الوقت - في اللحظات التاريخية الاستثنائية التي تخوض فيها المجتمعات غمار الحروب، يغدو الرأي العام هو البوصلة الجوهرية والقاعدة الأساس التي يُبنى عليها تحليل السلوك السياسي والتوجهات الاستراتيجية. وفي مرآة الواقع الإيراني، تزامنت تجربة "حرب الأربعين يوماً" مع حضورٍ شعبي طاغٍ في الميادين، جسّد أبهى صور التلاحم والاصطفاف الجماعي في مواجهة التهديد الخارجي؛ وهو التوجه الذي انعكس بصورة جلية في نتائج استطلاعات الرأي.
وفي هذا المضمار، يقدّم الاستطلاع الأخير الذي أجراه مركز قياس الآراء التابع لهيئة الإذاعة والتلفزيون في إيران إبان فترة الحرب، صورةً تستدعي التأمل العميق حيال موقف الشعب من التفاوض مع واشنطن تحت وطأة المعارك. ووفقاً لما صرح به رئيس المركز، فقد أظهرت البيانات أن 39٪ من المواطنين يقفون بصلابة ومعارضة شديدة ضد أي تفاوض مع أمريكا في زمن الحرب، بينما أبدى 25٪ تأييداً خجولاً (بدرجة قليلة أو قليلة جداً)، في حين بلغت نسبة الراغبين في التفاوض 29٪.
تبرهن هذه المعطيات الرقمية على أنه برغم عدم تماهي المجتمع في رأيٍ واحدٍ كلياً، إلا أن الثقل الوازن للرأي العام يميل بوضوح نحو رفض التفاوض ما دامت طبول الحرب تُقرع، إيماناً بأن كرامة الميدان لا تُستبدل بوعودٍ سرابية على ورق.
مرارة التجربة ونكث العهود الأمريكية
لاستنطاق نتائج هذه الاستطلاعات بعمق، يجب علينا أولاً الغوص في الجذور التاريخية والتجارب الحية التي شكلت هذا الوعي. إن أحد أهم البواعث التي صبغت نظرة الإيرانيين تجاه الولايات المتحدة بالسواد، هو "تراكم الخيبات" في التعامل معها؛ ففي ذاكرة الوجدان الجمعي الإيراني، تظل واقعة الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي ونبذ العهود الدولية وشماً من عدم الثقة لا يمحوه الزمن. لذا، فإن ممانعة شريحة واسعة من الشعب حيال التفاوض إبّان الحرب، ليست مجرد انفعالٍ عاطفي عابر، بل هي ثمرة قراءة رصينة لدروس الماضي المريرة.
ولا يزال الإيرانيون يذكرون غطرسة واشنطن وحليفها الصهيوني حتى في أتون المفاوضات النووية؛ إذ لم يتورعوا عن انتهاج مسالك العداء، فاعتدوا على السيادة الإيرانية عسكرياً في كرتين، واغتالوا القادة والمسؤولين والعلماء، ليبرهنوا للعالم أجمع أنهم قومٌ "لا عهد لهم". هذه التجارب صهرت قناعةً لدى السواد الأعظم من الإيرانيين بأن التفاوض لا يفضي حتماً إلى نزع فتيل التوتر أو صون المصالح، بل قد يُتخذ ذريعةً لمضاعفة الضغوط وتضييق الخناق.
حتى "الهدنة" يرفضها الشعب
إن أصداء نتائج استطلاع هيئة الإذاعة والتلفزيون في إيران تتجلى بوضوح في نبض الشارع وأحاديث الناس؛ فخلال أيام الحرب، كان الحضور المليوني لمختلف أطياف المجتمع في الميادين برهاناً ساطعاً على يقظتهم وانخراطهم الوجداني في قضايا الوطن الكبرى. ولعلّ ردة الفعل الشعبية حين أُعلنت "الهدنة المؤقتة" بين طهران وواشنطن كانت أصدق تعبير عن غياب الثقة؛ إذ جابهت الملايين - المرابطة في الساحات منذ فجر الصراع - تلك الهدنة بالرفض القاطع، معتبرين إياها "طوق نجاة" يمنح العدو فرصةً لالتقاط أنفاسه وإعادة ترتيب صفوفه المبعثرة.
ففي منظور الشعب الإيراني، إن وقف إطلاق النار دون ضمانات حقيقية لا ينزع أنياب التهديد، بل يمهّد الأرض لمخاطر أشدّ وطأةً في القابل من الأيام. ومن هنا، يمكننا تحليل رفض الهدنة والتفاوض كاستراتيجية شعبية واعية، قوامها سوء الظن بالخصم والاعتبار بما سلف من غدره.
إن هذا الرفض للتفاوض في زمن الحرب لا يعني بالضرورة كفراً بأصل "الدبلوماسية"، بل هو إرساءٌ لمبدأ "الدبلوماسية المشروطة"؛ أي أن التفاوض لا يستقيم معناه إلا في ظل "توازن القوى"، لا حين يحاول الخصم استغلال زخم السلاح أو سياسة الضغوط القصوى لانتزاع التنازلات.
وهذا تماماً ما يتبجّح به "دونالد ترامب" هذه الأيام، مردّداً بصلف أن على الجمهورية الإسلامية الإذعان لشروط واشنطن بلا قيد، محذّراً من عواقب وخيمة. وأمام هذا التهديد، استقر في الرأي العام الإيراني أن التفاوض مع إدارةٍ لا تبتغي سوى الاستسلام هو محض عبثٍ لن يثمر إلا تقويةً لمناهج الغطرسة، وإغراءً للعدو بمزيد من العداء في المستقبل.
نزوع الشعب نحو المقاومة وعقيدة الصمود
إن المرتكز الأساس في استقراء هذا الاستطلاع يتجلى في تلك الغلبة الراجحة للتيار الرافض لمبدأ التفاوض؛ وهي غلبةٌ تجد مسوغاتها العميقة في المناخات الاستثنائية التي تفرضها أجواء الحرب. ففي غمرة الصدامات المسلحة، تتوهّج جذوة الروح الوطنية، ويتراصّ البنيان الاجتماعي، وتتنامى الرغبة العارمة في مقارعة التهديد الخارجي بكل بأس. وفي ظل هذه البيئة المفعمة بالعزة، يُفسر أي مسعى للتفاوض بوصفه شيةً من وهن أو إشارة تقهقر؛ لذا فإن ممانعة التفاوض هنا - فضلاً عن بواعثها التاريخية - تتغذى من الحالة النفسية والاجتماعية التي تذكيها نيران الحرب في نفوس الأباة.
ويقف الشعب، مسكوناً بالريبة تجاه ما يراه "سلوكاً أمريكياً مراوغاً ومجبولاً على الزيف"، ضد أي حوار قد يفضي إلى فرض إملاءات الخصم؛ إذ رسخ في يقينهم، عبر تجارب مريرة، أن الطرف الآخر لا ينظر إلى طاولة المفاوضات إلا كأداةٍ لليّ الأذرع وتحقيق المآرب الأحادية، بعيداً عن منطق العدالة والتوازن المنشود.
لقد برهنت الإرادة الشعبية الإيرانية، عبر حضورها المهيب في الميادين ومؤازرتها المطلقة للقوات المسلحة، على روحٍ عصية على الانكسار وتأبى الإذعان. هذا التلاحم الوطني يجسّد عزماً فولاذياً على حماية حياض الوطن؛ فلا يُفرط في ذرة من تراب، ولا تُمنح في أي مسار سياسي محتمل تنازلاتٌ تخدش وجه المصالح الوطنية أو تمنح العدو نصراً مجانياً.
وفي الختام، تؤكد نتائج هذا الاستطلاع أن صياغة أي رؤية في مضمار العلاقات الخارجية - ولاسيما في أوقات الأزمات العاصفة - تستوجب إدراكاً عميقاً لنبض الشارع وتطلعاته؛ فالتغاضي عن هذا المتغير الجوهري قد يفضي إلى تآكل شرعية القرارات وإحداث شرخٍ بين القيادة والمجتمع. ومن هنا، تبرز أهمية تحليل هذه المعطيات، لا لسبر أغوار التوجهات الاجتماعية فحسب، بل لترسيم معالم الاستراتيجيات الوطنية الكبرى التي تحفظ للبلاد هيبتها وسيادتها.
