الوقت- في زمن التناقضات الحادة، حيث تتباهى الدول بقيم العدالة والحرية، تُباد مدينة كاملة أمام أعين العالم، دون أن يتحرك ضميرٌ عالميٌ جادٌ لوقف المجازر المستمرة بحق المدنيين في قطاع غزة، أمام هذه الصورة المظلمة، يخرج صوت من قلب الأمة، يحمل في طياته لوعة العجز ويقظة الإيمان، متمثلاً في بيان "هيئة علماء فلسطين" التي دعت إلى النفير العام، كخطوة أخلاقية ودينية وسياسية لمساندة أهل غزة المحاصرين منذ سنوات، والمستهدفين اليوم بإبادة جماعية غير مسبوقة.
نداء يتجاوز الكلمات.. صوت الضمير الجمعي
لم يكن بيان هيئة علماء فلسطين مجرد تصريح عاطفي أو انفعال لحظي، بل هو تجسيد حقيقي لصوت الضمير الجمعي الذي لا يزال ينبض في صدر الأمة، رغم محاولات التغريب، والتمييع، وتغييب الوعي.
حين تصف الهيئة يوم الجمعة بأنه "يوم البرهان على صدق الإيمان والانتماء"، فإنها بذلك تربط بين الموقف تجاه غزة وبين جوهر العقيدة، وتُحيل الوقوف مع المظلوم إلى واجب ديني لا يقل أهمية عن سائر أركان الدين.
ما يجعل هذا النداء أكثر خصوصية هو تخصيصه لشباب الأردن ومصر، لما لهاتين الدولتين من تماس مباشر مع فلسطين المحتلة، ولكون حدودهما مع غزة قد تحولت من معابر حياة إلى جدران صمت، فالدعوة إلى الزحف نحو الحدود ليست فقط دعوة سياسية، بل صرخة وجدانية تعيد تذكير الأمة بتاريخها النضالي، وتراثها المقاوم، وحقها في تحرير أرضها ومقدساتها.
غزة بين المطرقة الصهيونية والسندان الدولي
لا يمكن تحليل ما يجري في غزة دون الحديث عن العجز الدولي، الذي بلغ مستويات مخزية، فبينما توثق الكاميرات والمستشفيات والمقابر الجماعية حجم الكارثة، وبينما تنقل الصحافة صور الأطفال المحترقين تحت الأنقاض، لا تزال القوى الدولية الكبرى تتحدث بلغة "الحق في الدفاع عن النفس"، وكأن أرواح الفلسطينيين أقل قيمة من غيرهم.
هذا الصمت، أو لنقل هذا "التواطؤ"، هو ما وصفه البيان بأنه سقوط كامل لمنظومة القيم التي طالما تباهى بها العالم الغربي، ما معنى أن يتحدث العالم عن حقوق الإنسان وهو يشاهد شعبًا بأكمله يُباد على مدار أكثر من 18 يومًا متتالية؟ ما معنى القانون الدولي إذا كان عاجزًا عن إدانة مجازر موثقة، وشهادات حيّة، وإبادة معلنة؟ إن ما يحدث لغزة اليوم هو محك حقيقي للقيم العالمية، وامتحان فاضح للمنظومة القانونية الدولية.
منبر الجمعة.. منصة الثورة الروحية
البيان ربط بين صلاة الجمعة والتحرك الجماهيري، في مزج بليغ بين التعبّد والثورة، فكما أن منبر الجمعة كان في التاريخ الإسلامي مصدرًا لتحفيز الأمة على الجهاد والدفاع عن قضاياها، فإنه اليوم يعود ليحمل هذا المعنى من جديد، فالدعوة إلى التحرك بعد الصلاة مباشرة، ومحاصرة السفارات التي تمثل الاحتلال أو داعميه، هي تأكيد على أن العمل السياسي والنضالي لا ينفصل عن الروح الدينية، بل ينبع منها.
وهنا تبرز أهمية الحراك الشعبي بوصفه أداة ضغط، إن محاصرة السفارات ليست مجرد رمزية، بل هي رسالة حقيقية إلى الأنظمة والحكومات والقوى العالمية بأن الشعوب لا تقبل الصمت، وأن دماء الفلسطينيين لن تمر دون صوت أو رد.
شباب الأمة.. طليعة التغيير ومسؤولية اللحظة
في كثير من المحطات المصيرية في تاريخ الأمة، كان الشباب هم الوقود والمحرك، ولهذا خصهم البيان بنداء مباشر، مطالبًا إياهم بأن يكونوا طليعة التحرّك، وقيادة الميادين، وحرّاس الكرامة، في واقع يعيش فيه الشباب العربي ما بين الإحباط، والبطالة، والغربة عن قضاياه، يأتي هذا النداء كفرصة لإعادة تموضعهم داخل سياقهم التاريخي والديني.
الزحف إلى الحدود ليس بالضرورة فعلاً ماديًا فحسب، بل هو موقف رمزي يحمل دلالات التمرد على الحصار، وكسر الطوق، وتحطيم الجدران السياسية والنفسية، إنّ شباب اليوم، بما يمتلكونه من أدوات تواصل، وقدرة على التأثير، يجب أن يدركوا أن التاريخ يُكتب الآن، وأن موقفهم سيُسجل إما في صحائف المجد أو في صحائف العار.
صمت الأنظمة مقابل صرخات الشعوب
إذا كانت البيانات الرسمية لبعض الحكومات العربية لا تزال تلتزم الحياد أو تكتفي بـ"القلق العميق"، فإن الشعوب تبدو على النقيض تمامًا، المظاهرات التي خرجت في بعض الدول، والاعتصامات التي نظمت، والصرخات التي تعالت في الساحات، كلها تعبر عن أن القضية لم تُدفن بعد، وأن فلسطين لا تزال تسكن في الوجدان الجمعي للأمة، رغم المحاولات المستميتة لتهميشها.
لكن هذا الوعي الشعبي يحتاج إلى تنظيم، وتأطير، وتحويل الغضب إلى خطة عمل مستمرة، لا إلى ردة فعل مؤقتة، وهنا يأتي دور الحركات الإسلامية، والنقابات، والجامعات، وكل مكونات المجتمع المدني، في بلورة هذا الغضب إلى فعل مؤثر.
بين الدعاء والفعل.. موقف الدين من نصرة المظلوم
الدين الإسلامي لم يكن يومًا دينًا سكونيًا، هو دين حركة، وكرامة، ونصرة للضعفاء، وعندما تقول الهيئة إن "الصمت اليوم عار يُسجل في صحائف سوداء"، فهي تعني أن التقاعس عن نصرة غزة هو خيانة لقيم الدين نفسه، فالمؤمن لا يمكن أن يرى المجازر ويسكت، لا يمكن أن يسمع صرخات الأمهات والثكالى ويبقى في بيته متفرجًا، هذه ليست قضية سياسية فقط، بل مسألة إيمانية عميقة، فإن كانت الصلاة والزكاة أركانًا، فإن نصرة المظلوم ركن من الأخلاق، ومن صميم العقيدة التي ترى في العدل محورًا أساسيًا للوجود.
الرهان على وعي الشعوب… لا على قرارات الحكومات
منذ عقود، والشعوب العربية والإسلامية تعلم أن أنظمتها لا تمثل إرادتها الحقيقية في معظم الأحيان، وقد أصبحت هذه الحقيقة جلية أكثر في كل مرة يتعرض فيها الفلسطينيون لعدوان، الحكومات الرسمية تحاول غالبًا احتواء الغضب، إما بالصمت أو بخطابات فضفاضة لا تتجاوز البيانات، لكن الشعوب، في المقابل، تحتفظ بوعي عميق وحساسية خاصة تجاه القضية الفلسطينية، كأنها جزء من ذاكرتها الجينية.
هذا الوعي هو ما تراهن عليه كل حركات المقاومة، وكل من يرفض تصفية القضية أو دفنها تحت ركام النسيان، الشعوب تملك القدرة على تغيير المعادلات، حتى وإن لم تملك السلطة المباشرة، صوت الجماهير، حين يعلو، يحاصر الحكومات ويمنعها من التطبيع الكامل، وحين تخرج المظاهرات، تُربك الخطابات الرسمية، وتعيد ترتيب الأولويات، لهذا فإن معركة غزة ليست فقط ضد الاحتلال، بل معركة بين يقظة الشعوب ومحاولات إخضاعها، بين من يريد دفن القضية، ومن يتمسك بها كأمل وأمانة.
القضية الفلسطينية كمعيار للنهضة أو السقوط
لطالما كانت القضية الفلسطينية مقياسًا لنبض الأمة وحيويتها، من يقف مع فلسطين، يقف مع الحق والكرامة والعدالة، ومن يتخلى عنها، إنما يعلن إفلاسه الأخلاقي، ما يميز هذه القضية أنها لا تتعلق بحدود جغرافية فقط، بل تمس ضمير كل إنسان حر، إن فلسطين اليوم لم تعد قضية محصورة بالفلسطينيين وحدهم، بل هي رمز لصراع عالمي بين الاستعمار والتحرر، بين الظلم والمقاومة، ولذلك، فإن موقف الشعوب والأفراد منها يحدد إلى حد بعيد موقعهم في هذا العالم المتقلب، فإما أن نكون في صف الأحرار، أو نغرق في مستنقع التبلد والتخاذل، نصرة غزة ليست فقط إنقاذًا لأهلها، بل هي خطوة في طريق إنقاذ أنفسنا من السقوط في دائرة اللامبالاة والضعف، الأمة التي لا تنتفض لأجل أطفال يُقتلون، لن تستطيع أن تنتصر لأي قضية مستقبلية، ولن تجد لنفسها مكانًا في التاريخ القادم.
في الختام، في هذه اللحظة الفاصلة من التاريخ، لم يعد الصمت خيارًا، ولم يعد التفرج موقفًا مقبولًا، غزة ليست فقط بقعة جغرافية، بل رمز لصراع الحق والباطل، وصدى لصوت الضمير في عالم صاخب بالصمت، نداء النفير العام الذي أطلقته هيئة علماء فلسطين، ليس مجرد بيان، بل اختبار لكل فرد في هذه الأمة: هل ستقف مع دماء الأطفال؟ أم ستختبئ خلف المبررات؟ الزمن لن يرحم المتخاذلين، والتاريخ لن يغفر للمقصرين، والله عز وجل فوق الجميع سيحاسب كل من توانى، أو اختار أن يدفن إنسانيته، فماذا نحن فاعلون؟