الوقت- تشهد الساحة السياسية داخل الكيان الإسرائيلي تصاعداً ملحوظاً في حدة الخلافات بين أركان الحكومة بشأن مشروع قانون مثير للجدل يقضي بفرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين، وهو المشروع الذي يدفع به وزير الأمن الداخلي إيتمار بن غفير بقوة، في حين يبدي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تحفظات متزايدة عليه خشية تداعياته القانونية والسياسية والأمنية على المستوى الدولي، ويكشف هذا الجدل عن صراع أعمق داخل المؤسسة الحاكمة بين التيار اليميني المتشدد الذي يسعى إلى تشديد القبضة الأمنية، وبين دوائر سياسية وأمنية ترى أن المشروع قد يحمل مخاطر استراتيجية بعيدة المدى.
مشروع قانون يثير انقساماً غير مسبوق
يهدف مشروع القانون الذي يقوده بن غفير إلى فرض عقوبة الإعدام بشكل إلزامي على الأسرى الفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين بدوافع قومية أو أيديولوجية، أو في إطار ما تصفه سلطات الكيان الإسرائيلي بـ"العمليات الإرهابية"، وينص المشروع، في صيغته الحالية، على عدم منح القضاة أي صلاحية لتخفيف الحكم أو استبداله بالسجن المؤبد، سواء في المحاكم المدنية أو العسكرية، وهو ما يجعله من أكثر مشاريع القوانين تشدداً في تاريخ المنظومة القضائية الإسرائيلية.
ويذهب المشروع أبعد من ذلك، إذ يميز بين فئتين من الأسرى الفلسطينيين: الأولى تشمل سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث تكون عقوبة الإعدام إلزامية مع السماح فقط بالطعن في الإدانة دون الحكم، أما الفئة الثانية فتشمل الأسرى من خارج هذه المناطق، ويمنح القضاء خيار الحكم بالإعدام أو السجن المؤبد دون إمكانية الإفراج في أي صفقة تبادل مستقبلية.
كما ينص المشروع على تنفيذ حكم الإعدام عبر الشنق، وهي آلية لم تُستخدم في الكيان الإسرائيلي منذ عقود، ما أثار انتقادات حقوقية وقانونية واسعة داخل وخارج المؤسسة الرسمية.
نتنياهو يحاول التعديل… وبن غفير يرفض
رغم أن الحكومة الحالية تضم أحزاباً يمينية متشددة، فإن نتنياهو لم يخفِ قلقه من الصيغة الحالية للقانون، وطلب عبر مقربين منه إدخال تعديلات جوهرية عليه، وتتمثل أبرز هذه التعديلات في إلغاء إلزامية عقوبة الإعدام ومنح القضاة صلاحية الاختيار بين الإعدام والسجن المؤبد، إضافة إلى السماح بالطعن في الحكم نفسه، بما يتوافق مع التزامات الكيان الإسرائيلي في القانون الدولي.
كما سعى نتنياهو إلى حذف بند مثير للجدل يتضمن تطبيق عقوبة الإعدام في حالات "القتل بدوافع قومية" إذا كان الضحية إسرائيلياً، وهو بند يرى منتقدوه أنه قد يفتح الباب أمام اتهامات بالتمييز العنصري، وخصوصاً في حال وقوع جرائم عنف من مستوطنين يهود ضد فلسطينيين.
لكن بن غفير رفض بشكل قاطع أي تعديل على المشروع، معتبراً أن "التشدد" هو السبيل الوحيد لردع الهجمات ضد الإسرائيليين، ما أدى إلى تصاعد التوتر داخل الائتلاف الحاكم، وفتح باب مواجهة سياسية بين جناحين داخل الحكومة.
مخاوف أمنية وقانونية
لم تقتصر الاعتراضات على المستوى السياسي، بل امتدت إلى المؤسسات الأمنية والقانونية، فقد أعرب جهاز الأمن الداخلي (الشاباك) ووزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي عن تحفظات واضحة على المشروع، محذرين من تداعياته على الأمن القومي والعلاقات الخارجية.
وترى هذه المؤسسات أن فرض الإعدام الإلزامي قد يؤدي إلى تصعيد ميداني خطير، ويزيد من احتمالات تنفيذ عمليات انتقامية، فضلاً عن تأثيره السلبي المحتمل على مصير الأسرى الإسرائيليين المحتجزين لدى الفصائل الفلسطينية، وهو ما أشار إليه مسؤول ملف الأسرى والمفقودين، الذي حذر سابقاً من أن تمرير القانون قد يعرض حياة هؤلاء للخطر.
أما على المستوى القانوني، فقد أشار المستشار القانوني للكنيست إلى وجود عقبات دستورية في الصيغة الحالية، وخصوصاً فيما يتعلق بإلزام القضاء بحكم محدد دون سلطة تقديرية، وهو ما قد يتعارض مع مبادئ أساسية في النظام القضائي.
هواجس دولية وضغوط غربية
تأتي تحفظات نتنياهو في ظل ضغوط دولية متزايدة، خاصة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، اللذين أبديا قلقاً من أن يؤدي إقرار القانون بصيغته الحالية إلى انتقادات حقوقية حادة وعزلة سياسية للكيان الإسرائيلي.
ويخشى نتنياهو أن يستخدم القانون كدليل ضد الكيان الإسرائيلي في المحافل الدولية، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، لتدعيم اتهامات تتعلق بالتمييز أو ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، وتشير تقارير إلى أن نتنياهو استشهد بالنموذج الأمريكي في تطبيق عقوبة الإعدام، مؤكداً ضرورة ألا يتجاوز القانون الإسرائيلي المعايير المعمول بها في الولايات المتحدة.
صراع داخل الائتلاف الحاكم
تعكس الأزمة الحالية تبايناً واضحاً داخل الائتلاف الحاكم، إذ يرى بعض أعضاء الكنيست أن مشروع بن غفير يفتقر إلى التنسيق مع الأجهزة الأمنية واللجان القانونية المختصة، فيما حذر آخرون من أن الإصرار على الصيغة الحالية قد يؤدي إلى تصويت معارض داخل الائتلاف نفسه.
وقد برزت هذه الخلافات بشكل واضح عندما طلب مكتب نتنياهو من أحد نواب حزب الليكود الاعتراض على النسخة التي قدمتها نائبة مقربة من بن غفير خلال مناقشات اللجنة البرلمانية، في خطوة غير معتادة تعكس عمق الانقسام داخل الحكومة.
أبعاد سياسية وأيديولوجية
لا يقتصر الجدل حول القانون على أبعاده القانونية والأمنية، بل يمتد إلى سياق سياسي وأيديولوجي أوسع، فابن غفير، المعروف بمواقفه اليمينية المتشددة، يسعى إلى ترسيخ نهج أمني صارم تجاه الفلسطينيين، ويرى في القانون رسالة ردع قوية. في المقابل، يحاول نتنياهو الموازنة بين مطالب شركائه اليمينيين والحفاظ على علاقات الكيان الإسرائيلي الدولية وتجنب أزمات قانونية قد تلاحقه على الساحة العالمية.
كما أن القانون، في حال إقراره بصيغته المتشددة، قد يعيد طرح نقاشات داخل المجتمع الإسرائيلي حول استخدام عقوبة الإعدام، التي ظلت مثار جدل تاريخي، ولم تُطبق إلا في حالات نادرة جداً.
تداعيات محتملة على المشهد الإقليمي
يرى مراقبون أن تمرير القانون قد يؤدي إلى تصعيد التوتر في الأراضي الفلسطينية، ويزيد من حدة المواجهات، كما قد يؤثر على أي جهود مستقبلية للتهدئة أو التفاوض. كذلك قد يشكل القانون سابقة قانونية مثيرة للجدل في المنطقة، خصوصاً إذا تم تطبيقه بشكل انتقائي أو في سياق صراع سياسي وعسكري مستمر.
مستقبل القانون… بين التشدد والتعديل
حتى الآن، لا يزال مشروع القانون في مرحلة المناقشة داخل اللجان البرلمانية، ولم يُطرح بعد للتصويت النهائي في القراءتين الثانية والثالثة في الكنيست. وتشير تقديرات إلى أن نتنياهو لن يسمح بتمريره بصيغته الحالية، لكنه في الوقت نفسه يواجه ضغوطاً من شركائه في اليمين المتطرف الذين يرون في أي تعديل "تنازلاً سياسياً".
ويبقى مستقبل القانون مرهوناً بقدرة نتنياهو على تحقيق توازن بين اعتبارات السياسة الداخلية ومتطلبات العلاقات الدولية، في ظل مشهد سياسي متوتر وانقسامات متزايدة داخل الحكومة.
تكشف أزمة مشروع إعدام الأسرى الفلسطينيين عن تعقيدات عميقة داخل بنية الحكم في الكيان الإسرائيلي، حيث تتقاطع الحسابات الأمنية مع الاعتبارات القانونية والضغوط الدولية والصراعات الأيديولوجية. وبينما يواصل بن غفير الدفع نحو تشديد غير مسبوق، يسعى نتنياهو إلى تجنب تداعيات قد تتجاوز حدود السياسة الداخلية لتطال مكانة الكيان الإسرائيلي على الساحة الدولية. وفي ظل استمرار الجدل، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان القانون سيخرج بصيغة معدلة أم سيظل نقطة توتر جديدة في مشهد سياسي إسرائيلي شديد الاستقطاب.
