الوقت- في مشهد يختصر مأساة الطواقم الطبية في قطاع غزة، أطلق الدكتور حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان شمال القطاع، نداء استغاثة جديداً من داخل معتقله الإسرائيلي، طالب فيه بالإفراج الفوري عنه، مؤكداً أن حياته باتت في خطر حقيقي جراء ما يتعرض له من انتهاكات ممنهجة. هذا النداء، الذي نقلته وكالة "تسنيم" ووسائل إعلام أخرى، ليس مجرد صرخة فردية عابرة، بل هو تتويج لسلسلة طويلة من الشهادات والتحذيرات التي أطلقها محامو الطبيب ومنظمات حقوقية دولية على مدى الأشهر الماضية، وكلها تشير إلى واقع واحد: أن طبيباً كرّس حياته لإنقاذ الأرواح في أشد لحظات الحرب قسوة، يُترك اليوم يواجه الموت البطيء خلف القضبان، دون تهمة واضحة أو محاكمة عادلة.
من مشرط الجراح إلى زنازين الاحتلال
لفهم أبعاد هذه القضية، لا بد من العودة إلى جذورها. فقد اعتُقل أبو صفية في 27 ديسمبر/كانون الأول 2024، خلال اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي مستشفى كمال عدوان، في وقت كانت فيه المنشأة الطبية لا تزال تقدّم خدماتها للجرحى والمرضى وسط ظروف حرب استثنائية. ولم يكن هذا الاعتقال حدثاً معزولاً في مسيرة الطبيب المنكوبة، إذ سبقه اعتقال آخر في أواخر أكتوبر من العام نفسه، تلاه فقدانه لابنه إبراهيم الذي استشهد جراء قصف إسرائيلي، ثم إصابته هو شخصياً في 23 نوفمبر 2024 بست شظايا نتيجة استهداف طائرة مسيّرة إسرائيلية له أثناء تأديته عمله داخل المستشفى، ما أدى إلى تمزق في الأوردة والشرايين. هذه المحطات المتتالية من الفقد والإصابة والاعتقال ترسم صورة رجل دُفع إلى أقصى حدود المعاناة الإنسانية، قبل أن يُزج به في سجون الاحتلال دون أي سند قانوني واضح، إذ صنّفته السلطات الإسرائيلية في فبراير 2025 على أنه "مقاتل غير شرعي"، وهو تصنيف يتيح احتجازه لفترات مفتوحة من دون توجيه لائحة اتهام أو تقديمه لمحاكمة حقيقية.
تدهور صحي وشهادات مقلقة
أما عن ظروف احتجازه الراهنة، فإن الصورة التي رسمها محاموه ومنظمات حقوقية مثل "أطباء لحقوق الإنسان" تنذر بخطر داهم. فقد تحدث محاميه ناصر عودة، بعد زيارات متكررة له داخل قسم "ركيفت" الواقع تحت الأرض في سجن الرملة، عن تدهور حاد وغير مسبوق في حالته الجسدية والنفسية، شمل تعرضه للضرب المتكرر، وصعوبة في التنفس، وفقداناً متكرراً للوعي، إضافة إلى إصابات في عينه اليمنى لم يتلقَّ العلاج المناسب لها، وانقطاعاً في تزويده بالمسكنات الضرورية. وقد وصف نجله إلياس، في تصريحات لمجلة إسرائيلية، مشاعر عائلته وهي ترى آخر صورة لوالدها خلال محاكمته، قائلاً إنهم لم يروا فيها وجهه فحسب، بل آثاراً واضحة لما يبدو أنه تعذيب. هذه الشهادات المتطابقة من مصادر متعددة، تحمل وزناً أخلاقياً وقانونياً يصعب تجاهله، وتضع السلطات الإسرائيلية أمام مسؤولية مباشرة عن حياة معتقل تحت رعايتها.
احتجاز بلا تهمة ولا محاكمة
الجانب الأخطر في هذه القضية هو غياب أي إطار قانوني منصف يحكم احتجاز أبو صفية. فبعد أكثر من عام ونصف من الاعتقال، لا يزال الطبيب رهن الاحتجاز الإداري دون توجيه اتهام رسمي له، في مخالفة صريحة لأبسط معايير المحاكمة العادلة المكفولة بموجب القانون الدولي الإنساني. وقد تقدمت منظمة "أطباء لحقوق الإنسان" بالتماس إلى المحكمة العليا الإسرائيلية للمطالبة بالإفراج عن أبو صفية وثلاثة عشر طبيباً فلسطينياً آخرين محتجزين في ظروف مماثلة، وهو ما يكشف أن قضيته ليست حالة فردية معزولة، بل جزء من نمط أوسع يطال الكوادر الطبية في غزة، ويثير تساؤلات جدية حول مدى احترام الاحتلال لحصانة العاملين في المجال الإنساني أثناء النزاعات المسلحة.
تضامن عالمي دون فعل كافٍ
على الصعيد الدولي، بدأت أصداء قضية أبو صفية تتجاوز الإطار المحلي لتتحول إلى قضية رأي عام عالمي. فقد طالب مسؤولون أمميون بالإفراج عنه بعد تحذيرات من تدهور صحته وصعوبة تنفسه، كما نظّمت تظاهرات تضامنية في عواصم أوروبية شارك فيها أطباء ونواب برلمانيون رفعوا شعار "أطلقوا سراح الدكتور أبو صفية". وقد ذهب الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو إلى حد وصف "ذنبه" الوحيد بأنه عالج أطفالاً داخل المستشفى، متعهداً بتكريمه حتى وهو خلف القضبان. هذا التفاعل الدولي المتصاعد، وإن كان مؤشراً إيجابياً على وجود ضمير إنساني حي، إلا أنه لا يزال دون المستوى المطلوب لإحداث ضغط فعلي يفضي إلى الإفراج، إذ ما زالت الاستجابة تقتصر على بيانات الإدانة والتضامن الرمزي، دون آليات ضغط سياسية أو قانونية ملزمة قادرة على انتزاع قرار الإفراج من السلطات الإسرائيلية. فبين بيان أممي يحذر من تدهور الحالة الصحية، وتظاهرة أوروبية ترفع الشعارات، وتصريح رئاسي يعبّر عن التضامن، تبقى الفجوة واسعة بين حجم التعاطف المعلن وحجم الأثر الفعلي على أرض الواقع، ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول جدوى آليات الضغط الحالية إن لم تُترجم إلى خطوات عملية ملموسة، مثل ربط المساعدات أو العلاقات الدبلوماسية بملف الأطباء المحتجزين، أو تفعيل آليات المساءلة الدولية القائمة فعلياً.
اختبار للضمير الدولي.. والوقت ينفد
إن ما يتعرض له الدكتور حسام أبو صفية يمثل اختباراً حقيقياً لمصداقية المنظومة الدولية في حماية الكوادر الطبية بمناطق النزاع. فحين يتحول طبيب أنقذ آلاف الأرواح إلى معتقل مهدد بالموت داخل زنزانة، دون تهمة أو محاكمة، فإن الصمت الدولي لم يعد مقبولاً أخلاقياً أو قانونياً. وتستدعي هذه اللحظة تحركاً عاجلاً من المنظمات الأممية واللجنة الدولية للصليب الأحمر لإجراء زيارات وفحوصات طبية مستقلة، إلى جانب تفعيل أدوات الضغط الدبلوماسي والقانوني للإفراج عنه وعن زملائه الأطباء المحتجزين. فحماية العاملين في المجال الطبي ليست ترفاً إنسانياً، بل التزام قانوني وأخلاقي يقع على عاتق المجتمع الدولي. وتختصر قضية أبو صفية مأزق العالم أمام حروب اليوم؛ إذ تتكرر بيانات الإدانة بينما تغيب الإجراءات المؤثرة. وإذا كانت الأيام المقبلة حاسمة في تحديد مصيره، فإن الاكتفاء بالتصريحات دون خطوات عملية سيجعل كل نداء استغاثة مجرد صرخة جديدة، فيما يبقى القرار الحقيقي مرهوناً بإرادة سياسية ودبلوماسية قادرة على إحداث تغيير.
