الوقت - زعم وزير الخارجية البريطاني الجديد، في مباحثة مع نظيره الإيراني، أن لندن تنأى بنفسها عن أن تكون طرفاً في الحرب الدائرة مع إيران. بيد أن الوثائق الرسمية الصادرة عن الحكومة والبرلمان في بريطانيا تميط اللثام عن حقيقة مغايرة؛ إذ تؤكد أن لندن، وعقب انطلاق الهجمات الأمريكية والصهيونية، قد ألقت بثقلها لمؤازرة الجبهة المناهضة لإيران على شتى الأصعدة: اللوجستية (توفير القواعد)، والدفاعية، والاستخباراتية، والتسليحية، فضلاً عن الدعم السياسي.
وفي أول اتصال هاتفي يجمعه بوزير خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية، السيد عباس عراقجي، ادعى “إد ميليباند”، وزير الخارجية البريطاني الجديد، أن لندن “ليست ضالعةً في الحرب على إيران”، مؤكداً تشبث بلاده بالدبلوماسية كسبيل أمثل لتسوية الخلافات.
وتفيد التقارير بأن ميليباند شدّد كذلك على مواصلة قنوات التواصل الدبلوماسي مع طهران بغية نزع فتيل التوترات الإقليمية والارتقاء بالعلاقات الثنائية. وفي المقابل، ندّد عراقجي بالسياسات البريطانية الأخيرة تجاه إيران، ولا سيما إدراج لندن للحرس الثوري الإيراني ضمن قائمة الكيانات الخاضعة للوائح “تهديدات الدول” الجديدة، فضلاً عن تواطؤها السافر في جولتي الحرب اللتين شنهما المحور الأمريكي-الصهيوني على إيران.
و"إد ميليباند"، الذي يلوّح بمزاعم عدم انخراط بلاده في الحرب، هو سياسي مخضرم تسنّم منصبه هذا في العشرين من يوليو/تموز 2026، وقد سبق له أن تزعّم حزب العمال وشغل منصب وزير شؤون الطاقة والتغير المناخي. كما تجدر الإشارة إلى أن شقيقه، “ديفيد ميليباند”، قد تقلّد حقيبة الخارجية إبان حكومة جوردون براون. ولا يزال “إد ميليباند” يشغل مقعده ممثلاً عن دائرة “دونكاستر نورث” في مجلس العموم.
غير أن مزاعم رئيس الدبلوماسية البريطانية القائلة بأن لندن “ليست جزءاً من الحرب”، تبدو واهيةً وتفتقر إلى المصداقية. إذ تدحض الوثائق الرسمية هذا الادعاء، مبيّنةً أنه وإن لم تشارك بريطانيا بشكل مباشر في الطلائع الأولى للهجمات الأمريكية والصهيونية في 28 فبراير/شباط 2026، إلا أنها، وما إن دارت رحى الحرب، شرعت أبواب قواعدها أمام القوات الأمريكية، وانخرطت في عمليات الدفاع الجوي والاعتراض، وزوّدت حلفاءها الإقليميين بإنذارات استخباراتية مبكرة، فضلاً عن مضيها قُدماً في تعاونها السياسي والقانوني والعسكري مع واشنطن وحلفائها. وفي واقع الأمر، واستناداً إلى التقارير الواردة، فقد تحولت لندن، غداة اندلاع الصراع ضد إيران، إلى أحد أهمّ الركائز الداعمة للبنية التحتية والعملياتية والسياسية للجبهة الأمريكية-الصهيونية.
من الإحجام عن الهجوم الأول إلى وضع القواعد تحت التصرف
ففي الثاني من مارس/آذار 2026، صرح “كير ستارمر”، رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، تحت قبة مجلس العموم، بأن لندن نأت بنفسها عن المشاركة في الموجة الأولى من الهجمات الأمريكية والصهيونية على إيران، مؤكداً أن ذلك كان قراراً واعياً ومدروساً. كما أوضح أن الحكومة البريطانية لم تُبدِ موافقتها على الانخراط المباشر في “العمليات الهجومية الأمريكية”.
غير أن هذا الموقف الرسمي سرعان ما اقترن باستثناء بالغ الخطورة؛ فقد أعلن ستارمر أن الإدارة الأمريكية تقدمت بطلب للحصول على الضوء الأخضر لاستخدام القواعد البريطانية بغية توجيه ضربات تستهدف المنشآت ومواقع نشر الصواريخ الإيرانية، وهو الطلب الذي قوبل بموافقة لندن. وقد أسبغت الحكومة البريطانية على هذه العمليات طابعاً “محدوداً” و"دفاعياً"، متذرعةً بأن الغاية منها تكمن في درء الهجمات الصاروخية الإيرانية التي قد تطال الحلفاء الإقليميين والقوات البريطانية.
وفي وثيقة الموقف القانوني المنشورة من قِبل الحكومة البريطانية، جرى النص صراحةً على أن لندن، من خلال تلبيتها للطلب الأمريكي، قد يسّرت تنفيذ “إجراء دفاعي محدّد ومحدود ضد المنشآت الصاروخية في إيران”. وتشي هذه الوثيقة بوضوح بأن الدور البريطاني لم يقتصر على مجرد التصريح بالدعم السياسي، بل تعداه إلى وضع إمكانات خاضعة للسيادة البريطانية تحت تصرف الولايات المتحدة لتنفيذ عمليات عسكرية في العمق الإيراني.
وفي السابع عشر من مارس/آذار، أعلنت “إيفيت كوبر”، وزيرة الخارجية البريطانية آنذاك، أمام مجلس العموم، أن الولايات المتحدة قد نالت التصريح باستخدام قاعدة “فيرفورد” الجوية الواقعة على الأراضي البريطانية، فضلاً عن القاعدة البريطانية-الأمريكية المشتركة في “دييغو غارسيا”، لشن هجمات تستهدف القدرات الصاروخية الإيرانية. كما أقرت بأن مقاتلات “تايفون” و"إف-35" البريطانية قد حلّقت وجابت أجواء الأردن والبحرين وقطر والإمارات والعراق وشرق البحر الأبيض المتوسط.
وفي العشرين من مارس/آذار، اتسع نطاق هذا التصريح؛ حيث أعلنت الحكومة البريطانية في بيان رسمي أن الاتفاق المبرم بشأن استخدام أمريكا للقواعد البريطانية، بات يشمل أيضاً تنفيذ عمليات ترمي إلى “إضعاف المواقع والقدرات الصاروخية المُستخدمة ضد السفن في مضيق هرمز”. ونتيجةً لذلك، أضحت لندن، عملياً، حاضنةً لوجستيةً مهيأةً لانطلاق جزء من الهجمات الأمريكية صوب أهداف داخل إيران؛ حتى وإن تم تغليف هذه الهجمات في القاموس الرسمي للحكومة البريطانية بمصطلح “الدفاع الجماعي”.
بالطبع، أعلنت الحكومة البريطانية أن قاعدة “أكروتيري” الجوية في قبرص لم تُستخدم لتنفيذ هجمات هجومية أمريكية على إيران. ويُبرز هذا التفريق أن القواعد البريطانية لم تلعب أدواراً متطابقةً، بيد أن عدم استخدام “أكروتيري” لا ينفي البتة حقيقة تسخير قاعدتي “فيرفورد” و"دييغو غارسيا" لخدمة العمليات العسكرية المتعلقة بإيران.
المشاركة العملياتية في مهام الاعتراض والإنذار المبكر
لم يقتصر الدور البريطاني على منح المعتدين على إيران حق الانتفاع من القواعد العسكرية. ففي الثالث من مارس/آذار، صرحت وزارة الدفاع البريطانية بأن مقاتلات “إف-35 بي” التابعة لسلاح الجو الملكي قد أسقطت طائرات مسيّرة في سماء الأردن. ووفقاً للتقرير ذاته، قامت مقاتلة “تايفون” التي تعمل ضمن السرب المشترك البريطاني-القطري باستهداف مسيّرة إيرانية كانت متجهةً صوب قطر، في حين تمكنت وحدة بريطانية مضادة للمسيرات في العراق من تحييد طائرات مسيّرة كانت تشقّ طريقها نحو قوات التحالف.
كما أكدت الحكومة البريطانية أنها استبقت اندلاع الحرب بأسابيع عدة بنشر مقاتلات “تايفون” و"إف-35"، وفرق مضادة للمسيرات، ورادارات، ومعدات دفاعية أخرى في المنطقة. وعقب اشتعال فتيل الصراع، عمدت إلى الدفع بمزيد من التعزيزات العسكرية نحوها. وقد عملت لندن في هذه العمليات بتنسيق تام مع الولايات المتحدة، وأعضاء حلف الناتو، والدول العربية المطلة على الخليج الفارسي.
علاوةً على ذلك، أعلن وزير الدفاع البريطاني في 23 مارس/آذار - أي بعد أسابيع من بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران - أمام مجلس العموم، أن “القيادة الفضائية البريطانية” دأبت على رصد الأنشطة الصاروخية الإيرانية بشكل يومي، مزودةً القوات المسلحة البريطانية وحلفاءها في شتى بقاع المنطقة بإنذارات مبكرة. ومن نافلة القول إن توفير بيانات الاستطلاع والإنذار المبكر، يُعد بمثابة حجر الزاوية في أي شبكة دفاع جوي وصاروخي.
وعليه، وحتى وإن أخذنا بالرواية الرسمية اللندنية، فإن بريطانيا، إثر اندلاع الحرب، قد ساهمت فعلياً في اعتراض المسيرات، وتوفير الحماية لقواعد التحالف، وإسناد المنظومات الدفاعية لدول المنطقة، فضلاً عن رصد الأنشطة الصاروخية الإيرانية، وتوطئة البنية التحتية للهجمات الأمريكية.
قد تُدرج الحكومة البريطانية جميع هذه التحركات تحت مظلة “الدفاع الجماعي”؛ بيد أنه، ومن منظور عملياتي بحت، فإن فتح أبواب القواعد، وتمرير الإنذارات الاستخباراتية، ونشر المقاتلات وطائرات التزود بالوقود والمنظومات المضادة للمسيرات، يُمثل تجسيداً صارخاً لدعم عسكري نشط يصبّ في مصلحة أحد أطراف النزاع، وهو ما يجافي تماماً المفهوم المتعارف عليه للحياد.
سلسلة توريد “إف-35”: دعمٌ غير مباشر ولكنه استراتيجي للکيان الصهيوني
ويتجلى شقٌ آخر من الدور البريطاني في التعاون التسليحي والصناعي الذي يجمع لندن بالكيان الصهيوني، لا سيما في برنامج مقاتلات “إف-35”.
ففي سبتمبر/أيلول من عام 2024، أقدمت الحكومة البريطانية على تعليق نحو 30 ترخيصاً لتصدير المعدات العسكرية إلى "إسرائيل"، متذرعةً بوجود “خطر جليّ” يتمثل في احتمال استخدام هذا العتاد في انتهاكات صارخة للقانون الدولي الإنساني. غير أن صادرات قطع غيار طائرات “إف-35” قد أُستثنيت من قرار التعليق هذا.
وبررت الحكومة البريطانية موقفها آنذاك بأن الوقف التام لصادرات قطع غيار “إف-35” من شأنه أن يُربك البرنامج الدولي لهذه المقاتلات برمته، وأن يجرّ وراءه تداعيات تمسّ القدرات الدفاعية لكل من بريطانيا، والولايات المتحدة، وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وسائر الحلفاء.
ولم يمر هذا القرار دون طعن، إذ رفعت مؤسسة “الحق” الفلسطينية لحقوق الإنسان دعوى قضائية أمام المحكمة العليا البريطانية. وفي يونيو/حزيران 2025، أقرت المحكمة بقانونية قرار الحكومة القاضي بمواصلة الانخراط في السلسلة العالمية لإنتاج “إف-35”، غير أن حيثيات الحكم تضمنت إشارات بالغة الأهمية حول دور المكونات البريطانية الصنع.
وبموجب منطوق الحكم، تمتلك "إسرائيل"، بوصفها إحدى الجهات المقتنية لهذه المقاتلات، صلاحية سحب قطع الغيار من “المستودع العالمي لقطع الغيار”. كما أكدت المحكمة أن المقاتلات الجديدة التي ستُسلم لـ "إسرائيل" مستقبلاً ستتضمن أجزاءً بريطانية الصنع، وأن قطع الغيار المسحوبة من المستودع العالمي قد تكون بريطانية المنشأ أيضاً.
وفي سياق متصل، كشفت وزارة الدفاع البريطانية في مراجعتها الاستراتيجية والدفاعية، أن الصناعات البريطانية تتكفل بإنتاج ما يقارب 15% من كل طائرة “إف-35”. وتعكس هذه الحصة المكانة المحورية التي تتبوأها الشركات البريطانية في تصنيع هيكل هذه المقاتلة وأنظمتها ومكوناتها المختلفة.
وتُظهر أحدث الإحصاءات الرسمية الصادرة حتى 28 فبراير/شباط 2026 - أي قبل بضعة أيام من شن الهجوم على إيران - أن 395 رخصة تصدير غير مُعلّقة مرتبطة بـ "إسرائيل" كانت لا تزال سارية المفعول، صُنِّف 203 منها ضمن الفئة العسكرية. وفي 68 رخصة من بينها، سُجلت "إسرائيل" بوصفها المستخدم النهائي أو أحد المستخدمين النهائيين المحتملين؛ ولم تقتصر هذه التراخيص على معدات التدريب وأنظمة الدفاع الصاروخي ومكونات الغواصات فحسب، بل شملت كذلك التراخيص المتعلقة بمقاتلات “إف-35”.
وعلاوةً على ذلك، وخلال الأشهر الخمسة التي سبقت اندلاع الحرب ضد إيران، أصدرت بريطانيا 112 رخصةً جديدةً ذات صلة بـ "إسرائيل"، منها 55 رخصة ذات طابع عسكري. ومن بين هذه التراخيص، خُصصت 17 رخصة لتوريد معدات لتل أبيب، تركزت في مجملها حول برنامج “إف-35” ومعدات التدريب وقطع غيار الغواصات. وتفيد التقارير بأن هذا العتاد قد استُخدم بصورة مباشرة في أتون الحرب المفروضة على إيران.
الغطاء السياسي والقانوني لجبهة أمريكا و"إسرائيل"
ويتجلى بُعدٌ آخر من أبعاد الدور البريطاني في الحرب على إيران، في الدعم السياسي والدبلوماسي والقانوني الذي وفّرته لندن للولايات المتحدة، والكيان الصهيوني، وحلفائهما في المنطقة.
ففي البيان المشترك الصادر عن بريطانيا وفرنسا وألمانيا في 28 فبراير/شباط، أعلنت الدول الثلاث عدم مشاركتها في الموجة الأولى من الهجمات التي استهدفت إيران؛ غير أنها، وفي طيات البيان ذاته، وإلى جانب إدانتها للردود العسكرية الإيرانية، كشفت عن وجود تواصل وتنسيق وثيق مع الولايات المتحدة، والكيان الصهيوني، ودول الإقليم.
غداة ذلك، أصدرت الحكومة البريطانية موقفها القانوني الرسمي، مُعلنةً أن من حقها، في إطار “الدفاع الشرعي الفردي والجماعي”، اللجوء إلى القوة العسكرية أو مؤازرة حلفائها في استخدامها. وقد شكّل هذا الموقف القانوني المسوغ الرسمي لوضع القواعد البريطانية تحت تصرف الولايات المتحدة، ومشاركة القوات البريطانية في العمليات الدفاعية.
وفي سلسلة من المواقف اللاحقة، لم يتوانَ المسؤولون البريطانيون عن إدانة الردود الإيرانية مراراً وتكراراً، معلنين دعمهم لأمن حلفائهم الإقليميين والكيان الصهيوني، ومشددين على ضرورة التنسيق المستمر مع واشنطن.
كما أن الخطوة التي اتخذتها الحكومة البريطانية في يوليو/تموز 2026، بإدراج الحرس الثوري الإيراني ضمن طليعة الكيانات المُصنفة بموجب قانون “تهديدات الدول” الجديد، قد ضاعفت من حجم الضغوط السياسية والأمنية التي تمارسها لندن ضد طهران.
إن حصيلة هذه المواقف مجتمعةً تُدلل على أن ادعاء “إد ميليباند” بأن بريطانيا “ليست طرفاً في الحرب مع إيران”، لا يعدو كونه تعبيراً عن التوصيف الخاص الذي تتبناه الحكومة البريطانية لمفهوم “المشاركة في الحرب”، أكثر من كونه وصفاً دقيقاً وشاملاً لسلوك لندن الفعلي.
وبناءً على ما تقدم، فإنه على الرغم من غياب المشاركة البريطانية المباشرة في الهجوم الأولي الذي شنته الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران، إلا أنها، وفور اندلاع شرارة الحرب، انخرطت بفعالية في تقديم الدعم اللوجستي (عبر القواعد العسكرية)، والدفاعي، والاستخباراتي، والتسليحي، والسياسي للجبهة المناهضة لإيران؛ وهي حقيقةٌ دامغة تضع الادعاء المطلق للندن بـ “عدم كونها طرفاً في الحرب” في دائرة الشك العميق.
