الوقت - عاد البحر الأحمر ليصبح أحد أكثر بؤر التوتر في العالم هذه الأيام. ففي 20 يوليو/تموز 2026، أعلنت أنصار الله اليمنية رسمياً حصاراً بحرياً كاملاً على السعودية بعد هجوم القوات السعودية على مطار صنعاء، وهي خطوة أعادت تنشيط جبهة كانت شبه صامتة منذ اتفاق وقف إطلاق النار عام 2022.
وبعد يومين فقط، استُهدفت ناقلتا النفط السعوديتان، إنسيليا وليلى، بصواريخ وطائرات مسيرة في المياه نفسها؛ وهي هجمات أجبرت شركات الشحن الدولية على إصدار تحذيرات أمنية جديدة للمرور عبر باب المندب. ما يميز حصار أنصار الله هذه المرة هو أن السعودية لم تعد طرفاً ثانوياً، بل هدفاً مباشراً معلناً.
في هذا السياق، توقعت الرياض وواشنطن أن تستخدم الصين، بصفتها أكبر مشترٍ للنفط الإيراني والوسيط في اتفاق 2023 بين الرياض وطهران، ثقلها الاقتصادي لإجبار إيران على كبح جماح أنصار الله. لكن هذا لم يحدث، وربما الأهم من ذلك، أنه لم يكن من المفترض أن يحدث أصلًا.
والحقيقة أن بكين لم تتخذ أي خطوة عملية في هذا الاتجاه. ففي 7 أبريل/نيسان، أي قبل يوم واحد فقط من إعلان وقف إطلاق النار، استخدمت الصين حق النقض (الفيتو) ضد قرار في مجلس الأمن الدولي كان قد صيغ بدعم من دول الخليج لإجبار إيران على فتح مضيق هرمز. وهذا السلوك ليس جديدًا. ففي أزمة البحر الأحمر الأولى، عندما طلبت واشنطن من بكين الضغط على إيران لكبح جماح أنصار الله، اكتفى المسؤولون الصينيون بتوجيه تحذيرات خفيفة بشأن احتمال الإضرار بالعلاقات التجارية، دون أي تهديدات عملية ملموسة وحاسمة، حسبما أفادت رويترز في يناير/كانون الثاني 2024. ووصفت مجلة نيوزويك هذا النهج بالسطحي آنذاك، موضحةً أن بكين، بطبيعة الحال، لا ترى أي مصلحة في إضعاف النفوذ الإقليمي لإيران.
يكمن جوهر الأمر في أن الصين لم تقبل منذ البداية بدور الشرطي الإقليمي لأي طرف، وعلى عكس الولايات المتحدة، لا تتبنى مثل هذه السياسة، وهو وهمٌ حرصت كل من الرياض وواشنطن على تصديقه.
وبالطبع، يكمن وراء هذا التحفظ منطقٌ محسوبٌ بدقة، ألا وهو أن مبدأ عدم التدخل بالنسبة للصين ليس مجرد شعار دبلوماسي. فبامتناعها عن الضغط على شركائها، تتوقع بكين في الواقع من الآخرين عدم التدخل في شؤونها الداخلية، من تايوان إلى شينجيانغ؛ وهو اتفاقٌ غير رسمي يكاد يكون وراء كل تصريح حذر تصدره الصين. وهذا نموذجٌ يمكن من خلاله تفسير عدم تدخل الصين في قضية فنزويلا.
يمكن القول إن الصين لا ترغب في أن تتصرف كالاتحاد السوفيتي وتجد نفسها في مستنقع الأزمات السياسية والأمنية. ومع ذلك، تشير جميع الأخبار إلى أن الصين تقدم مساعدات أمنية واستخباراتية لإيران لمواجهة الولايات المتحدة وخلق نوع من التوازن في الحرب الإعلامية.
إن نتيجة استراتيجية التقاعس هذه أكثر وضوحًا في حالة السعودية منها في إيران، وهو ما يتجلى جليًا في إحصاءات وأرقام سوق النفط. ففي تقريرها الشهري الصادر في مايو، أفادت وكالة الطاقة الدولية بانخفاض صادرات النفط السعودي من 7.3 مليون برميل يوميًا في فبراير إلى حوالي 3.9 مليون برميل في مايو، مسجلةً بذلك أدنى مستوى تاريخي لها. كما انخفضت واردات الصين المتوقعة من النفط السعودي في يونيو إلى 600 ألف برميل يوميًا فقط، أي نصف مستواها في أبريل، في حين قفز فارق السعر بين النفط العربي الخفيف ومنافسيه من حوالي دولارين في مارس إلى ما بين 16 و20 دولارًا للبرميل، مما جعل النفط السعودي أغلى بكثير من منافسيه بالنسبة للمصافي الآسيوية.
وكانت النتيجة الطبيعية لهذا الوضع تحولًا جذريًا في مزيج واردات الصين من النفط. فبحسب بيانات "إنرجي إنتليجنس"، بلغت حصة روسيا من واردات الصين من النفط حوالي 29% في أواخر يونيو، بينما لم تتجاوز حصة السعودية 5%. مقارنةً بعام 2025 بأكمله، حين أظهرت بيانات الجمارك الصينية أن حصة روسيا بلغت 17.4% وحصة السعودية 14%، فقد سرّعت الحرب الأخيرة بشكل كبير من وتيرة اتجاه كان قائماً بالفعل.
وبالطبع، لا ينبغي افتراض أن هذا التراجع دائم، إذ يعود جزئياً إلى اضطرابات مؤقتة في طرق التصدير وأسعار السعودية، لكن من غير المرجح أن تُصلح الأضرار التي لحقت بصورة السعودية كمورد موثوق في أي وقت قريب. فعندما تنخفض صادراتها النفطية إلى النصف في غضون أسابيع بسبب حصار أو حرب، لم يعد بإمكان السعودية أن تدّعي بثقة أنها أكبر مورد للطاقة في آسيا.
وتثير هذه التطورات أيضاً تساؤلاً أوسع: هل لا يزال النفط هو العامل الحاسم في سياسة الصين تجاه الشرق الأوسط؟ يكمن جواب هذا السؤال في التخزين الاستراتيجي غير المسبوق الذي قامت به الصين عام ٢٠٢٥.
ووفقًا لتقرير صادر عن مركز دراسات سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا في أبريل ٢٠٢٦، فقد مكّنت الاحتياطيات الاستراتيجية بكين من استيعاب الاضطرابات قصيرة الأجل دون قلق، والنظر إلى الأزمة من منظور التنافس مع واشنطن أكثر من كونها مجرد قلق على إمدادات الطاقة. هذه القدرة تسمح للصين بتبني استراتيجية الترقب والانتظار، على عكس الولايات المتحدة. وهذا يُلغي أي احتمال لأن تكون الصين بديلًا عن المظلة الأمنية والعسكرية الأمريكية لدول الخليج العربي. وبالتالي، أظهرت الحرب الحالية أن الصين، وراء كل حساباتها السياسية الضيقة، تسعى أيضًا إلى معالجة قضايا ضمن خطة أوسع للمواجهة والتنافس مع الولايات المتحدة.
