الوقت- تشهد الأوضاع في قطاع غزة تدهورًا غير مسبوق على المستويات الصحية والبيئية والإنسانية، في ظل استمرار تداعيات الحرب التي شنّها الكيان الصهيوني منذ أكتوبر 2023، وما خلفته من دمار واسع في البنية التحتية وانهيار شبه كامل للمنظومة الصحية والخدمات الأساسية.
وفي هذا السياق، أطلقت الحكومة الفلسطينية نداءً عاجلًا إلى المجتمع الدولي للتدخل الفوري من أجل احتواء تفشي أمراض خطيرة بين النازحين، الذين يعيشون في ظروف وصفت بأنها “كارثية” بكل المقاييس.
تحذيرات من كارثة صحية وشيكة
خلال الجلسة الأسبوعية للحكومة الفلسطينية التي عُقدت في مدينة رام الله، حذّر المسؤولون من أن قطاع غزة يقف على أعتاب كارثة صحية حقيقية، نتيجة تلوث مصادر المياه وتدمير شبكات الصرف الصحي، إلى جانب تراكم النفايات بشكل غير مسبوق وانتشار القوارض والحشرات الناقلة للأمراض. وأكد البيان الصادر عن مركز الاتصال الحكومي أن هذه الظروف تشكل بيئة مثالية لتفشي الأوبئة، خصوصًا في ظل الاكتظاظ الكبير في مراكز الإيواء.
ودعت الحكومة الفلسطينية الجهات الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة والمنظمات الصحية والإنسانية، إلى التحرك العاجل لتأمين المستلزمات الطبية والوقائية، وتسهيل إدخالها إلى القطاع، بما يساهم في الحد من انتشار الأمراض المعدية بين السكان، خاصة الفئات الأكثر ضعفًا مثل الأطفال وكبار السن.
انتشار الأمراض الجلدية والطفيليات
في تطور مقلق، أعلنت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أن آلاف الفلسطينيين في غزة يعانون من أمراض جلدية ناجمة عن انتشار القوارض والحشرات، مثل الجرذان والفئران والقمل والبراغيث والعث. وأشارت الوكالة إلى أن هذه الأمراض، التي يمكن علاجها بسهولة في الظروف الطبيعية، أصبحت تشكل تهديدًا حقيقيًا بسبب نقص الأدوية وانهيار الخدمات الصحية.
وأوضحت الأونروا أن فرقها الطبية تعالج نحو 40% من الحالات المسجلة، إلا أن الإمكانيات المحدودة تعيق الوصول إلى جميع المرضى، في ظل تزايد أعداد المصابين يومًا بعد يوم. ويعكس هذا الواقع حجم الأزمة التي يعيشها القطاع، حيث لم تعد الأمراض مجرد حالات فردية، بل تحولت إلى ظاهرة واسعة الانتشار.
أرقام صادمة من منظمة الصحة العالمية
من جهتها، كشفت منظمة الصحة العالمية عن تسجيل أكثر من 17 ألف إصابة بالأمراض المرتبطة بالقوارض والطفيليات الخارجية في قطاع غزة منذ بداية العام الجاري. ووصفت المنظمة الوضع بأنه “يائس وخطير”، مؤكدة أن الظروف الحالية تعرقل بشكل كبير جهود التعافي وتحسين الوضع الصحي.
كما أشارت المنظمة إلى ارتفاع معدلات العدوى داخل العائلات، نتيجة الاكتظاظ الشديد في أماكن الإيواء، وانعدام شروط النظافة الأساسية، بما في ذلك نقص المياه النظيفة ومواد التعقيم. وأضافت أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفشي أوبئة أكثر خطورة، مثل الكوليرا أو الأمراض المنقولة عبر المياه.
أزمة مياه وصرف صحي خانقة
يُعد تلوث المياه أحد أبرز التحديات التي تواجه سكان غزة في الوقت الراهن، حيث أدى تدمير شبكات الصرف الصحي إلى تسرب المياه العادمة واختلاطها بمصادر المياه الصالحة للشرب. ومع محدودية الوقود اللازم لتشغيل محطات التحلية والمعالجة، باتت كميات المياه النظيفة المتوفرة غير كافية لتلبية احتياجات السكان.
ويضطر العديد من السكان إلى استخدام مياه ملوثة، ما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المعوية والجلدية. كما أن غياب أنظمة الصرف الصحي الفعالة أدى إلى انتشار الروائح الكريهة وتكاثر الحشرات، ما يفاقم من سوء الوضع البيئي والصحي.
تراكم النفايات وانتشار القوارض
في ظل تعطل خدمات جمع النفايات، تتراكم القمامة في الشوارع ومحيط مراكز الإيواء، ما يوفر بيئة خصبة لتكاثر القوارض والحشرات. وقد حذرت جهات صحية من أن هذا الوضع يسهم بشكل مباشر في انتشار الأمراض، ويزيد من معاناة السكان الذين يعيشون أصلًا في ظروف قاسية.
ويؤكد مختصون أن معالجة هذه الأزمة تتطلب تدخلًا عاجلًا لإعادة تشغيل خدمات النظافة، وتوفير المعدات والوقود اللازمين، إلى جانب إدخال مواد التعقيم والمبيدات الحشرية.
مجاعة حقيقية تهدد السكان
إلى جانب الأزمة الصحية، تواجه غزة خطر المجاعة، حيث تعاني غالبية السكان من نقص حاد في الغذاء نتيجة القيود المفروضة على دخول المساعدات. وأشارت الحكومة الفلسطينية إلى أن الإدانات الدولية لم تعد كافية، داعية إلى خطوات عملية وفعالة لرفع الحصار وضمان تدفق المساعدات الإنسانية.
ويعيش نحو 2.4 مليون فلسطيني في القطاع، بينهم 1.4 مليون نازح، في ظروف معيشية صعبة، حيث يفتقرون إلى الغذاء الكافي والمياه النظيفة والرعاية الصحية. وقد أدى هذا الوضع إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية، خاصة بين الأطفال، ما يهدد بمضاعفات صحية خطيرة على المدى الطويل.
تعثر تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار
رغم دخول اتفاق لوقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، إلا أن الأوضاع في غزة لم تشهد تحسنًا يُذكر. وتتهم الحكومة الفلسطينية الكيان الصهيوني بالتنصل من التزاماته، خاصة فيما يتعلق بفتح المعابر والسماح بدخول المساعدات بالكميات المتفق عليها.
ويؤكد مراقبون أن استمرار هذه القيود يعيق جهود الإغاثة، ويمنع وصول الدعم اللازم للسكان، ما يفاقم من حدة الأزمة الإنسانية. كما أن إعادة إعمار ما دمرته الحرب لا تزال متعثرة، في ظل نقص التمويل والقيود المفروضة على دخول مواد البناء.
حصيلة ثقيلة للحرب
خلفت الحرب التي بدأت في أكتوبر 2023 خسائر بشرية فادحة، حيث تجاوز عدد القتلى 72 ألفًا، فيما بلغ عدد الجرحى أكثر من 172 ألفًا، وفق تقديرات رسمية. كما تسببت في تدمير واسع للبنية التحتية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء.
وقد أدى هذا الدمار إلى شلل شبه كامل في الخدمات الأساسية، ما جعل من الصعب على السكان تلبية احتياجاتهم اليومية، وأدى إلى تفاقم الأزمات الصحية والإنسانية.
دعوات متزايدة للتحرك الدولي
في ظل هذا الوضع المتدهور، تتزايد الدعوات الدولية للتحرك العاجل لإنقاذ سكان غزة من كارثة إنسانية وشيكة. ويؤكد مسؤولون فلسطينيون أن الوقت لم يعد يسمح بالمزيد من التأجيل، وأن التدخل الفوري أصبح ضرورة ملحة.
ويشدد خبراء على أن معالجة الأزمة تتطلب نهجًا شاملًا، يشمل إدخال المساعدات الإنسانية بشكل فوري، وإعادة تأهيل البنية التحتية، ودعم النظام الصحي، إلى جانب العمل على إيجاد حل سياسي يضمن إنهاء معاناة السكان.
مستقبل غامض ومخاوف متزايدة
يبقى مستقبل قطاع غزة محفوفًا بالمخاطر، في ظل استمرار التوترات السياسية والأمنية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية. ومع غياب حلول جذرية، يخشى كثيرون من أن تتحول الأزمة الحالية إلى كارثة طويلة الأمد، يصعب احتواؤها.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه معاناة السكان، يبقى الأمل معقودًا على تحرك دولي جاد يضع حدًا لهذه المأساة، ويعيد الحياة إلى قطاع أنهكته الحرب والحصار، ويمنح سكانه فرصة للعيش بكرامة وأمان.
