الوقت- في مؤشر جديد يكشف عمق الكارثة الإنسانية التي يعيشها قطاع غزة، أظهرت دراسة إحصائية حديثة أن أكثر من 42% من حوادث “الهجمات على سلاسل الإمداد الغذائي” المسجلة عالميًا خلال السنوات الثماني الماضية وقعت في قطاع غزة، ما يعكس حجم الاستهداف الممنهج للأمن الغذائي في القطاع المحاصر، وسط اتهامات متصاعدة للكيان الإسرائيلي باستخدام التجويع كسلاح حرب ضد المدنيين الفلسطينيين.
الدراسة التي استندت إلى بيانات مؤسسة “سكيورتي إنسايت” المتخصصة في رصد العنف المرتبط بالغذاء، سلطت الضوء على تصاعد خطير في استخدام الحصار الغذائي واستهداف البنية التحتية الزراعية والمساعدات الإنسانية كأدوات ضغط وحرب، ليس فقط في غزة، بل أيضًا في عدد من مناطق النزاع حول العالم، إلا أن غزة بقيت النموذج الأكثر مأساوية والأعلى تسجيلًا لهذه الانتهاكات.
أرقام صادمة تكشف حجم المأساة
وبحسب التحليل الإحصائي، فقد تم تسجيل أكثر من 20 ألف حادثة مرتبطة بـ”العنف الغذائي” في العالم منذ عام 2018، وهو العام الذي أصدر فيه مجلس الأمن الدولي القرار 2417، الذي يدين استخدام التجويع المتعمد ضد المدنيين ويعتبره انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني.
غير أن الأرقام المتعلقة بقطاع غزة بدت استثنائية وصادمة؛ إذ سجلت الأراضي الفلسطينية المحتلة وحدها 9013 هجومًا على سلاسل الغذاء والإمداد الغذائي، وهو ما يمثل النسبة الأكبر عالميًا، متجاوزة جميع مناطق النزاع الأخرى.
وتوضح الدراسة أن هذه الهجمات لم تقتصر على استهداف شاحنات المساعدات أو الأسواق التجارية فقط، بل امتدت إلى الأراضي الزراعية وشبكات المياه والبنية التحتية الحيوية المرتبطة بالإنتاج الزراعي، في محاولة لخنق القطاع غذائيًا ومنع أي قدرة على الاكتفاء أو الصمود.
التجويع كسلاح حرب
التقرير الجديد يعزز الاتهامات الدولية المتزايدة بأن الكيان الإسرائيلي يعتمد سياسة “التجويع المنهجي” كجزء من أدوات الحرب ضد سكان قطاع غزة، عبر فرض الحصار، ومنع تدفق المساعدات، واستهداف مصادر الغذاء والإنتاج الزراعي.
ويؤكد خبراء في القانون الدولي أن استهداف المدنيين عبر منع الغذاء أو تدمير وسائل إنتاجه يُعد جريمة حرب بموجب اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، خاصة عندما يكون الهدف هو الضغط على السكان المدنيين أو إخضاعهم سياسيًا وعسكريًا.
ومنذ اندلاع الحرب الأخيرة على غزة، تفاقمت الأزمة الغذائية بصورة غير مسبوقة، مع انهيار شبه كامل للقطاع الزراعي وتدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، إضافة إلى تقييد دخول المواد الغذائية والوقود والمياه.
مئات الضحايا بسبب الجوع وسوء التغذية
وفي واحدة من أخطر الإحصائيات التي وردت في التقرير، أعلنت وزارة الصحة في غزة أن أكثر من 900 فلسطيني، بينهم 71 طفلًا، توفوا نتيجة الجوع وسوء التغذية منذ بداية الحرب التي يشنها الكيان الإسرائيلي على القطاع.
ولا تتوقف المأساة عند الوفيات فقط، إذ تشير البيانات إلى إصابة نحو 6 آلاف شخص أثناء محاولتهم الحصول على الغذاء أو المساعدات الإنسانية، في ظل الفوضى ونقص الإمدادات والاستهداف المتكرر لمراكز توزيع المساعدات.
وتحذر منظمات دولية من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى كارثة مجاعة شاملة، خاصة مع تراجع قدرة المؤسسات الإنسانية على توفير الاحتياجات الأساسية، وانهيار الأنظمة الصحية والخدمية داخل القطاع.
ويقول مراقبون إن الأطفال هم الفئة الأكثر تضررًا من سياسة التجويع، حيث يعاني عشرات الآلاف من سوء تغذية حاد، بينما تواجه الأمهات صعوبة في توفير الغذاء والحليب والرعاية الصحية الأساسية لأطفالهن.
استهداف الزراعة والبنية التحتية للمياه
البحث الإحصائي كشف كذلك عن تسجيل 1909 هجمات عسكرية استهدفت الأراضي الزراعية، إضافة إلى 563 هجومًا على البنية التحتية المائية الضرورية للزراعة والإنتاج الغذائي.
ويعني ذلك أن الاستهداف لم يكن عشوائيًا أو مرتبطًا فقط بالعمليات العسكرية المباشرة، بل طال مقومات الحياة الأساسية التي يعتمد عليها السكان في إنتاج الغذاء وتأمين احتياجاتهم اليومية.
وقد أدى تدمير شبكات المياه والآبار ومحطات التحلية إلى تراجع حاد في القدرة الزراعية داخل غزة، خاصة في ظل نقص الوقود اللازم لتشغيل المضخات والأنظمة الزراعية.
كما تسبب تجريف الأراضي الزراعية ومنع المزارعين من الوصول إلى حقولهم في انخفاض كبير بالإنتاج المحلي للخضروات والفواكه، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل جنوني وانعدام الأمن الغذائي لدى شريحة واسعة من السكان.
الأسواق وقوافل الإغاثة تحت النار
ومن أخطر ما أشار إليه التقرير، تصاعد الهجمات على الأسواق وقوافل المساعدات الإنسانية، الأمر الذي يضاعف معاناة السكان ويهدد بانهيار كامل لعمليات الإغاثة.
فبحسب الباحثين، أصبحت الأسواق الشعبية ومراكز توزيع الغذاء أهدافًا متكررة خلال الحرب، في حين تتعرض قوافل الإغاثة للتأخير أو المنع أو الاستهداف المباشر، ما يقلص كميات المساعدات الواصلة إلى المدنيين.
وأكدت “جوليا كونتو”، مديرة قسم الحماية في النزاعات والجوع بمنظمة “العمل ضد الجوع”، أن المجاعة في غزة والسودان تصدرت المشهد العالمي خلال العامين الماضيين، لكن العديد من حالات الجوع الناتجة عن النزاعات المسلحة لا تحظى بالاهتمام الكافي.
وأضافت أن الهجمات على الأسواق والمواشي والمزارع وقوافل الإغاثة تتكرر بشكل يومي، مشيرة إلى أن المدنيين يُستهدفون حتى أثناء محاولتهم الحصول على الطعام.
المدنيون يدفعون الثمن الأكبر
ويبرز التقرير جانبًا بالغ الخطورة يتعلق باستهداف المدنيين أثناء بحثهم عن الغذاء، حيث تم تسجيل مقتل أو إصابة أكثر من 10 آلاف و300 شخص خلال محاولاتهم الوصول إلى المساعدات الغذائية منذ أكتوبر 2023 وحتى نهاية عام 2025.
ويكشف هذا الرقم عن مستوى غير مسبوق من المخاطر التي يواجهها سكان غزة حتى في أكثر الاحتياجات الإنسانية بدائية، وهي الحصول على الطعام والماء.
كما أدى الجوع المتزايد إلى تفشي مظاهر الفقر الحاد والانهيار الاجتماعي، حيث أصبحت العائلات عاجزة عن تأمين وجبات يومية منتظمة، بينما يعيش كثير من الأطفال على وجبة واحدة في اليوم أو أقل.
وفي ظل استمرار الحرب والحصار، يخشى مراقبون من أن يتحول الجوع إلى السلاح الأكثر فتكًا في غزة، خاصة مع تآكل قدرة المؤسسات الإنسانية على الاستجابة وتراجع الاهتمام الدولي بالأزمة.
ومع تصاعد التحذيرات الأممية والحقوقية، يبقى السؤال الأهم: هل يتحرك العالم لوقف سياسة التجويع وحماية المدنيين في غزة، أم أن القطاع سيظل نموذجًا مأساويًا لعجز المجتمع الدولي أمام واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث؟
