الوقت - يمكن اعتبار حرب رمضان حدثاً مصيرياً فاصلاً من وجوه شتى. حرب اندلعت فور انقضاء أشهر قلائل فقط من تلك الحرب المفروضة التي استمرت اثني عشر يوماً، وعلى ذات النهج والمنوال السابقين؛ أي إنها فاجأت العالم وسط جولات المفاوضات، وبذات الذرائع المستهلكة بدعوى مواجهة البرنامج الصاروخي الدفاعي والبرنامج النووي السلمي لإيران. بيد أن هذه المشابهات الظاهرية لا ينبغي أن تخدعنا فنظنّ أن هذه الحرب ستنتهي كسابقتها ولن تغيّر من القواعد شيئاً؛ فحرب رمضان تملك من النزوع ما يجعلها قادرةً لا على تغيير النظام الإقليمي فحسب، بل على قلب موازين النظام الدولي راساً على عقب.
ويمكن إجمالاً استعراض هذه التغييرات من زاويتين رئيستين:
أولاً: التغييرات الشكلية المتعلقة بأداء المنظمات الدولية والنظام القانوني الدولي؛ وهو موضوع لطالما تعرض لضربات موجعة في السنوات الأخيرة على يد الولايات المتحدة الامريكية وشخص دونالد ترامب، أبرزها الانسحاب من المعاهدات الدولية والتغاضي عن قواعد القانون الدولي.
ففي الحقيقة، لسنوات خلت، كانت الدول الواقعة تحت وطأة ظلم الولايات المتحدة تشكو من الانتهاكات المتكررة لهذه القواعد والقوانين من قبل الغرب، إذ كان القانون الدولي يُستخدم أداةً للسيطرة وتقييد الحكومات المستقلة، ولكن وكأنما ناقوس الموت قد دقّ لهذه القوانين الأحادية الجانب في خضم حرب رمضان. ففي الأمس القريب، وسط الطوفان الهائل من الأنباء التي تناقلتها وسائل الإعلام من شتى بقاع الأرض عن الحرب، لعلّ أقلّ ما ألقي إليه بال كان التصديق على مشروع القرار البحريني؛ حتى أن الصين وروسيا لم تبذلا جهداً يُذكر لاستخدام حق النقض (الفيتو) ضده، ولسبب بسيط ولكنه رمزي للغاية: أن هذا القرار لم يكن ملزماً. وهذا هو بالضبط الوضع الذي آل اليه النظام الدولي؛ فهم على الورق يملكون كلاماً يُقال، لكنه في الواقع لا يُلزم أحداً.
ففي الحقيقة، لم يعد يعني لأحد بعد اليوم أي شيء ما هو قانوني وما هو غير قانوني، حتى الولايات المتحدة نفسها، التي كانت شرارة هذا العدوان الوحشي، لم تعد تبذل أي جهد للبحث عن مبرر قانوني لعدوانها. إن هذا الوضع من الفوضى لا يسير إلا بموجب مبدأ واحد، وهو "ضرورة الحرب"، والسبيل الوحيد للدوران في فلكها هو "القوة العسكرية"؛ وهو مبدأ يبدو أن الجمهورية الاسلامية في إيران قد أدركته على أكمل وجه، وبفضل ردودها الحاسمة والقاطعة، فإنها تصرخ في وجه العالم لتعلن أن النظام القانوني الذي نشأ في أعقاب الحرب العالمية الثانية قد تداعى وانهار.
أما النظام الذي بناه الأمريكيون بعد الحرب العالمية الثانية، ولا سيما عقب الحرب الباردة، فإنه يقوم على ركيزة أخرى، وهي الفهم السياسي للنظام الأمريكي، الذي يطلقون عليه هم أنفسهم مسمى "الباكس أمريكانا"، أي "السلام الأمريكي".
لقد كان هذا المصطلح منذ البداية محملاً بالتحيز والتناقض؛ بمعنى أن الولايات المتحدة توفّر السلام لحلفائها فحسب، ومن يقف في وجه هذا النظام الجائر فمصيره الحرب والدمار. ولقد نظرت أمريكا لعقود إلى حلفائها في الخليج الفارسي نظرةً فوقيةً، واعتبرتهم "بقرةً حلوباً"، زاعمةً أنهم عاجزون عن الدفاع عن أنفسهم لولا وجودها، وبذلك الذريعة نهبت أموالهم وثرواتهم لسنوات طوال. أما اليوم، فقد بعثت حرب رمضان بإشارة بالغة الأهمية إلى العالم أجمع، مفادها أن الوجود العسكري لأمريكا لا يؤدي إلى توفير الأمن لحلفائها. وربما يمكن للنظرة التشاؤمية أن تقول لنا إنهم لم ياتوا أصلاً للدفاع عنهم، بل كان هدفهم الدفاع عن "إسرائيل"؛ ولكن من الزاوية الأخرى يمكن القول: إن امريكا تريد ولكنها عاجزة عن الدفاع عن حلفائها.
وعلى أي حال، فلا فرق، فالمحصلة واحدة: أمريكا لم تعد هي الوصي على النظام العالمي. لقد زرعت هذه الحرب شكوكاً عميقةً في قلوب حلفاء أمريكا، ليس فقط في المنطقة بل وحتى فيما وراءها، بين الدول الأوروبية التي ترى في روسيا تهديداً كبيراً، أو في شرق العالم حيث تايوان وكوريا الجنوبية واليابان التي ترتعد فرائصها من القوة الصينية المتنامية. لقد باتوا عاجزين عن الرهان على وعود أمريكا لحمايتهم، ومن ناحية أخرى لم يعودوا قادرين على التعويل على القواعد الدولية التي كانت، حتى وقت قريب، توفّر لهم الأمن بشكل أحادي الجانب.
وإن كان الحديث اليوم عن نهاية حرب رمضان أمراً صعباً، والجزم بالنتائج المباشرة لها بشأن الدول المتورطة أمراً فيه عُسر، إلا أن هناك أمراً واحداً يمكن القطع به يقيناً: وهو أن إدراك العالم للنظام العالمي سيغدو مختلفاً بعد انتهاء هذه الحرب.
