الوقت- تشهد مناطق شمال وشرق سوريا مرحلة شديدة الحساسية مع اندلاع اشتباكات مباشرة بين قوات سوريا الديمقراطية، المعروفة اختصاراً بـ«قسد»، والقوات المحسوبة على ما يُعرف بجيش الجولاني. هذه التطورات الميدانية لا يمكن فصلها عن السياق السوري العام، الذي يتسم بتعدد الفاعلين وتشابك المصالح العسكرية والسياسية، فضلاً عن غياب تسوية شاملة تنهي حالة الصراع المستمرة منذ سنوات. فالمنطقة التي عاشت خلال الأشهر الماضية حالة من الهدوء النسبي، تعود اليوم لتتصدر واجهة الأحداث، وسط مخاوف حقيقية من تحوّل الاشتباكات المحدودة إلى صراع أوسع، ما يضع مستقبل الاستقرار الهش أمام اختبار جديد ومعقد.
خلفية العلاقة بين قسد وجيش الجولاني
العلاقة بين قسد وجيش الجولاني لم تقم يوماً على أساس تحالف استراتيجي طويل الأمد، بل تشكلت ضمن تفاهمات مرحلية فرضتها الجغرافيا وتشابك مناطق السيطرة وتداخل خطوط النفوذ. هذه التفاهمات سعت في جوهرها إلى تجنب الصدام المباشر وتنظيم خطوط التماس، خصوصاً في ظل انشغال كل طرف بتثبيت نفوذه ومواجهة تحديات عسكرية وأمنية أخرى. غير أن غياب الثقة المتبادلة، واختلاف الأهداف السياسية والعسكرية، جعلا هذه العلاقة قابلة للاهتزاز عند أول تعارض حقيقي في المصالح، وهو ما ظهر جلياً مع اندلاع الاشتباكات الأخيرة.
دلالات انهيار الاتفاق السابق
انهيار الاتفاق الذي كان قائماً بين قسد وجيش الجولاني يحمل دلالات أعمق من كونه فشلاً لترتيب أمني محدود أو تفاهم ميداني مؤقت. فهو يعكس هشاشة أي اتفاق لا يستند إلى أرضية سياسية واضحة أو ضمانات حقيقية تضمن استمراريته. كما يكشف عن احتدام الصراع على النفوذ والموارد في شمال وشرق سوريا، ويؤكد أن منطق القوة لا يزال العامل الحاسم في إدارة الخلافات بين القوى المتنافسة. هذا الانهيار يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، حيث تصبح جميع السيناريوهات، بما فيها التصعيد الواسع، احتمالات قائمة.
موقف الجيش السوري وحسابات التدخل
تصريح جيش الحكومة المؤقتة في سوريا بأنه يدرس الخيارات المتاحة لاتخاذ إجراء ضد قسد يضيف عنصراً بالغ الأهمية إلى المشهد المعقد. هذا الموقف يعكس رغبة دمشق في التأكيد على حضورها كلاعب رئيسي لا يمكن تجاهله، خاصة عندما يتعلق الأمر بمناطق تعتبرها جزءاً من السيادة الوطنية. في المقابل، فإن الاكتفاء بالإعلان عن دراسة الخيارات دون اتخاذ خطوة فورية يشير إلى حسابات دقيقة تتعلق بتوازن القوى على الأرض، وبالتداعيات الإقليمية والدولية لأي تحرك عسكري محتمل قد يعيد خلط الأوراق.
الانعكاسات الأمنية والإنسانية محلياً
على الصعيد المحلي، تنذر هذه التطورات بتداعيات أمنية وإنسانية مقلقة، قد يدفع ثمنها المدنيون بالدرجة الأولى. فاستمرار الاشتباكات قد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة، ويزيد من معاناة السكان الذين يعيشون أصلاً في ظروف اقتصادية وخدمية صعبة. كما أن تدهور الوضع الأمني يعرقل أي جهود لإعادة الاستقرار أو تحسين الواقع المعيشي، ويغذي حالة من القلق وعدم اليقين، ما ينعكس سلباً على النسيج الاجتماعي في المنطقة.
البعد الإقليمي وتأثير توازنات القوى
لا يمكن فصل ما يجري في شمال وشرق سوريا عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تتقاطع مصالح قوى متعددة لكل منها حساباته وأولوياته الخاصة. فالتوتر بين قسد وجيش الجولاني يعكس في جانب منه صراع نفوذ غير مباشر، يتأثر بمواقف إقليمية متباينة تجاه مستقبل هذه المناطق. كما أن أي تغير في موازين القوى المحلية قد ينعكس على حسابات الأطراف الإقليمية، التي تراقب التطورات عن كثب وتسعى إلى منع تشكل واقع ميداني لا يخدم مصالحها.
الأبعاد السياسية للصراع القائم
يحمل التصعيد الحالي أبعاداً سياسية تتجاوز حدود الاشتباك العسكري المباشر، إذ يعكس حالة الانسداد في المسار السياسي السوري عموماً. فغياب حل سياسي شامل يفتح المجال أمام القوى المحلية لفرض وقائع جديدة بالقوة، في محاولة لتحسين شروطها التفاوضية مستقبلاً. كما أن انهيار التفاهمات المؤقتة يؤكد أن الحلول الجزئية لا يمكن أن تصمد طويلاً، ما لم تُدمج ضمن إطار سياسي أوسع يعالج جذور الصراع.
تداعيات محتملة على الاستقرار طويل الأمد
تشير المؤشرات الحالية إلى أن استمرار حالة التوتر قد يترك آثاراً طويلة الأمد على استقرار شمال وشرق سوريا. فتعاقب جولات التصعيد يرسّخ مناخاً من عدم الثقة بين القوى المتنافسة، ويجعل أي تسوية مستقبلية أكثر تعقيداً. كما أن إطالة أمد الصراع تضعف مؤسسات الإدارة المحلية وتحدّ من قدرتها على تلبية احتياجات السكان، ما يخلق بيئة خصبة لمزيد من الاضطرابات الأمنية.
دور التفاهمات المؤقتة في إدارة الصراع
تُظهر تجربة شمال وشرق سوريا أن التفاهمات المؤقتة بين القوى المتصارعة غالباً ما تُستخدم كأدوات لإدارة الصراع لا لحلّه. ففي ظل غياب مشروع سياسي جامع، تلجأ الأطراف إلى اتفاقات مرحلية تهدف إلى كسب الوقت أو تخفيف الضغط العسكري، دون معالجة أسباب الخلاف الحقيقية. غير أن هذه التفاهمات تبقى هشة وقابلة للانهيار مع أي تغير في موازين القوى أو المصالح، كما هو الحال في الاتفاق الذي انهار بين قسد وجيش الجولاني. هذا الواقع يعكس طبيعة الصراع السوري المركّب، حيث تُنتج التسويات المؤقتة استقراراً هشاً سرعان ما يتلاشى.
آفاق المرحلة المقبلة واحتمالات التصعيد
في ضوء المعطيات الحالية، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على مسارات متعددة، تتراوح بين احتواء محدود للتوتر عبر تفاهمات جديدة، أو انزلاق تدريجي نحو مواجهة أوسع وأكثر تعقيداً. كل طرف يسعى إلى تعزيز موقعه الميداني والتفاوضي، مستنداً إلى حسابات القوة والضغط. ومع غياب ضمانات حقيقية لاستمرار أي اتفاق مستقبلي، يبقى الشمال السوري أمام مفترق طرق حساس، ستحدد نتائجه طبيعة التوازنات القادمة، ليس فقط بين قسد وجيش الجولاني، بل ضمن المشهد السوري الأوسع بأكمله.
