الوقت - دخلت مصر، التي تُعد من أقوى الجيوش في أفريقيا والعالم العربي، مرحلة جديدة من تحديث بنيتها العسكرية مع افتتاح مجمع القيادة الاستراتيجية "الأوكتاجون". ويرمز هذا المشروع، من وجهة نظر المسؤولين المصريين، إلى "جيش المستقبل"، بينما يرى العديد من المحللين الإقليميين والدوليين أن تداعياته تتجاوز المجال العسكري لتشمل أبعادًا جيوسياسية واسعة.
وسيُقام المجمع في العاصمة الإدارية الجديدة لمصر، وسيكون بمثابة المقر الجديد لوزارة الدفاع والقيادة الاستراتيجية للقوات المسلحة. وصفت وسائل الإعلام المصرية الرسمية، بما فيها الهيئة العامة للاستعلامات وصحيفة الأهرام، المجمع بأنه أحد أكبر مراكز القيادة العسكرية في العالم، والذي من المقرر أن يجمع جميع فروع القوات المسلحة وأنظمة القيادة وإدارة الأزمات والعمليات المشتركة في شبكة واحدة.
افتتاح يحمل رسالة سياسية
حضر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي شخصيًا حفل الافتتاح، وهو ظهور لفت انتباه وسائل الإعلام العربية والدولية نظرًا لظهوره بالزي العسكري. وذكرت وسائل الإعلام المصرية أن هذه هي المرة الأولى منذ نحو ثماني سنوات التي يظهر فيها السيسي بالزي العسكري في مناسبة عامة، وهي خطوة اعتبرها العديد من المحللين بمثابة رسالة حول الأهمية الاستراتيجية للمشروع بالنسبة للجيش المصري.
ويعتقد مؤيدو الحكومة المصرية أن افتتاح مجمع الأوكتاجون جزء من برنامج "الجمهورية الجديدة" الذي يتبناه السيسي، وخطوة هامة نحو تحديث هيكل القيادة العسكرية، وتسريع عملية صنع القرار، وتحسين الجاهزية العملياتية للقوات المسلحة.
في المقابل، يرى بعض الاقتصاديين والمحللين المعارضين للحكومة، بمن فيهم خبراء استطلعت آراؤهم الجزيرة وميدل إيست آي، أن تنفيذ مشروع ضخم كهذا في وقت تواجه فيه مصر أزمة ديون خارجية، وتضخماً مرتفعاً، وانخفاضاً في قيمة العملة الوطنية، وضغوطاً اقتصادية، يثير تساؤلات حول أولويات الميزانية الحكومية. ويرون أنه على الرغم من أهمية تحسين القدرات الدفاعية لمصر، إلا أن التكاليف الباهظة لمثل هذه المشاريع قد تزيد من الضغط على اقتصاد البلاد.
المبنى الثماني: القلب الجديد لقيادة الجيش المصري
يمتد المبنى الثماني على مساحة تقارب 92 كيلومتراً مربعاً، ويتألف من 13 منطقة عملياتية وإدارية وخدمية. ووفقاً لمعلومات صادرة عن الحكومة المصرية، فإن المباني الثمانية الرئيسية للمجمع مصممة على شكل ثماني الأضلاع، ومن هنا جاءت تسميته "المبنى الثماني".
إلى جانب وزارة الدفاع، يضم المركز غرف عمليات مشتركة، ومراكز قيادة، وأنظمة اتصالات، ومراكز استخبارات، وإدارات دعم، ووحدات لوجستية، وإدارة أزمات، وبنية تحتية متطورة للاتصالات. أعلن مسؤولون مصريون أن الهدف من هذا التصميم هو إنشاء نظام قيادة وسيطرة متكامل لجميع القوات البرية والجوية والبحرية وقوات الدفاع الجوي.
لماذا شيدت مصر مجمع الأوكتاجون؟
يُظهر استعراض تقارير الأهرام والجزيرة، وتحليلات منشورة في مراكز أبحاث عربية، أن القاهرة تسعى لتحقيق أربعة أهداف رئيسية من بناء هذا المجمع.
الهدف الأول هو توحيد قيادة القوات المسلحة. ووفقًا لخبراء عسكريين، فإن تركيز جميع مراكز القيادة في مجمع واحد سيتيح تبادل المعلومات بين القوات بسرعة أكبر، وسيمكن القادة من اتخاذ قرارات أكثر تنسيقًا وسرعة في المواقف الحرجة.
الهدف الثاني هو الاستعداد لمواجهة التهديدات الأمنية الجديدة. وقد أعلنت الحكومة المصرية أن الأوكتاجون ليس مجرد مقر عسكري، بل هو أيضًا مركز وطني لإدارة الأزمات. صُمم المجمع لمواجهة الهجمات الإلكترونية، والحرب الهجينة، والتهديدات الإرهابية، وحروب الجيلين الرابع والخامس، وإدارة الطوارئ.
يبدو أن الهدف الثالث هو تحديث هيكل قيادة الجيش، وفي هذا الصدد، يعتقد خبراء من معاهد البحوث المصرية أن هذا المشروع جزء من برنامج شامل لتطوير تكنولوجيا القوات المسلحة. وقد زُوّد مركز الأوكتاجون بأنظمة القيادة والسيطرة والاستخبارات (C4I)، وشبكات اتصالات آمنة، وشبكات معلومات، وأنظمة ذكاء اصطناعي، وأنظمة تحليل بيانات متقدمة لزيادة سرعة استجابة الجيش وتنسيق عملياته.
كما أشارت وسائل الإعلام المصرية إلى تعزيز قدرة مصر على الردع وإظهار قوتها الإقليمية كهدف رابع. ويرى العديد من المحللين العرب أن افتتاح هذا المركز، بالإضافة إلى وظيفته العملياتية، يحمل رسالة سياسية إلى القوى الإقليمية مفادها أن مصر لا تزال عازمة على الحفاظ على مكانتها كإحدى القوى العسكرية الرئيسية في العالم العربي وشمال أفريقيا.
الأهداف الجيوسياسية للأوكتاجون
بوجود نحو 450 ألف جندي في الخدمة الفعلية، ومئات الآلاف من جنود الاحتياط، وامتلاكها أحد أكثر الترسانات العسكرية تنوعًا في المنطقة، تبقى مصر إحدى أهم القوى العسكرية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. بحسب تصنيف القوة النارية العالمية لعام 2026، تحتل القاهرة المرتبة التاسعة عشرة بين أقوى الجيوش في العالم.
مع ذلك، يرى العديد من مراكز الأبحاث العربية أن بناء الأوكتاغون لا يقتصر على إدارة العمليات العسكرية فحسب، بل هو جزء من استراتيجية القاهرة الجيوسياسية الجديدة.
ذكرت صحيفة الأهرام، نقلاً عن خبراء أمنيين مصريين، أن المشروع يهدف إلى ترسيخ مكانة مصر كمركز أمني للعالم العربي. ووصف العميد المتقاعد عادل العمدة، المستشار العسكري في الأكاديمية المصرية للدراسات الاستراتيجية، افتتاح المركز بأنه "رسالة واضحة للقوة والردع"، معتقداً أن القاهرة تسعى لإظهار أنها لا تزال اللاعب الرئيسي في المعادلات الأمنية للشرق الأوسط وشرق المتوسط.
ويرى محللون في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن تصاعد الأزمات الهامشية، من الحرب الأهلية في السودان إلى عدم الاستقرار في ليبيا، والتطورات في البحر الأحمر، والتنافس على موارد الطاقة في شرق المتوسط، وتهديدات الجماعات الإرهابية في سيناء، قد دفع مصر نحو إنشاء هيكل قيادة مركزي وسريع.
وفي هذا السياق، يؤكد مركز الجزيرة للدراسات، في تحليل له، على ضرورة تقييم مشروع الأوكتاجون في إطار استراتيجية مصر الجديدة لتعزيز قدرتها على إدارة الأزمات متعددة الجبهات. بحسب المركز، واجهت القاهرة في السنوات الأخيرة سلسلة من التهديدات المتزامنة على حدودها الغربية والجنوبية والشرقية والبحرية، ولذا سعت إلى إنشاء مركز قيادة متكامل لإدارة هذه الأزمات في آن واحد.
ويعتقد العديد من المحللين الإقليميين أن أحد دوافع مصر غير المباشرة لإنشاء "مركز القيادة المشتركة" هو تعزيز موقعها الاستراتيجي في منافسة مع تركيا. ففي السنوات الأخيرة، أدت الخلافات بين البلدين حول قضايا ليبيا وشرق المتوسط واستكشاف الغاز والنفوذ في شمال أفريقيا إلى تصعيد التنافس الجيوسياسي بين القاهرة وأنقرة. ومن هذا المنطلق، يُعتبر مركز القيادة المشتركة، بما يوفره من تعزيز القدرة على قيادة وإدارة العمليات المشتركة، جزءًا من جهود مصر لزيادة الردع وترسيخ دورها كإحدى القوى الأمنية الرئيسية في شرق المتوسط والعالم العربي.
في المقابل، يتخذ بعض المحللين الغربيين موقفًا أكثر حذرًا. يرى معهد كارنيغي للشرق الأوسط أنه على الرغم من أن تحديث هيكل قيادة الجيش المصري قد يُعزز قدرات مصر العملياتية، إلا أن هذا المشروع، إلى جانب التوسع العمراني الكبير للعاصمة الإدارية الجديدة، يُعد جزءًا من سياسة مركزية السلطة في يد حكومة السيسي. ووفقًا للمعهد، فإن نقل المؤسسات السياسية والأمنية والعسكرية إلى منطقة جديدة يُحقق أهداف الحوكمة والأمن الداخلي، فضلًا عن الاعتبارات الدفاعية.
ويرى خبراء من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) أيضًا أن مشروع "الأوكتاغون" يُمثل تحولًا في نهج الجيش المصري، من قوة تعتمد كليًا على المعدات الثقيلة إلى قيادة شبكية وعمليات مشتركة؛ وهو تحولٌ تبنته العديد من الجيوش الحديثة حول العالم، ويرتكز على استخدام التقنيات الحديثة، والاتصالات الآمنة، واتخاذ القرارات في الوقت الفعلي.
