الوقت ـ يدفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بقوة نحو تمرير حزمة من التشريعات التي تصب في مصلحة اليهود المتدينين "الحريديم" خلال الأيام الأخيرة من دورة الكنيست الحالية، في محاولة لتعزيز تحالفه مع الأحزاب الدينية وضمان بقائها ضمن معسكره السياسي قبل الانتخابات العامة المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
وتكشف التحركات التشريعية المتسارعة داخل الكنيست أن قضية تجنيد "الحريديم" تحولت من ملف اجتماعي وقانوني إلى ورقة سياسية حاسمة في معركة تشكيل الحكومة المقبلة، في ظل توقعات تشير إلى أن الأحزاب الدينية قد تمتلك مفتاح الحسم بين معسكري اليمين والمعارضة.
أهمية «الحريديم» في معادلة الحكم
تكتسب الأحزاب الدينية اليهودية أهمية استثنائية في المشهد السياسي الإسرائيلي الحالي، مع توقع استطلاعات الرأي حصولها على نحو 16 مقعدًا في الكنيست المقبل، وهو رقم كفيل بترجيح كفة أي معسكر يسعى لتشكيل الحكومة.
وتشير الاستطلاعات الأخيرة إلى أن معسكر نتنياهو لا يملك أغلبية تمكنه من تشكيل حكومة بمفرده، كما أن المعارضة بدورها لا تملك العدد الكافي من المقاعد للوصول إلى عتبة الـ61 نائبًا المطلوبة لتشكيل ائتلاف حاكم.
وفي هذا السياق، تصبح أحزاب "شاس" و"يهدوت هتوراه" شريكًا لا غنى عنه لأي ائتلاف يميني بقيادة نتنياهو، الأمر الذي يفسر إصراره على تمرير تشريعات تلبي مطالبها المركزية، وفي مقدمتها حماية طلاب المعاهد الدينية من التجنيد الإجباري.
معركة قانون التجنيد
وتتمحور الجهود الحكومية الحالية حول مشروع قانون يهدف إلى تجميد الإجراءات المتخذة بحق اليهود المتدينين الرافضين للخدمة العسكرية، ومنح عشرات الآلاف منهم حصانة مؤقتة من الاعتقال والملاحقة القانونية.
وصادقت لجنة الخارجية والأمن في الكنيست على مشروع القانون تمهيدًا لعرضه على الهيئة العامة للتصويت بالقراءتين الثانية والثالثة، رغم الانقسام الحاد حوله داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية.
وبحسب تفاصيل المشروع، فإن القانون يمنح حماية قانونية لعشرات آلاف الشبان "الحريديم" المصنفين متهربين من الخدمة العسكرية، كما يوقف الإجراءات الجنائية القائمة ضدهم ويمنع اعتقالهم حتى نهاية نوفمبر/تشرين الثاني المقبل على الأقل.
ولا تقتصر أهمية المشروع على مدته الزمنية المباشرة، إذ تشير تقديرات قانونية إلى أن آثاره قد تمتد لعدة أشهر إضافية بعد الانتخابات بفعل آليات التمديد التلقائي لبعض التشريعات المرتبطة بدورات الكنيست.
كما يسعى الائتلاف الحكومي إلى تمرير قانون إضافي يمنح مكانة خاصة لطلاب دراسة التوراة، في خطوة تُقرأ على نطاق واسع باعتبارها جزءًا من صفقة سياسية تهدف إلى استرضاء القيادات الدينية والحفاظ على تماسك معسكر اليمين.
نتنياهو بين الحاجة السياسية والضغوط الشعبية
يواجه نتنياهو معادلة معقدة تتمثل في التوفيق بين احتياجاته السياسية ومتطلبات الواقع الأمني والعسكري الذي تعيشه إسرائيل منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ففي الوقت الذي يطالب فيه الجيش الإسرائيلي بزيادة أعداد المجندين لتعويض النقص المتزايد في القوى البشرية، تتمسك الأحزاب الدينية بإعفاء جمهورها من الخدمة العسكرية، معتبرة أن دراسة التوراة تمثل "خدمة وطنية ودينية" لا تقل أهمية عن الخدمة العسكرية.
وقد ازدادت حدة الجدل بعد قرار المحكمة العليا الإسرائيلية في يونيو/حزيران 2024، الذي ألزم الدولة بتجنيد "الحريديم" ووقف الدعم المالي للمؤسسات الدينية التي يرفض طلابها أداء الخدمة العسكرية.
وشكل القرار ضربة سياسية للأحزاب الدينية، ودفعها إلى ممارسة ضغوط مكثفة على الحكومة لإيجاد مخرج تشريعي يلتف على تبعاته القانونية.
أزمة ثقة داخل المعسكر الديني
ورغم الجهود التي يبذلها نتنياهو لإرضاء شركائه التقليديين، فإن العلاقة بين الطرفين لا تبدو مستقرة بالكامل.
فقد أثارت تصريحات الحاخام الأكبر السابق لإسرائيل إسحاق يوسف، التي اتهم فيها نتنياهو بالكذب وعدم الوفاء بالتزاماته بشأن قانون التجنيد، مؤشرات على وجود تململ داخل الأوساط الدينية من أداء رئيس الوزراء.
كما فتحت هذه التصريحات الباب أمام تكهنات بشأن احتمالات إعادة تموضع بعض القوى الدينية بعد الانتخابات، خصوصًا مع تلميحات يوسف إلى إمكانية التعاون مع شخصيات سياسية أخرى، من بينها غادي آيزنكوت.
وتعكس هذه المؤشرات إدراك الأحزاب الدينية لحجم قوتها التفاوضية في المرحلة المقبلة، وسعيها إلى رفع سقف مطالبها قبل الدخول في أي مفاوضات ائتلافية مستقبلية.
«الحريديم» بين الهوية الدينية ومتطلبات الدولة
وتعد قضية تجنيد "الحريديم" من أكثر الملفات إثارة للجدل في إسرائيل منذ عقود، إذ يرفض المتدينون اليهود الخدمة العسكرية باعتبار أن تكريس حياتهم لدراسة التوراة يمثل جوهر هويتهم الدينية ورسالتهم المجتمعية.
ويشكل "الحريديم" نحو 13 في المئة من سكان إسرائيل، ويتميزون بمعدلات نمو سكاني مرتفعة تجعل حضورهم السياسي والاجتماعي أكثر تأثيرًا عامًا بعد آخر.
في المقابل، تتزايد أصوات داخل المجتمع الإسرائيلي، خصوصًا في الأوساط العلمانية واليمينية القومية، تطالب بإنهاء الإعفاءات الخاصة التي يتمتع بها المتدينون، معتبرة أن مبدأ "تقاسم الأعباء" يقتضي مشاركة الجميع في الخدمة العسكرية.
وتضاعفت حدة هذا الجدل مع استمرار الحرب وتعدد الجبهات العسكرية التي تنخرط فيها إسرائيل، ما أدى إلى ارتفاع الحاجة إلى المجندين والاحتياط، وزاد الضغوط على الحكومة لإيجاد حل دائم لهذه الأزمة.
تشريعات انتخابية أم ضرورة ائتلافية؟
ويرى مراقبون أن اندفاع نتنياهو نحو تمرير هذه القوانين في الأيام الأخيرة من عمر الكنيست الحالي لا يرتبط فقط بقناعة أيديولوجية أو دينية، بل يعكس قبل كل شيء حسابات انتخابية دقيقة.
ففي ظل تراجع فرص أي معسكر في تحقيق أغلبية واضحة، تبدو الأحزاب الدينية بيضة القبان في المشهد السياسي الإسرائيلي، وهو ما يدفع نتنياهو إلى تقديم ضمانات تشريعية وسياسية لها أملاً في الحفاظ على ولائها بعد الانتخابات.
وبذلك، تتحول معركة قانون التجنيد من نقاش قانوني حول المساواة في الخدمة العسكرية إلى اختبار سياسي حاسم قد يحدد شكل الحكومة المقبلة، وربما مستقبل نتنياهو نفسه على رأس السلطة في إسرائيل.
