الوقت ـ حذرت هيئة أمناء المسجد الأقصى المبارك من تصاعد أعمال الحفريات الإسرائيلية في محيط المسجد الأقصى والبلدة القديمة بالقدس المحتلة، معتبرة أن هذه الأنشطة تمثل جزءاً من مشروع أوسع يستهدف إعادة تشكيل المشهد التاريخي والديموغرافي للمدينة وفرض وقائع جديدة على الأرض.
وقال عضو الهيئة والباحث المقدسي فخري أبو دياب إن سلطات الاحتلال كثفت خلال الفترة الأخيرة عمليات الحفر، خاصة في منطقة القصور الأموية والمناطق المحيطة بالمسجد الأقصى، بالتزامن مع تنفيذ مشاريع تحت الأرض تشمل قاعات ومرافق تستخدم لأغراض سياحية وأثرية، في إطار ما وصفه بمحاولات ترسيخ الرواية الإسرائيلية بشأن تاريخ المدينة.
الحفريات أداة لتغيير الواقع
وبحسب أبو دياب، فإن الحفريات لم تعد تقتصر على أعمال تنقيب أثرية، بل باتت جزءاً من استراتيجية متكاملة تهدف إلى إعادة تشكيل هوية القدس ومحيط المسجد الأقصى، عبر تغيير المعالم التاريخية فوق الأرض وتحتها وربط المواقع الاستيطانية بشبكة من الأنفاق والمنشآت الجديدة.
ويرى مختصون في الشأن المقدسي أن التوسع في هذه المشاريع يواكب مساعي إسرائيلية لتعزيز السيطرة على البلدة القديمة ومحيطها، في وقت تتصاعد فيه الاقتحامات والإجراءات الأمنية المفروضة على المسجد الأقصى ورواده.
الأوقاف الإسلامية في دائرة الاستهداف
وأشار أبو دياب إلى أن الحفريات تتزامن مع خطوات أخرى تستهدف تقليص دور دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن، من خلال توسيع نفوذ الأجهزة الإسرائيلية في إدارة محيط المسجد الأقصى وتعزيز منظومات المراقبة الإلكترونية والكاميرات الذكية المرتبطة بشرطة الاحتلال.
وتعتبر الجهات المقدسية أن هذه الإجراءات تمثل محاولة لتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى وإعادة رسم آليات الإشراف والإدارة داخله، بما ينسجم مع مطالب جماعات استيطانية تنادي بفرض واقع جديد في المكان.
التهويد يتجاوز الحجر إلى الإنسان
وحذر أبو دياب من أن المخططات الإسرائيلية لا تقتصر على المواقع الأثرية والدينية، بل تمتد إلى استهداف الوجود الفلسطيني في القدس عبر سياسات الهدم والتهجير وتوسيع المشاريع الاستيطانية.
وأشار إلى أن أحياء مثل الشيخ جراح والبستان وبطن الهوى تشهد ضغوطاً متزايدة، بالتوازي مع مشاريع استيطانية في مناطق استراتيجية حول القدس، في مسعى لإحداث تغييرات ديموغرافية تعزز الوجود الاستيطاني وتحد من التوسع العمراني الفلسطيني.
استغلال المتغيرات الإقليمية
وربطت الهيئة بين تسارع المشاريع الإسرائيلية في القدس وانشغال المجتمع الدولي والفاعلين الإقليميين بأزمات أخرى، معتبرة أن غياب الضغوط الدولية الفاعلة أتاح للاحتلال المضي في تنفيذ مخططاته بوتيرة أسرع.
كما يرى مراقبون أن الملف المقدسي عاد ليشكل إحدى ساحات التنافس داخل المشهد السياسي الإسرائيلي، حيث تسعى الأحزاب اليمينية إلى تقديم مزيد من الإنجازات لجمهورها، خصوصاً في القضايا المرتبطة بالقدس والمسجد الأقصى.
مخاوف على المعالم التاريخية
وتتواصل التحذيرات الفلسطينية والأردنية منذ سنوات بشأن تأثير الحفريات الممتدة أسفل البلدة القديمة ومحيط المسجد الأقصى على البنية الإنشائية للمباني التاريخية والأثرية.
ويؤكد خبراء ومؤسسات مقدسية أن التوسع في مشاريع الأنفاق والحفريات قد يفاقم المخاطر التي تهدد أساسات عدد من المعالم التاريخية، في وقت تواصل فيه سلطات الاحتلال تنفيذ مشاريعها الأثرية والسياحية في المنطقة.
وفي ظل هذا الواقع، تتزايد المخاوف من أن تؤدي الحفريات والإجراءات المرافقة لها إلى فرض تغييرات طويلة الأمد على المشهد العمراني والديني للقدس، بما يكرس واقعاً جديداً يصعب التراجع عنه مستقبلاً.
