الوقت - في الوقت الذي تتلاطم فيه أمواج غرب آسيا تحت وطأة العواصف العسكرية والتحولات الجيوسياسية، جاء الخبر الصادر من أبوظبي ليتجاوز أطر الاقتصاد التقليدية؛ معلناً الخروج الرسمي لدولة الإمارات العربية المتحدة من منظمة "أوبك" وتحالف "أوبك بلس".
قد يبدو هذا الإجراء، في قشرته الخارجية، رد فعل اضطراري لمواجهة أزمات داخلية، لكنه في أعماقه يشي بتصدع تدريجي في جدار التحالف بين اللاعبين الرئيسيين في الخليج الفارسي، وظهور شقوق غائرة من شأنها أن تعيد صياغة موازين القوى في مجلس التعاون إلى الأبد. يستعرض هذا التقرير الأبعاد الثلاثة لهذا القرار: صراع البقاء الاقتصادي، التنافس على سيادة سوق النفط، والمعركة الخفية لانتزاع الريادة الإقليمية.
الجزء الأول: من الأزمة المالية إلى استراتيجية "الإنتاج بلا قيود"
إن خروج الإمارات من الأطر الرقابية لتحالف "أوبك بلس" هو، قبل كل شيء، استجابة لـ "حالة البقاء الاضطرارية" التي أملتها تداعيات حرب إيران؛ تلك الحرب التي لم تكتفِ بتهديد أمن المنطقة فحسب، بل رمت بالبنية الاقتصادية الإماراتية في أتون تحديات جوهرية لم يسبق لها مثيل، وتتجلى ملامح هذه الأزمة في ثلاثة محاور:
1. نزوح الرساميل وأزمة السيولة
لقد خلقت الحرب مناخاً من الضبابية وعدم اليقين، مما أدى إلى موجة عارمة من هروب رؤوس الأموال من الأسواق الإماراتية. وفي ظل تآكل ثقة المستثمرين في استقرار المنطقة، وجدت أبوظبي نفسها في مواجهة أزمة سيولة خانقة تهدّد استقرارها المالي.
2. شلل المسارات التقليدية ومضيق هرمز
مع تصاعد حدة الصراع وتنامي احتمالات إغلاق مضيق هرمز أو تقييد الملاحة فيه، باتت العائدات النفطية الإماراتية – التي كانت تتدفق عبر هذا الشريان الحيوي – محفوفةً بمخاطر جسيمة، مما وضع المورد المالي الأول للدولة على حافة الخطر.
3. استراتيجية الانعتاق من القيود
تهدف الإمارات من هذه الخطوة إلى استعادة زمام السيطرة المطلقة على إنتاج النفط وتسويقه؛ إذ تسعى من خلال التحلل من سقف الحصص الذي فرضه تحالف "أوبك بلس" إلى تصدير النفط بكميات غير محدودة ووفقاً لمتطلباتها الراهنة. فبينما كان إنتاجها اليومي يراوح مكانه بين 3 إلى 3.5 مليون برميل قبل تأزم الوضع في مضيق هرمز، تطمح أبوظبي اليوم لرفع هذا السقف إلى ما بين 5 و5.5 مليون برميل يومياً. إن هذا "الإنتاج المتفلت من القيود" يمثّل طوق النجاة الوحيد لتعويض العائدات المفقودة، وإعادة ترميم جدار الثقة في السوق المحلية، كبحاً لمزيد من نزيف الاستثمارات.
القسم الثاني: حلبة التنافس مع السعودية وصراع الاستحواذ على الحصص السوقية
غير أن الأمر يتخطى حدود إدارة الأزمة الداخلية؛ إذ تنبري الإمارات عبر هذا الإجراء لتنفيذ مخطط استراتيجي يرمي إلى إعادة صياغة توازنات القوة في سوق الطاقة العالمي. إن هذا المنحى في حراك أبوظبي يضع الرياض، دون مواربة، في مرمى الاستهداف المباشر، ويتجلى ذلك في محورين:
1. تجاوز مضيق هرمز وإعادة صياغة المسارات اللوجستية
تنتهج الإمارات استراتيجيةً مستحدثةً ترتكز على توظيف بنيتها التحتية المتقدمة في ميناء "الفجيرة" القابع خلف أسوار بحر عُمان؛ وهو ما يمنحها ميزةً ذهبيةً تتيح تدفق إمداداتها النفطية إلى الأسواق العالمية بمنأى عن مضيق هرمز (الذي يرزح تحت وطأة تداعيات حرب إيران). وهذا يعني، في جوهره، سعي أبوظبي الحثيث لانتزاع الحصة السوقية السعودية – التي تعبر جُلّها من خلال مضيق هرمز – عبر تقديم بدائل لوجستية أكثر أمناً واستقلاليةً.
2. تقويض مظلة "أوبك بلس"
لطالما قدّمت المملكة العربية السعودية نفسها، على مدار عقود، بصفتها الركيزة الأساسية والناظم الأوحد لمنظمة "أوبك" وتحالف "أوبك بلس". إلا أن خروج الإمارات قد أصاب هذه الآلية في مقتل، وهزّ ثقة المنتجين الآخرين في جدواها. إن هذا القرار لا يوهن من دور السعودية كـ "قائد للسوق" فحسب، بل يكشف للعالم أن تحالفات الطاقة، حين تصطدم برياح الحروب الإقليمية العاتية، تبدو أكثر هشاشةً وتصدعاً مما كانت تصوره الظنون.
الجزء الثالث: خصومةٌ ضاربةٌ في الظلال؛ من جبهة اليمن إلى السودان والقرن الأفريقي
تضرب جذور هذه التوترات عميقاً في تربة التنافس الجيوسياسي المحموم بين أبوظبي والرياض، وهو صراعٌ استعرت ناره في ملفات إقليمية متباينة، وما كان الانسحاب من منظمة "أوبك" إلا فصلاً واحداً من فصول هذا التدافع الاستراتيجي الكبير:
1. الملف اليمني ومخاطر التقسيم
على نقيض المقاربة السعودية التي ترنو إلى رتق التصدعات وتحقيق الاستقرار في اليمن، تمضي الإمارات قدماً في دعم الحركات الانفصالية – وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي – طموحاً منها في إرساء دعائم دولة مستقلة في الجنوب؛ وهو توجهٌ يمسّ صلب المصالح الاستراتيجية للمملكة ويهدّد وحدة الجار الجنوبي. وقد بلغت هذه المجابهة أوجها في الآونة الأخيرة، إذ وجدت الرياض نفسها مضطرةً لشنّ ضربات جوية استهدفت أرتالاً لوجستيةً إماراتيةً، قطعاً للطريق أمام تمدد القوات الموالية لأبوظبي في محافظاتٍ مفصلية كالمهرة وحضرموت وشبوة.
2. حرب السودان ومعادلات القرن الأفريقي
وفي المشهد السوداني المعقد، يتخندق البلدان في جبهتين متواجهتين. إن هواجس الرياض الحادة حيال التقارب الإماراتي مع الكيان الصهيوني، ومخاوفها من الأجندات التقسيمية التي تتبناها أبوظبي في منطقة "أرض الصومال"، دفعت بالمملكة إلى اتخاذ موقف دفاعيٍ حازمٍ وصارم، تصدّياً لمحاولات الهيمنة البحرية والتوسّع الإماراتي في منطقة القرن الأفريقي الحيوية.
الجزء الرابع: معركة الصدارة الاقتصادية؛ "رؤية 2030" في مواجهة هيمنة دبي
إن أعظم ميادين القتال بين البلدين لا تقع في ساحات المواجهة العسكرية، بل في ردهات الشركات الدولية وأروقة التنافس السياحي:
1. رؤية 2030 في مواجهة سيادة دبي
يطمح محمد بن سلمان عبر مشروعه الطموح "رؤية السعودية 2030" إلى نقل الثقل الاقتصادي للمنطقة من دبي إلى الرياض؛ إذ تهدف هذه الاستراتيجية إلى دفع كبريات الشركات العالمية لنقل مقارها الإقليمية إلى الأراضي السعودية عوضاً عن الإمارات.
2. انتهازية الرياض في ظلال الحرب
لقد منحت حرب إيران زخماً للمصالح السعودية على حساب جارتها؛ فبسبب انخراط الإمارات النشط في الجبهة المناهضة لإيران (بالتنسيق مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني)، باتت أكثر عرضةً لضربات الصواريخ والطائرات المسيرة مقارنةً بالسعودية. كما أن القرب الجغرافي لدبي من أتون الصراع أثار هواجس المستثمرين، وهو ما تراه الرياض اليوم "فرصةً ذهبيةً" لاستقطاب الرساميل النازحة من الإمارات.
3. رد الفعل الإماراتي الاستباقي
يأتي الخروج من منظمة "أوبك" كخطوة "للتصدي لانتهازية الرياض"؛ إذ تسعى الإمارات من خلال تثبيت عوائدها النفطية واستعراض قدراتها الإنتاجية إلى إرسال رسالة مفادها أنها، ورغم مخاطر الحرب، لا تزال لاعباً اقتصادياً موثوقاً وقوياً، ولن تسمح للسعودية باستغلال الثغرات الأمنية لابتلاع حصتها الاقتصادية.
الخاتمة: تصدعات غائرة في جدار مجلس التعاون
إن خروج الإمارات من تحالف "أوبك بلس" ليس مجرد قرار اقتصادي لاحتواء أزمة مالية، بل هو إعلان صريح عن حرب اقتصادية وجيوسياسية ضد الهيمنة السعودية. وتبرهن هذه الخطوة على أن "مجلس التعاون"، الذي تأسّس يوماً على ركيزة الأمن الجماعي، يشهد اليوم تصدعات حادة في ظل التنافس المحموم على البقاء والثروة والنفوذ؛ وهي شقوق قد تُفضي إلى انهيار هيكل التعاون الإقليمي برمته. ففي عالم ما بعد حرب إيران، تلاشت التحالفات أمام سطوة "المصالح الوطنية الفردية"، ورسمت الإمارات بهذه الخطوة مساراً ينأى بها كلياً عن مسار الرياض.
