الوقت - إن ما شهدته ولاية “بدخشان” في الأسابيع القليلة المنصرمة من تطورات واشتباكات، يشي بأن هذه التوترات تتجاوز كونها مجرد نزاعات عابرة أو زوابع محلية؛ إذ أضفى الحضور الفاعل لـ “الحزب الإسلامي” (جناح حكمتيار) أبعاداً جديدةً على هذا الصراع. وتأتي التصريحات الجريئة لحبيب الرحمن حكمتيار، نجل زعيم الحزب، مدعومةً بتحليلات الخبراء، لتؤكد الانخراط الرسمي والاستراتيجي لهذا التيار السياسي والعسكري في صلب المعادلات الجديدة للنظام الذي أرسته طالبان في أفغانستان.
لقد شدّد حبيب الرحمن صراحةً على إضفاء الشرعية على المقاومة المسلحة جاعلاً منها مبدأً راسخاً. وفي الواقع، ومع تصاعد وتيرة التوترات في بدخشان، وجد حبيب الرحمن حكمتيار يوم الإثنين الماضي أن الفرصة مواتية، فبادر بردّ فعلٍ فوري ولاذع عبر رسالة على منصة “إكس”، طارحاً تساؤلاً جوهرياً، ومعلناً دعمه الصريح للمعارضين المسلحين لطالبان، حيث قال: «إن كانت طالبان تمنح لنفسها الحق في الوصول إلى سدة الحكم عبر فوهة البندقية، فإن لغيرهم الحق ذاته في القتال لأجل رسم ملامح مستقبل البلاد».
وبهذا الاستدلال، دحض أي محاولة لتجريد المعارضين من “حقهم المشروع” في الكفاح. وأشار إلى أنه «ليس هناك مواطن أفغاني واحد ينشد الفوضى»، مُرجعاً جذور التطورات الأخيرة إلى الأداء المتعثر لحركة طالبان؛ إذ أوضح أن الحركة «أدارت ظهرها للحل العقلاني (المتمثل في الحوار والمفاوضات بين الأطراف الأفغانية لتشكيل حكومة انتقالية شاملة)، وأبت إلا أن تستأثر بالسلطة وتفرض إرادتها». ومضى محذراً بلهجة لا تخلو من الوعيد بأن «معاداة أبناء الوطن قد تجرّ وراءها عواقب وخيمة»، وأنه في حال تفاقم الأوضاع، فإن «التاريخ والشعب والعالم بأسره سيُحمّلون طالبان وِزر ما يحدث».
كما استشرف أن ما وقع في "بدخشان" قد تنتقل شرارته سريعاً لتعمّ ولايات أخرى، فتفقد طالبان سيطرتها على نقاطها الأمنية وخطوط إمدادها، لتجد نفسها في أتون “حرب عصابات” واسعة النطاق.
إن تصريحات حبيب الرحمن حكمتيار ليست مجرد زوبعة إعلامية، بل هي تعبير عن غضبٍ دفين، ودافع قوي لتفعيل هيكل متماسك يقود معارضةً جادةً ضد حكم طالبان الشمولي. ومما يزيد الأمر أهميةً، أن القوات المحسوبة على الحزب الإسلامي كانت لها صولات وجولات سابقة في بدخشان، بل إن “قندوز” و"بدخشان" تُعدان بمثابة المعقل الآمن لهذا الحزب، الذي يضرب بجذوره عميقاً في تاريخ الأحزاب الأفغانية العريقة.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أنه عقب انضمام حكمتيار إلى الحكومة السابقة، تم دمج قوات حزبه في معظم الولايات، وعلى رأسها بدخشان وقندوز وتخار، ضمن صفوف الشرطة المحلية وتزويدها بالعتاد اللازم؛ وقد مهّدت هذه الهيكلية الأرضية الخصبة للتحركات الحالية.
ولا يقلّ تقارب الحزب الإسلامي مع جبهات المعارضة المناهضة لطالبان أهميةً؛ ففي الوقت الذي أطلق فيه حبيب الرحمن تصريحاته، كانت “جبهة حرية أفغانستان” و"جبهة جنود الوطن" تخوضان معارك ضارية ضد طالبان في مديريتي “زيباك” و"يفتل" بولاية بدخشان. ويُعد موقف الحزب الإسلامي الداعم لـ “حق” هذه الفصائل في النضال، بمنزلة غطاء سياسي يضفي طابع الشرعية على تلك العمليات العسكرية.
إن كينونة الحزب الإسلامي، الساعي لتدشين “دولة إسلامية موحدة”، تتناقض في جوهرها مع النهج القبلي الذي تتبناه طالبان؛ وهذا التناقض الأيديولوجي هو ما أوقد نار المنافسة والصراع بين التيارين في شتى الميادين.
دخول مرحلة جديدة من المقاومة
يؤكد المراقبون والمحللون للشأن الأفغاني أن هذه التطورات هي إرهاصات لمرحلة جديدة، واصفين الاضطرابات في بدخشان بأنها “الشرارة الأولى لمقاومة شعبية متنامية”، ويرون أن دخول حزب منظم ذي خلفية أيديولوجية راسخة كالحزب الإسلامي إلى مسرح الأحداث، يتجاوز بكثير مفهوم التمرد المحلي العابر.
ومن هذا المنطلق، فإن هذه التوترات مرشحة لأن تتخذ أبعاداً وطنيةً واستراتيجيةً شاملةً، كما أن هذه الخطوة قد تغدو نموذجاً يُحتذى به لغيرها من الفصائل المناهضة لطالبان في شتى ربوع أفغانستان.
وفي المحصلة، فإن الشواهد القائمة تدل دلالةً قاطعةً على أن الحزب الإسلامي بقيادة حكمتيار، باتخاذه موقفاً صريحاً في مؤازرة الكفاح المسلح ضد طالبان، وتسخيره لآلياته التنظيمية، يتبوأ مكانة اللاعب الرئيسي في معترك التطورات الأفغانية المستجدة. وهذا الانخراط من شأنه أن يضاعف بشكل كبير من حجم التعقيدات الأمنية والسياسية التي تعترض طريق حركة طالبان.
وما علينا إلا أن نترقّب ما ستسفر عنه التطورات والمسارات السياسية في قابل الأيام، لنرى مدى تطابق هذا التحليل مع الحقائق على أرض الواقع، أو ما إذا كانت تصريحات حبيب الرحمن قد أُعطيت حجماً إعلامياً يفوق حجمها الحقيقي.
