الوقت - بعد إعلان خبر التوصل إلى اتفاق أولي بين إيران والولايات المتحدة لإنهاء الحرب في جميع الجبهات، يستعد الطرفان الآن لتوقيع اتفاقية تفاهم في جنيف بسويسرا. ورغم أن النص الكامل لهذا الاتفاق لم يُنشر رسميًا بعد، إلا أن جدلاً حاداً اندلع حول الفوائد الاقتصادية التي ستحصل عليها إيران مقابل هذا الاتفاق. في هذا التقرير، نستعرض تفاصيل الامتيازات الاقتصادية لهذا الاتفاق والادعاءات المتبادلة.
الأموال المجمدة
من بين الامتيازات الاقتصادية التي أعلنت عنها إيران منذ البداية كشرط لتوقيع الاتفاق الأولي، كان استعادة أموالها المجمدة. وهو موضوع أبدت فيه واشنطن صلابةً كبيرةً، إلا أن شائعات حول تحرير جزء من هذه الأموال قد تصاعدت مؤخرًا.
في بداية هذا الأسبوع، نقلت وكالة رويترز عن أربعة مصادر أن الإمارات العربية المتحدة وافقت على تحرير 10 مليارات دولار من أصول إيران، وقد تم بالفعل تسليم أكثر من 3 مليارات دولار منها لإيران. لكن الإمارات نفت هذه الأنباء.
وفي الساعات الأخيرة، نشر معهد هادسون نصاً يُزعم أنه النسخة الأصلية للاتفاق، والذي يعزز هذا الموضوع. حيث ينص البند 11 من الاتفاق على تعهد واشنطن، بما يتناسب مع تقدم المفاوضات نحو الاتفاق النهائي، بتحرير الأموال والأصول الإيرانية المجمدة أو المقيدة وجعلها متاحةً بالكامل لطهران.
مع ذلك، نفى دونالد ترامب في تصريحاته الأخيرة هذه الادعاءات، قائلاً: «لن نستثمر أي أموال في إيران». كما رفض التقارير التي تحدثت عن دفع 300 مليون دولار لإيران واصفًا إياها بأنها أخبار زائفة.
بدوره، شدّد نائب الرئیس الأمريکي جي دي فانس، ردًا على الأنباء الأمريكية عن التحرير السريع لجزء من الأموال المجمدة، قائلاً: «حتى الآن لم يتم تخفيف العقوبات حتى دولار واحد، ولم تُحرر أي أصول إيرانية من قبل أمريكا أو حلفائها».
العقوبات، رفع الحصار البحري وبيع النفط
تنطبق التباينات في الروايات المتعلقة بالأموال المجمدة أيضاً على الامتيازات الاقتصادية الأخرى التي تطالب بها إيران، حيث تصر وسائل الإعلام بينما ينكر البيت الأبيض ذلك.
رغم أن تقرير معهد هادسون ذكر أن الولايات المتحدة تعهدت، وفقاً لنص الاتفاق، بأن تلغي جميع أنواع العقوبات الحالية المفروضة على إيران، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن الدولي ومجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بالإضافة إلى جميع العقوبات الأحادية الأمريكية، سواء الأولية أو الثانوية، وفق جدول زمني متفق عليه، إلا أن تصريحات كبار المسؤولين في واشنطن تروي قصةً مختلفةً.
في هذا الصدد، قال فانس إن أي تخفيف للعقوبات مرتبط بالتزام إيران بتعهدات الاتفاق، فيما ردّ ترامب على سؤال حول إمكانية رفع العقوبات فوراً بقوله: «لا، لن يُنفذ ذلك، فالأمر يعتمد على سلوك طهران».
ونقلت رويترز عن مسؤولين أمريكيين أن رفع العقوبات ليس تلقائياً أو دائماً، بل يعتمد على مسار المفاوضات التي تستمر 60 يوماً وعملية التحقق. في المقابل، صرح كاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية الإيراني، بأن الهدف الرئيسي لإيران هو «رفع العقوبات بشكل فعّال»، وليس مجرد تعليق مؤقت لها.
تأتي مواقف الأمريكيين التي تؤكد على بقاء بعض العقوبات واستمرار عملية رفعها لفترة طويلة حتى في حال توقيع الاتفاق النهائي، في ظل تجربة الاتفاق النووي التي لا تزال حاضرةً في الذاكرة السياسية لإيران. فبالرغم من تنفيذ طهران الجزء الأكبر من التزاماتها في ذلك الاتفاق، لم تستفد من المنافع الاقتصادية الموعودة، وفي النهاية انسحبت إدارة ترامب من الاتفاق وتبنت سياسة الضغط الأقصى. ولهذا، لا تزال الشكوك قائمةً حول مدى التزام واشنطن بالتعهدات المستقبلية المحتملة.
وفي موضوع رفع الحصار البحري، طرحت روايات متباينة. وفقاً لتقرير هادسون، فور توقيع مذكرة التفاهم، سترفع أمريكا الحصار البحري، وستمنع أي تدخل أو عرقلة ضد إيران، وستعيد حركة الملاحة إلى طاقتها الكاملة خلال مدة أقصاها 30 يوماً. وفي المقابل، ستبدأ إيران فور توقيع مذكرة التفاهم باتخاذ إجراءات لإعادة حركة السفن التجارية من الخليج الفارسي إلى بحر عمان والعكس إلى مستويات ما قبل الحرب خلال 30 يوماً.
في هذا السياق، وبعد أن أصدر ترامب يوم الاثنين الماضي أمراً برفع الحصار، أعلنت وسائل الإعلام زيادة حركة السفن في مضيق هرمز وبحر عمان، وبحسب بيانات الملاحة البحرية، فقد عبر ناقلة نفط إيرانية يوم الثلاثاء من المياه الدولية باتجاه موانئ إيران متجاوزةً منطقة الحصار، كما سارت سفينة محملة بالمواد العلفية على نفس المسار.
مع ذلك، زعمت القيادة المركزية للجيش الأمريكي (سنتكوم) يوم الثلاثاء أن الحصار البحري لم يُرفع وسيبقى قائماً حتى التوقيع الرسمي للاتفاق يوم الجمعة. في هذا الصدد، تتركز اهتمامات إيران على وضع حركة الملاحة بعد فترة المفاوضات التي تستمر شهرين، حيث تؤكد طهران على ضرورة قبول أمريكا بإدارة إيران لمضيق هرمز وفرض رسوم خدمات على السفن، وهو أمر ينكره قادة البيت الأبيض حتى الآن.
ومن بين الامتيازات خلال فترة الشهرين بعد توقيع الاتفاق الأولي، يبدو أن أهم امتياز اقتصادي هو السماح ببيع النفط ومنتجاته فوراً. فقد قال مسؤول أمريكي رفيع لوكالة رويترز إن إيران ستتمكن من استئناف صادرات النفط بمجرد توقيع مذكرة التفاهم، وستُفعّل الإعفاءات العقابية المتعلقة ببيع النفط والقطاع المصرفي والتأمين والنقل.
وأفادت وسائل الإعلام أن إيران تملك أكثر من 100 مليون برميل نفط مخزون جاهز للعرض، مما يمكّنها من تحقيق إيرادات نقدية كبيرة في الأمد القصير. وبناءً على إعادة فتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري، ستتمكن ناقلات النفط الإيرانية من ضخّ فائض النفط إلى الأسواق.
المصير المجهول لصندوق الـ300 مليار دولار
من بين الامتيازات الاقتصادية التي ترددت في تصريحات السياسيين ووسائل الإعلام، يبرز بلا شك ما جذب أكبر قدر من الانتباه وهو الادعاء بتخصيص مبلغ 300 مليار دولار في صندوق للاستثمار في إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية من قبل الولايات المتحدة.
فقد أفادت صحيفة نيويورك تايمز نقلاً عن مسؤول إيراني أن هذا المبلغ يُطرح في إطار برنامج لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، ويُشترط تحقيقه التوصل إلى اتفاق نهائي. ومع ذلك، لا تزال كيفية توفير هذه الموارد المالية تكتنفها الكثير من الغموض.
كما أورد معهد هادسون في تقريره حول تفاصيل الاتفاق أن الولايات المتحدة تعهدت، بالتعاون مع شركائها الإقليميين، بوضع خطة شاملة ومتفق عليها بين الطرفين لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية في إيران، وضمان تمويلها بما لا يقل عن 300 مليار دولار.
وقال جي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، إن إيران يمكنها الوصول إلى موارد هذا الصندوق شريطة تنفيذ التزاماتها. لكن صحيفة فايننشال تايمز أفادت بأن هذا الصندوق لن يُموّل من ميزانية الحكومة الأمريكية، بل صُمم كآلية لجذب استثمارات الشركات الدولية في إيران. وبحسب التقرير، أعربت شركات من أوروبا وآسيا وكوريا الجنوبية واليابان وحتى الولايات المتحدة عن اهتمامها بالمشاركة في هذا المشروع.
وبذلك، ما تم الكشف عنه حتى الآن من تفاصيل هذه الحزمة الاقتصادية، يشير إلى أن واشنطن لا تنوي تحمل تكاليف إعادة إعمار أضرار الحرب بشكل مباشر، بل تسعى إلى دفع هذا المشروع قدمًا عبر جذب الاستثمارات الأجنبية ومشاركة شركائها الاقتصاديين.
ومع ذلك، تُظهر التجارب السابقة في إنشاء صناديق مماثلة في مناطق الأزمات حول العالم، أن هناك فجوةً كبيرةً بين الوعود المعلنة والتنفيذ الفعلي لمثل هذه المشاريع، وهو أمر جعل كثيراً من المراقبين ينظرون بحذر إلى آفاق تنفيذ هذا الجزء من الاتفاق.
في المجمل، ورغم أن مذكرة التفاهم الأخيرة استطاعت فتح مسار دبلوماسي مجدد بين طهران وواشنطن، إلا أن الروايات المتباينة وأحيانًا المتناقضة حول الالتزامات والامتيازات الاقتصادية للاتفاق المحتمل مع إيران، قد تتحول إلى أحد التحديات الرئيسية في بدء مسار المفاوضات.
لذلك، ما دام أن الولايات المتحدة لم تتخلَّ عن نهجها القائم على الضغط والمطالب التي تتجاوز الأطر المقبولة لدى إيران، فإن التوصل إلى اتفاق شامل سيظل بعيد المنال.
