الوقت - في حين أن لبنان يعاني من عدوان خارجي وحرب شاملة، ثمة خلافات حادة بين قادة حكومة جوزيف عون – نواف سلام من جهة، وحزب الله والتيارات الداعمة له من جهة أخرى، بشأن قضايا مصيرية مثل الدفاع أو التفاوض، سلاح المقاومة، وموقف لبنان من إيران بين القرب والبعد. هذه الخلافات لم تعد محصورةً خلف طاولات المفاوضات المغلقة، بل لم يعد هناك تردّد في طرحها على المنابر الرسمية. وهذا الوضع يطرح سؤالاً جوهرياً: من أي نافذة ينبغي أن نطل لنرى لبنان الحقيقي وسط هذا التباين السردي؟
صراع خطاب الحرب بين حكومة عون والمقاومة
في لبنان لا يسمع صوت واحد ولا رواية موحدة عن أولى الأولويات البديهية لأي دولة تواجه تقدم العدو برياً واحتلاله أجزاء واسعة من أراضيها، مما يعرض كيانها الجغرافي للخطر.
رغم تمديد وقف إطلاق النار الاسمي لمدة 45 يوماً في منتصف مايو 2026 وفقاً للقرار 1701، واصلت "إسرائيل" توسيع عملياتها البرية داخل الأراضي اللبنانية. الجيش المحتل تجاوز حتى المنطقة العازلة التي أعلنها لنفسه، واحتل مجدداً نحو 800 كيلومتر مربع من الأراضي اللبنانية.
في هذا التوقيت، أقرت الحكومة الصهيونية، وسط استمرار مفاوضات وقف إطلاق النار في واشنطن، مزيداً من الخطط الهجومية. وما هو أكثر تدميراً هو سلوك الصهاينة في ميادين القتال. فقد وثّقت التقارير عمليات قتل متعمدة للمدنيين، ونهب واسع، وتدمير متعمد لمنازل المدنيين على يد جنود الجيش الإسرائيلي. الصهاينة تسببوا أيضاً بخلق موجة نزوح داخلي هائلة عبر تدمير البنى التحتية وإصدار أوامر إخلاء واسعة النطاق في المناطق الجنوبية.
ولكن، في حين تشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة طالبت "إسرائيل" بوقف هجماتها لتسهيل تقدم المفاوضات، كانت مواقف حكومة عون-سلام على الصعيد السياسي بمثابة كارثة حقيقية.
يتناول رئيس الجمهورية جوزف عون معارضته للاعتداءات الخارجية واحتلال أراضي لبنان، ليس من منطلق أولوية وطنية صرفة، بل في إطار مشروع نزع سلاح حزب الله. فقد عرض هذا المنطق تحديداً أمام أعضاء مجلس الأمن في ديسمبر 2025، محذّراً من أن “استمرار انتهاكات إسرائيل يعزّز رواية حزب الله التي ترى في سلاح المقاومة حارساً للأمن والدفاع عن وحدة الأراضي اللبنانية، وفي الوقت نفسه يضعف سلطة الدولة اللبنانية.”
منذ اتفاق وقف النار في نوفمبر 2024، تصرفت حكومة عون-سلام كأنها على خط سردي واحد مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، معتبرةً انتهاك وقف النار، واستمرار الاحتلال، والاعتداءات الجديدة على الأراضي اللبنانية، وقائع يجب التعامل معها وفق هذا المنظور. ففي حين احتفظ الجيش الإسرائيلي، خلافاً للاتفاقيات، بحضور عسكري في خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية بعد وقف إطلاق النار، أصدر عون-سلام في نهاية 2025 مهلةً نهائيةً للجيش اللبناني من أجل نزع سلاح حزب الله.
وكان واضحاً إلى حد بعيد الطابع الصهيوني لهذا المشروع، حتى أن الجنرال رودولف هیکل، قائد الجيش اللبناني، قد حذّر خلال زيارة مجلس الأمن في ديسمبر 2025 من أن الجيش اللبناني، عبر دخول المنازل بالقوة في جنوب لبنان، “لن يعمل كوكيل لإسرائيل.”
وفي خضم الهجمات الصهيونية ومحاولتها التقدم برياً داخل الأراضي اللبنانية، أعلنت الحكومة رسمياً في 2 مارس 2026 حظر النشاطات العسكرية لحزب الله، لتضع بذلك ختماً رسمياً يبرّر العدوان الإسرائيلي.
هذا، بينما يرى خبراء أن الهدف المعلن لرئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو، القاضي بنزع السلاح الكامل ورفع التهديد الدائم عن شمال الكيان، يكشف عن خطة الحكومة الصهيونية للاحتلال غير المحدود لأراضي لبنان. إن عقيدة القصف والتدمير التي يتبعها الجيش الإسرائيلي تسعى إلى مخرج استراتيجي واحد: ألا يعود النازحون إلى مناطقهم، وأن تتحول جبال الركام إلى شاهد دائم على تدمير الحياة الجماعية في جنوب لبنان، من أجل ضمان أمن المناطق الشمالية في "إسرائيل".
والسؤال الجوهري هنا: ما الذي يمنع الحكومة اللبنانية من تحمل مسؤولياتها كاملةً؟ خصوصاً حين تغفل عن واجبها في الحفاظ على وحدة الأراضي، وتركز كل جهدها على مواجهة القوة الوحيدة المدافعة عن الوطن (حزب الله)، ما يؤدي إلى إطالة أمد الصراع وارتفاع كلفة لبنان.
لا مبرر مقبول في الرأي العام، إذ أثبت حزب الله أنه قادر على الدفاع عن أرضه حتى بأدوات بسيطة، كما تشهد الأيام الراهنة استخدامه لطائرات بدون طيار مصنوعة من ألياف الكربون، رخيصة الثمن وبتقنية أولية، لكنها سببت خسائر فادحة للعدو. بالمقابل، أظهرت الحكومة، للأسف، عدم استعدادها لأداء واجباتها الوطنية، بل سعت إلى عرقلة المقاومة؛ فاعتقال مقاتلي حزب الله أثناء نقل السلاح إلى الجبهات ومحاكمتهم بتهمة “الدفاع عن الوطن”، دليل صارخ على ذلك.
لكن خطاب المقاومة هو الوجه الآخر للواقع اللبناني الراهن، إذ أكد الشيخ نعيم قاسم، أمين عام حزب الله، في كلمته الأخيرة موقف المقاومة الثابت في مواجهة المعتدي، مشدداً على التزامهم بـ"وقف شامل لإطلاق النار وخروج كامل للجيش الإسرائيلي من لبنان." وأضاف: “لن نقبل بأي تقسيم بين الجنوب وباقي المناطق اللبنانية، ولن نمنح العدو أي حق في "الحرية المطلقة" لارتكاب المجازر.”
وختم بالقول: “طالما كانت قُرانانا غير آمنة وتتعرض للقصف، ستبقى المستوطنات الصهيونية غير آمنة، وسيرى العدو غضبنا وصلابتنا.”
المفاوضات المباشرة: استسلام مذلّ أم طريق للعلاج؟
في ظل هذه التطورات، تزداد الأسئلة حول ما إذا كان موقف حكومة لبنان في المفاوضات يخدم فعلاً مصالح الوطن أم لا. كما ذُكر سابقاً، أولوية هذه الحكومة هي نزع سلاح حزب الله، لا الدفاع عن وحدة الأراضي الوطنية في الحرب؛ لذا تعتبر عدوان العدو فرصةً لتنفيذ هذا المشروع، لا تهديداً لوجود لبنان وبقائه وأمنه.
إن الإدانات الظاهرية لهجمات الكيان الصهيوني من قبل حكومة عون-سلام، لا تنبع إلا من خوفهم من أن تُبرر هذه الهجمات سلاح المقاومة، إذ تثبت مرةً أخرى عجز الجيش اللبناني عن الدفاع عن أرضه. ومن هنا، يقبلون بالجلوس إلى طاولة المفاوضات في موقف ضعف، وقبول وقف إطلاق النار الذي يرسّخ موقع المحتل على الأراضي اللبنانية، ويسلب حق الدفاع عن القوات المدافعة عن الوطن.
في المقابل، يؤمن حزب الله أن الطريق الحقيقي لإنهاء الحرب وتحقيق الاستقرار لا يكمن في المفاوضات وقبول شروط العدو، بل في ضمان خروج "إسرائيل" من كامل الأراضي اللبنانية المحتلة.
وفي هذا الصدد، قال الشيخ نعيم قاسم: إن “الخطة الأخيرة في واشنطن هي نتيجة مفاوضات عبثية ومذلّة تهدف إلى إضفاء الشرعية على استسلام لبنان لمشروع "إسرائيل الكبرى".” وأضاف أن الهدف الأساسي للعدو في هذا الاتفاق هو نزع سلاح المقاومة، ما يعني تدمير قوة لبنان وتهديداً وجودياً لشعبه.
من هو صديق لبنان؟
مسألة مهمة أخرى تتجلى في الصوت المزدوج الخارج من لبنان، وهي دور إيران كحليف رئيسي للمقاومة في مواجهة عدوان الکيان الصهيوني.
إيران تمتلك دافعاً قوياً لمنع ابتلاع لبنان من قبل "إسرائيل"، في إطار هدف استراتيجي يهدف إلى تفتيت المنطقة تحت مسمى الشرق الأوسط الجديد. أساساً، لا دولة قوية تحافظ على مصالحها الأمنية تقتصر على حدودها فقط، وفي المنافسة الشرسة التي تدور في الحرب الحالية لرسم هندسة النظام الأمني الإقليمي الجديد، لا يمكن لإيران أن تظل مجرد متفرجة على تطورات لبنان.
لقد جعلت إيران وقف هجمات الكيان الصهيوني على لبنان شرطاً أساسياً لأي اتفاق أولي مع الولايات المتحدة، لكن حكومة عون-سلام تصف إيران بأنها عائق أمام إحلال السلام والاستقرار في لبنان.
في المقابل، رد الشيخ نعيم قاسم على مواقف الحكومة اللبنانية الغربية العدائية تجاه إيران قائلاً: “نشكر إيران على دعمها في استعادة أرضنا وحقوقنا في مواجهة الاعتداءات المشتركة لأمريكا وإسرائيل.” وأكد أن “إيران تسعى لتثبيت وقف شامل لإطلاق النار في لبنان بالتوازي مع وقف الاعتداءات عليها.”
ومن المؤكد أن أعداداً متزايدةً من الناس الذين يشهدون نزوح مدنهم وقراهم جراء النهب والدمار، لا يعتبرون الحكومة اللبنانية كضامن لهم، بل ينظرون إلى القوة التي تقاتل والبلد الذي يدعم هذا الدفاع كصديق وحليف لهم.
المجتمع الفسيفسائي؛ هل تمثّل حكومة عون-سلام أغلبية اللبنانيين؟
نعود الآن إلى السؤال الأول في هذا المقال: من أي نافذة ينبغي أن نطل لنرى لبنان الحقيقي وسط هذا التباين السردي؟
هل يملك التيار الحاكم أغلبيةً في البرلمان تؤهّله لأن يُعتبر ممثلاً لأغلبية الشعب؟ وهل مواقف عون-سلام تعبّر فعلاً عن مواقف جميع المسؤولين اللبنانيين؟
إن هيكلية الحكومة اللبنانية تنبع من بنية المجتمع الفسيفسائي، حيث تُوزَّع المناصب وفق نظام حصص يضمن تمثيل جميع الأقليات في السلطة. هذه الآلية وُضعت بعد خمسة عشر عاماً من الحرب الأهلية كوسيلة للحفاظ على الاستقرار، وهي متجذرة في الدستور اللبناني، ومن ثم فإن حكومات لبنان دائماً ما تكون تحالفات تجمع التيارات السياسية الرئيسية في البلاد.
ومع ذلك، بينما تؤدي الأزمات الحادة مثل الحرب والاعتداءات الخارجية في الأنظمة البرلمانية عادةً إلى تشكيل حكومة واسعة وشاملة، فإن العدوان الصهيوني في حرب الأيام الستة والستين عام 2024 والحرب الأخيرة، قد دفعا الصراع السياسي في لبنان إلى مسار تحاول فيه جهة ما، مستغلةً الظروف الاستثنائية للمجتمع، السيطرة المطلقة على السلطة واستبعاد تيار سياسي راسخ وكبير في المشهد السياسي.
في الواقع، مواقف رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير الخارجية تمثّل فقط جزءاً محدوداً من المجتمع والتيارات السياسية في لبنان. ففي صفوف المسيحيين، يشكّل التيار الوطني الحر قوةً راسخةً، وفي صفوف الشيعة، حركة أمل من القوى المتجذرة والمتحالفة مع المقاومة، وهما لا يتفقان مع مواقف رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء.
لذلك، لا يمكن حصر لبنان الحقيقي في إطار المواقف الرسمية لرئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء أو وزير الخارجية. فالحكومة التي تشكلت تحت ضغط الولايات المتحدة وفي ظل اتفاقات وقف إطلاق النار، رغم ظهورها كمؤسسة السلطة الرسمية، تعكس صوتاً محدوداً من مجتمع لبنان الفسيفسائي.
وأي مراقب يرغب في فهم لبنان اليوم، لا بد له أن ينظر إليه من خلال هذه الحقيقة المجزأة والمتعددة والمتناقضة أحياناً؛ حقيقة تبقى فيها المقاومة الخط الأمامي للدفاع عن الأرض، بينما لا تقوم الحكومة الرسمية إلا بدور التسهيل لمشاريع العدو. لبنان الحقيقي يُبحث عنه في أزقة الجنوب المدمرة بقصف الحرب، لا في قصور رئاسة الجمهورية في بيروت فقط.
