الوقت - أُقيمت مسيرة أربعين الإمام الحسين (عليه السلام) هذا العام بحضور ملايين الزوار من العراق ومختلف الدول، في حين لا تزال منطقة غرب آسيا تواجه سلسلة من التحديات الأمنية والتوترات السياسية والمخاوف الناجمة عن التطورات العسكرية الأخيرة.
ومع ذلك، فإنّ الحضور الواسع لزوار أهل البيت (عليهم السلام) على الطرق المؤدية إلى كربلاء المقدسة، والنجاح الذي حققته خطط العراق الأمنية والخدمية، أبرز مجدداً مكانة الأربعين كأكبر تجمع جماهيري في العالم. وأظهر هذا الحضور الواسع أن التهديدات الأمنية والضغوط السياسية لم تُثنِ محبي سيد الشهداء عن حضور هذه المراسم الجليلة.
على الرغم من الظروف الحساسة والصعبة التي يمر بها العراق في الأشهر الأخيرة نتيجةً للتطورات الأمنية الإقليمية وتصاعد التوترات العسكرية، فقد نفّذت السلطات العراقية سلسلة من الخطط الأمنية والخدمية واللوجستية لإدارة هذا الحدث الكبير منذ الأيام الأولى لتدفق الزوار. وقد أسفرت هذه الإجراءات عن إقامة مراسم هادئة ومنظمة شارك فيها ملايين الأشخاص، والتي انتهت، بحسب مسؤولين عراقيين، دون أي اضطرابات أمنية خطيرة.
وفي هذا السياق، أصدرت العتبة الحسينية بيانًا أعلنت فيه نجاح مراسم الأربعين لهذا العام، وأكدت استمرار تقديم الخدمات للزوار حتى مغادرة آخر زائر مدينة كربلاء. وأعلن مسؤولو العتبة أن جميع أقسام الخدمات والطب والدعم ستواصل عملها لضمان سلاسة عملية عودة الزوار.
كما أعربت وزارة النقل العراقية عن ارتياحها لحالة المرور خلال الأربعين هذا العام، وأعلنت عن نجاح تنفيذ خطة عودة الزوار بشكل غير مسبوق، وذلك من خلال الاستخدام المكثف لأسطول النقل العام والخاص. أعلنت الوزارة عن حشد أكثر من 60 ألف مركبة، منها 10 آلاف مركبة حكومية و50 ألف مركبة تابعة للقطاع الخاص، لتسهيل عودة الزوار. كما يُسهم أسطول السكك الحديدية في تنظيم عملية نقل الزوار من خلال تشغيل 12 قطارًا، بتسيير 20 رحلة يومية على خطوط كربلاء إلى بغداد والبصرة، مع إمكانية زيادة هذه الطاقة الاستيعابية.
وأعلنت المديرية العامة للمرور والمواصلات العراقية أن خطة زيارة الأربعين الخاصة تضمنت تنظيم حركة المرور باتجاه معلا كربلاء ومغادرة المدينة بمشاركة 16 ألف ضابط وقوات أمنية.
قوات الحشد الشعبي تساهم في تأمين مراسم الأربعين
وإلى جانب المؤسسات الدينية والخدمية، اضطلعت المؤسسات الأمنية بدور هام في تنفيذ مراسم الأربعين. أعلنت قوات الحشد الشعبي، يوم الثلاثاء، عن تفاصيل خطتها الشاملة، موضحةً مشاركة أكثر من 70 فوجًا عسكريًا وأكثر من 24 ألف عنصر على طول طرق الحج والمعابر الحدودية لضمان الأمن وتسهيل حركة الزوار.
وقال ياسر العيساوي، نائب رئيس أركان الحشد الشعبي: "شاركت وحدات الحشد الشعبي في تأمين المعابر الحدودية البرية والجوية، بما فيها الشلمجة والشعيب وزرباطية والمندلي والمنذرية وصفوان، لتوفير التسهيلات والخدمات اللازمة لملايين الزوار القادمين إلى العراق من الخارج. وشملت هذه الخطة تأمين الحدود الغربية المؤدية إلى مدينة كربلاء المقدسة باستخدام طائرات بدون طيار، بالتنسيق الوثيق مع الجيش والشرطة وقوات الأمن الداخلي، وتحت إشراف اللجنة العليا للأربعين". أعلن العيساوي نجاح خطة عودة الزوار، مؤكداً أن عملية عودتهم إلى المناطق والمعابر الحدودية تسير بسلاسة تامة ودون أي عوائق مرورية.
من جهة أخرى، قدم علي الحمداني، قائد عمليات الحشد الشعبي في منطقة الفرات الأوسط، تفاصيل إضافية حول الإجراءات المتخذة في المناطق الخاضعة لمسؤوليته، معلناً عن إنشاء ثلاثة مراكز قيادة في محافظات الديوانية والنجف وبابل للتنسيق مع الشرطة والمسؤولين المحليين لإدارة المراسم مركزياً.
ووفقاً للحمداني، بلغ إجمالي عدد القوات المشاركة في محور الفرات الأوسط 24,454 جندياً، بالإضافة إلى 1,863 مركبة مختلفة، تشمل سيارات إسعاف وشاحنات مياه ووسائل نقل عامة، لخدمة الزوار. كما أعلن عن نشر 530 فريقًا طبيًا وأمنيًا واتصالاتيًا، موضحًا أن هذه القوات مسؤولة عن توفير الأمن والخدمات في منطقة واسعة تمتد من الحدود العراقية إلى مدينة كربلاء المقدسة.
وفي مجال المعدات التقنية، استخدمت قوات الحشد الشعبي قدرات واسعة، حيث تم توظيف 3424 قطعة من المعدات التقنية، بما في ذلك كاميرات حرارية وطائرات مسيرة تكتيكية وأنظمة رادار وأجهزة تشويش، لحماية المراكز الحساسة والطرق الرئيسية للزوار.
وإلى جانب البُعد الأمني، شكلت الأنشطة الثقافية والخدمية جزءًا هامًا من برنامج الأربعين لهذا العام. وأعلن قائد عمليات الفرات الأوسط عن إيفاد 206 دعاة دينيين، وافتتاح 12 مركزًا للإرشاد و11 مدرسة قرآنية، كما أعلن عن إقامة 3395 مراسم إحياء ذكرى الحسين (ع) في مختلف المناطق.
أعرب رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، الذي سافر إلى كربلاء لمتابعة مراسم الأربعين، عن تقديره لقوات الأمن المسؤولة عن تأمين الزوار في كربلاء. وأكد الزيدي أن أداء قوات الأمن وأفرادها، الذي يتسم بالكفاءة والانضباط والإخلاص، يُجسد أسمى معاني المسؤولية والتفاني في خدمة الوطن والمواطنين.
يُظهر النطاق الواسع لهذه الإجراءات أن الحكومة العراقية ومختلف مؤسسات البلاد سعت إلى الاستفادة من تجارب السنوات السابقة لإدارة أكبر تجمع بشري في العالم على نحو أفضل. وكان التنسيق بين الجيش العراقي والشرطة وقوات الحشد الشعبي والمقدسات وآلاف المواكب الشعبية أحد أهم عوامل نجاح مراسم الأربعين هذا العام.
إحصائيات زوار الأربعين
كما أعلنت السلطات العراقية أرقامًا مهمة في مجال إحصائيات الزوار. فقد أعلن نصيف الخطابي، محافظ كربلاء، عن حضور أكثر من 22 مليون حاج في مراسم الأربعين، وقال إن نحو خمسة ملايين منهم من الزوار الأجانب. وأشاد الخطابي بدور الحكومة العراقية في إدارة هذا الحدث، قائلاً: "شارك 2400 موكب أجنبي في مراسم هذا العام، وشارك 16000 موكب حسيني في تقديم خدمات متنوعة للزوار في جميع أنحاء المحافظة".
في المنطقة الحدودية، أعلن عمر الوائلي، رئيس هيئة المعابر الحدودية العراقية، أن معبر زرباطية لا يزال أهم طريق لدخول وخروج الزوار الأجانب من العراق، وأن نحو 60% من إجمالي الزوار الذين دخلوا أو غادروا البلاد مروا عبره.
ورغم عدم نشر الإحصاءات الرسمية بشأن الزوار القادمين جواً في أربعينية 2026، إلا أن تجارب السنوات السابقة تشير إلى أن غالبية الزوار يدخلون العراق براً. ففي العام الماضي، دخل نحو 186 ألف حاج العراق عبر مطار النجف، وعادةً ما يستخدم أكثر من 90% من الزوار الأجانب الطرق البرية.
ووفقاً لتقارير إعلامية عراقية، شكّل الزوار الإيرانيون مجدداً أكبر مجموعة من الزوار الأجانب المشاركين في أربعينية هذا العام، حيث أفاد مسؤولون إيرانيون بأن أكثر من 3.2 مليون شخص سافروا إلى العراق هذا العام. وبعد إيران، كانت باكستان والهند وأفغانستان ولبنان والبحرين من بين أكبر المجموعات المشاركة.
رغم عدم صدور إحصاءات رسمية حول عدد الدول المشاركة في أربعينية 2026، تشير تقارير إعلامية عراقية إلى أن تركيبة الجنسيات المشاركة كانت مماثلة للعام الماضي. ففي أربعينية 2025، حضر زوار من 140 دولة، ومن المتوقع أن تكون أعداد هذا العام مماثلة.
الوحدة والتضامن في مراسم الأربعين
أصبحت مسيرة الأربعين هذا العام، مرة أخرى، منصةً لإظهار التضامن والوحدة والتلاحم بين حركات المقاومة في المنطقة.
وقدّم حضور ملايين الزوار من مختلف الدول، حاملين أعلامًا ورموزًا مشتركة، صورةً للوحدة بين الأمم الإسلامية، ولا سيما الشيعة، في جميع أنحاء العالم، وهي رسالة وصفها المشاركون بأنها مقاومة لضغوط وسياسات الهيمنة التي تمارسها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
على الطرق المؤدية إلى كربلاء، ردد العديد من الزوار شعارات مناهضة للاستكبار، ورفعوا أعلامًا تحمل رموز المقاومة، مؤكدين أن التهديدات والضغوط السياسية والأمنية لن تُضعف روابط العقيدة والوحدة بين الشيعة. ويرى العديد من المراقبين أن هذا الحضور الواسع يُشير إلى الطابع العابر للحدود لأربعينية الإمام الحسين، وتحولها إلى منصة لإظهار تضامن الأمم التي ترى نفسها على جبهة ثقافية وفكرية مشتركة.
وقد أُقيمت مراسم أربعينية هذا العام في ظل ظروفٍ اتسمت بتأثيرٍ كبير، حيث أضفت جرائم الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد إيران ودول المقاومة في الأشهر الأخيرة، جوًا مختلفًا على هذا التجمع الحاشد. ولذلك، كان الانتشار القوي للأعلام والشعارات المناهضة للاستكبار على الطرق المؤدية إلى كربلاء انعكاسًا للاحتجاج على سياسات أعداء الإسلام، ودعمًا للأمم التي تُعاني من الضغوط.
وأثبتت أربعين هذا العام مجددًا أن الرابطة العميقة بين الأمم وأهل البيت (عليهم السلام) ومبادئ عاشوراء تسمو فوق كل محاولات إثارة الخلافات والانقسامات بين المسلمين. وأثبت هذا الحشد الهائل أن رسالة ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) لا تزال تُلهِم ملايين البشر حول العالم، وقادرة على توحيد الأمم حول محور العدل والحرية ومواجهة الظلم، بغض النظر عن الاختلافات العرقية والجغرافية.
زيارة الاربعين ضد الظلم
في هذا السياق، امتلأت الفضاءات الإلكترونية بمقاطع فيديو وصور تُظهر استياء زوار الأربعين من الغطرسة العالمية. قال أحد الزوار على طريق النجف-كربلاء: "هذا العام، الأربعين ليست مجرد زيارة، بل جاء الناس ليقولوا إن درب المقاومة مستمر، وأن دماء الشهداء لن تُنسى. رسالة كربلاء هي أنه لا ينبغي السكوت أمام الظلم".
اعتبر العديد من المشاركين هذا الربط بين ملحمة عاشوراء والأحداث المعاصرة دليلاً على استمرار ثقافة المقاومة والنضال ضد الظلم. كما أن إحياء ذكرى جنازة القائد الشهيد في مدينتي النجف وكربلاء، والتي حضرها الملايين، وتشابهها مع حشود الأربعين الضخمة، أظهر مرة أخرى أن الروابط الدينية والعاطفية بين أتباع أهل البيت (عليهم السلام) لا تقتصر على حدود جغرافية، وأن للزعماء الدينيين ورموز المقاومة مكانة خاصة لدى المجتمعات الشيعية في جميع أنحاء العالم. بشكل عام، يُمكن اعتبار مسيرة الأربعين هذا العام من أنجح المسيرات في السنوات الأخيرة، إذ لم تقتصر على إقامتها دون أي اضطرابات تُذكر رغم الظروف الأمنية الحساسة في المنطقة، بل حققت أيضاً أرقاماً قياسية في حضور الزوار، وتوفير الخدمات، والتنسيق الأمني. وقد أظهرت تجربة هذا العام مجدداً قدرة العراق التدريجية على تطوير القدرات اللازمة لإدارة أكبر تجمع ديني في العالم، ولا تزال الأربعين تحتفظ بمكانتها الخاصة لدى الشيعة في جميع أنحاء العالم كرمز للتضامن والإيمان والمشاركة الشعبية.
