالة، ولا بما تكشف عنه من انحياز سافر للظلم والطغيان، مسجلةً بذلك صفحةً جديدةً من صفحات الخزي في تاريخها السياسي.
تحالف اليمين المتطرف مع ترامب ونتنياهو
كشفت صحيفة Rzeczpospolita في وقت سابق عن دعوة رسمية وُجّهت إلى بنيامين نتنياهو لحضور مراسم إحياء ذكرى تحرير معسكر أوشفيتز النازي في بولندا، في السابع والعشرين من يناير، بصفته ضيفاً خاصاً، غير أن نتنياهو، الذي ألقى عليه قرار المحكمة الجنائية الدولية ظلال الخوف، فضّل رفض هذه الدعوة، بل تجاوز ذلك إلى مطالبة الرئيس البولندي أندريه دودا ورئيس وزرائه بإيجاد مخرج يحميه من شبح الاعتقال.
ولأن دودا دأب على السعي لاسترضاء دونالد ترامب، لم يجد حرجاً في التصريح علانيةً بأن دعوة نتنياهو خطوة مجدية، حتى لو كان ثمنها خروج بولندا من المحكمة الجنائية الدولية، وفي ذلك الوقت، وصف بيتر هوفمانسكي، الرئيس السابق للمحكمة الجنائية الدولية، موقف الرئيس البولندي بأنه مثال صارخ على ازدراء الالتزامات القانونية والدولية، مشيراً إلى أنه يعكس ذهنيةً انتهازيةً تنأى عن القيم الإنسانية والعدالة، وتغلب المصلحة على المبادئ.
ومع انتصار ترامب في الانتخابات الأمريكية، انضمت هنغاريا إلى بولندا في دائرة الدول التي أبدت استعدادها للتنازل عن كل ما يربطها بالقانون الدولي من التزامات، سعياً لإرضاء ترامب ونتنياهو، هذا التحالف السياسي، الذي يجمع بين الشعبوية واليمين المتطرف، يعكس مدى الانحراف الذي يمكن أن تقوده المصالح الضيقة، حيث تتحول القيم القانونية إلى أدوات تُساوم عليها في أسواق السياسة.
إن استمالة بولندا وهنغاريا ليست سوى جزء من استراتيجية أوسع يتبناها ترامب، الذي لطالما أظهر دعمه لاتفاقيات "أبراهام" خلال ولايته الأولى، مستعيناً بصهره اليهودي جاريد كوشنر، مهندس تلك الاتفاقيات، لتكريس التطبيع بين الدول العربية والكيان الصهيوني، أما الآن، فقد اتجه ترامب نحو نسخة جديدة من تلك السياسة، ساعياً إلى جرّ بعض الدول الأوروبية نحو فلك نتنياهو، لتوسيع دائرة التأييد للكيان الصهيوني في القارة العجوز.
صدمة عالمية: تداعيات انسحاب هنغاريا من المحكمة الجنائية الدولية
كالبرق الخاطف، انتشر خبر انسحاب هنغاريا من المحكمة الجنائية الدولية، ليخطف أنظار الإعلام العالمي كحدث أشبه بانفجار هائل في الساحة السياسية الدولية، وأوردت وكالة أسوشيتد برس أن المسؤولين الهنغاريين، في معرض تبريرهم لهذا القرار، ادّعوا أن المحكمة باتت أداةً مسيّسةً، مشيرين إلى أن قوانينها لم تُصادق عليها رسمياً في هنغاريا، ما يجعل الامتثال لأحكامها بلا أساس قانوني، كما سلطت الوكالة الضوء على العلاقة العميقة التي تجمع بين رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان وبنيامين نتنياهو، مؤكدةً أن هذه الصلة القديمة لعبت دوراً محورياً في اتخاذ هذا القرار.
أما صحيفة الغارديان، فقد تناولت انعكاسات هذا القرار، مشيرةً إلى أن هنغاريا فتحت الباب للتشكيك في مصداقية المؤسسات القضائية الدولية وقدرتها على فرض هيبتها، وهو ما يضعف مكانتها في مواجهة القوى السياسية العالمية، وفي سياق موازٍ، ركّزت صحيفة فايننشال تايمز على موقف الاتحاد الأوروبي من القرار، حيث أشار تقريرها التحليلي إلى أن تعبير الاتحاد الأوروبي عن أسفه يعكس انقسامات عميقة بين دوله بشأن سياسات نتنياهو وترامب، وأكد الاتحاد الأوروبي أن عملية انسحاب هنغاريا من المحكمة الجنائية الدولية تخضع لإجراءات رسمية معقدة، وأن الدول الأعضاء لا يمكنها التنصل من التزاماتها القانونية على نحو مفاجئ أو اعتباطي.
وكالة يورونيوز أفادت أن نتنياهو سافر إلى بودابست بعد حصوله على ضمانات بعدم اعتقاله، فيما زعم غولياس، رئيس مكتب رئيس الوزراء الهنغاري، أن المحكمة الجنائية الدولية انحرفت عن أهدافها وتحولت إلى هيئة سياسية، والمثير أن مكتب فيكتور أوربان برّر هذا الانسحاب، بالإشارة إلى أن القوى العسكرية الكبرى في العالم لم تنضم يوماً إلى المحكمة، مستشهداً بالولايات المتحدة التي فرضت عقوبات على هذه المؤسسة القضائية.
أما صحيفة بوليتيكو، فقد ركّزت على الدور الشخصي الذي لعبه فيكتور أوربان في طمأنة نتنياهو، حيث منحه ضمانات صريحة بعدم الامتثال لأحكام المحكمة، كما لفتت الصحيفة إلى حادثة سابقة تتعلق بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي لم يُعتقل خلال زيارته إلى منغوليا في سبتمبر 2024، ما يبرز تناقضات في تطبيق أحكام المحكمة.
وفي السياق ذاته، أشارت وكالة رويترز إلى موقف أمستردام، حيث أكدت الحكومة الهولندية، باعتبارها المضيف للمحكمة، أن هنغاريا لا تزال ملتزمةً قانونياً بتنفيذ تعهداتها حتى اكتمال عملية الانسحاب، وصرّح وزير الخارجية الهولندي كاسبار ولدكام، خلال اجتماع للناتو في بروكسل، بأن إجراءات الانسحاب تستغرق عاماً كاملاً، وخلال هذه الفترة، يتعين على هنغاريا الوفاء بكل ما يترتب عليها من التزامات تجاه المحكمة.
ازدواجية المعايير الأوروبية
كشفت بولندا وهنغاريا، من خلال دعمهما الصريح لنتنياهو وتجاهلهما لجرائمه الحربية، عن غياب أي إيمان حقيقي بمبادئ حقوق الإنسان، إلا أن الصورة العامة للدول الأوروبية ليست أقل ازدواجيةً، فقد أظهر الاتحاد الأوروبي انقساماً واضحاً في مواقفه تجاه تنفيذ أحكام المحكمة الجنائية الدولية.
فبينما أعلنت دول مثل إسبانيا وهولندا وفنلندا استعدادها لتنفيذ الأحكام، اقترحت دول أخرى، مثل ألمانيا، إيجاد حلول تتيح لنتنياهو زيارة أراضيها دون التعرض للاعتقال، أما فرنسا، فقد تبنّت موقفاً متناقضاً حينما أعلنت أن نتنياهو يجب أن يُستثنى من أحكام المحكمة، بحجة أن "إسرائيل" ليست عضواً فيها.
ويرى خبراء القانون الدولي أن انسحاب هنغاريا، رغم ما يحمله من دلالات رمزية ورسائل سياسية، لن يُحدث تأثيراً جوهرياً على الإطار القانوني أو العمليات التشغيلية للمحكمة الجنائية الدولية، ومع ذلك، تبقى هذه التحركات شاهدةً على تراجع الالتزام بالعدالة الدولية في عالم تحكمه المصالح السياسية أكثر من المبادئ الإنسانية، حيث تُباع القيم بأثمان بخسة في أسواق النفوذ والسيطرة.