الوقت - بعد نحو شهر من المشاورات والمناقشات المكثفة، اختار إطار التنسيق العراقي علي الزيدي مرشحاً لمنصب رئيس الوزراء. وقد كلفته أكبر كتلة برلمانية عراقية بتشكيل حكومة جديدة، ووافق الرئيس العراقي رسمياً على ترشيح الزيدي لمنصب رئيس الوزراء، وقدمه إلى البرلمان للتصويت.
بما أن الزيدي رُشِّح من قِبَل أكبر كتلة برلمانية عراقية، فمن شبه المؤكد أنه سيحصل على الأصوات اللازمة في البرلمان العراقي. وبحسب القانون، لديه مهلة أقصاها 30 يوماً لتشكيل حكومته، ثم عرض خططه على مجلس النواب للتصويت على الثقة. ويحتاج البرلمان إلى 167 صوتاً لمنح الثقة.
يتبنى العراق نظاماً سياسياً قائماً على التمثيل النسبي والإثني، إلا أن الحصص فيه تستند إلى العرف لا إلى القانون المكتوب. ووفقاً لهذا العرف، تُقسّم المناصب الحكومية بين مختلف الفئات: فالرئاسة للأكراد، ورئيس الوزراء للشيعة، ورئيس البرلمان للسنة. ويشمل هذا التقسيم أيضاً الوزارات والمناصب العليا الأخرى، بما في ذلك حصص للأقليات والجماعات الإثنية.
في الوقت نفسه، ونظراً لأن السلطة الرئيسية في العراق تتركز في يد رئيس الوزراء، فقد بات للشيعة مكانة بارزة في البنية السياسية العراقية.
من هو الوجه الجديد لرئاسة الوزراء العراقية؟
بحسب التقارير، يُعدّ الزيدي، المولود عام 1986، أصغر مرشح لمنصب رئيس وزراء العراق حتى الآن. وعلي الزيدي، واسمه الكامل في المصادر العربية "علي فالح كاظم الزيدي"، شخصية غير تقليدية في هيكل السلطة العراقية. فعلى عكس العديد من رؤساء الوزراء السابقين، دخل الساحة السياسية من أعلى المستويات ليس من قلب الأحزاب السياسية الكبرى، ولا عبر البرلمان والحكومة، بل من مجال الاقتصاد وإدارة القطاع الخاص.
وُلد في محافظة ذي قار جنوب العراق، التي أصبحت في السنوات الأخيرة إحدى أبرز مراكز الاحتجاجات الشعبية ضد الفساد والبطالة وعجز الحكومة. ويرى بعض المحللين أن هذا الموقع الجغرافي قد أضفى على انتخابه بُعدًا رمزيًا.
أكمل الزيدي دراسته في القانون، وواصل تركيز نشاطه المهني في مجالات التمويل والمصارف والاستثمار. وتُعرّفه مصادر عربية بأنه شخصية ذات خبرة في إدارة الهياكل الاقتصادية، حيث شغل مناصب قيادية أو إدارية في العديد من الشركات والمؤسسات الخاصة خلال السنوات الأخيرة.
من أبرز خبراته رئاسة مجلس إدارة الشركة القابضة أو عضويته فيه، بالإضافة إلى مشاركته في إدارة مؤسسات تعليمية مثل "جامعة الشعب" و"معهد عشتار".
كما يمتلك خبرة في العمل بالقطاع المصرفي العراقي، بما في ذلك عمله في "مصرف الجنوب"، وهي خبرة قد تُسهم في تعزيز قدراته في مواجهة الأزمات المالية وإصلاح البنية الاقتصادية للبلاد.
لكن ما لفت الانتباه أكثر من خلفية الزيدي الاقتصادية هو افتقاره للخبرة السياسية المباشرة. فهو لا يملك أي سجل وزاري، ولم يسبق له العمل في البرلمان العراقي، كما أنه ليس شخصية حزبية بارزة. وقد دفعت هذه السمة بعض وسائل الإعلام العربية إلى وصفه بأنه "تكنوقراطي" أو "مرشح توافقي"؛ شخص قد يكون انتخابه نتيجة لتوازن القوى والتوافق بين مختلف الفصائل داخل الائتلاف الشيعي. وفي الوقت نفسه، قيل إن الزيدي، الذي يملك بنكًا ويُعرف أيضًا بإدارته لقناة تلفزيونية، لا يملك خبرة تُذكر بين السياسيين العراقيين الحاليين.
تحديات تواجه الحكومة العراقية الجديدة
في الوقت نفسه، تواجه الحكومة العراقية الجديدة تحديات جمة. إذ يتعين عليها التعامل مع التداعيات السياسية والاقتصادية للحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، والتي امتدت آثارها إلى العراق، في حين أدى إغلاق مضيق هرمز إلى تعطيل صادرات النفط التي يعتمد عليها الاقتصاد العراقي.
كما ستواجه الحكومة الجديدة تحديات أخرى، منها الفساد الذي غذّى الغضب الشعبي العراقي.
يُعدّ انسحاب القوات الأمريكية أحد أهم التحديات التي تواجه الحكومة العراقية المقبلة، وهي قوات طالب الشعب والناشطون السياسيون مرارًا وتكرارًا بمغادرتها، إلا أنها لا تزال موجودة في العراق. من هذا المنطلق، تقع على عاتق حكومة الزيدي مهمة بالغة الأهمية تتمثل في إخراج الأمريكيين من العراق.
في الوقت نفسه، سيتوقف نجاح علي الزيدي أو فشله إلى حد كبير على قدرته على تشكيل حكومة متوازنة، وكسب تأييد البرلمان، وإدارة الصراعات الداخلية.
كتبت صحيفة العربي الجديد أيضًا عن الزيدي وتشكيله للحكومة، مشيرةً إلى أن تشكيل الحكومة والاتفاق على الوزارات يبدو أمرًا يسيرًا في ظل استمرار نظام المحاصصة وتوزيع الوزارات بين مختلف الفئات. ووفقًا للصحيفة، تم ترشيح علي الزيدي عبر ثلاثة من كبار قادة "الإطار التنسيقي"، وهم محمد شياع السوداني، ونوري المالكي، وقيس الخزعلي، وبذلك أنهت مهمة الزيدي في تشكيل الحكومة المقبلة إحدى أعقد الأزمات السياسية في العراق.
