الوقت - لطالما كانت التحركات العسكرية الأمريكية المتقطعة في العراق، لا سيما في ظل التطورات الإقليمية الهامة، محط اهتمام وسائل الإعلام ومثار تكهنات سياسية وعسكرية متنوعة. وفي الأيام الأخيرة، أجرت الولايات المتحدة تغييرًا جوهريًا في ترتيب وجودها العسكري في العراق، حيث أعلنت الحكومة العراقية رسميًا سحب قاعدة عين الأسد العسكرية بالكامل من سيطرة القيادة العسكرية الأمريكية ووضعها تحت تصرف الجيش العراقي.
وأصدرت اللجنة العسكرية العليا لإنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، بيانًا يوم الأحد أعلنت فيه انسحاب جميع مستشاري التحالف الدولي من القواعد العسكرية ومراكز القيادة الواقعة في المناطق الاتحادية الرسمية في العراق.
وبحسب تقرير صادر عن وحدة المعلومات الأمنية العراقية، أعلنت اللجنة أن العدد القليل المتبقي من المستشارين في قاعدة عين الأسد الجوية ومقر العمليات المشتركة قد غادروا هذه المواقع أيضاً، وأن هذه المراكز أصبحت الآن تحت إدارة قوات الأمن العراقية بالكامل.
تشير التقارير إلى أن هذا التغيير في الوضع تم تنفيذه بما يتماشى مع تنفيذ اتفاقية 2024، والآن تتركز غالبية القوات الأمريكية في قاعدة الحرير في محافظة أربيل في إقليم كردستان العراق، وبغضّ النظر عن المركز العسكري للدعم الدبلوماسي في مطار بغداد، فقد تم وضع بقية المراكز العسكرية الأمريكية تحت تصرف الجيش العراقي. وتجدر الإشارة إلى أنه وفقًا للاتفاقية الموقعة عام 2024 بين بغداد وواشنطن بشأن الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية من العراق على مرحلتين، كان من المفترض أن تنتهي المرحلة الأولى في سبتمبر 2025، إلا أنها انتهت في ديسمبر الماضي. وتستمر المرحلة الثانية حتى سبتمبر 2026، ومن المتوقع في نهايتها انسحاب كامل، حتى للمستشارين والقوات المتبقية، ما لم يتم التفاوض على تعديلات جديدة أو إدراج تمديد في اتفاقيات مستقبلية.
عين الأسد: نهاية رمز الاحتلال العسكري للعراق
إن الانسحاب الأمريكي من عين الأسد ليس مجرد تغيير عسكري أو نقل للموقع، بل هو انسحاب ذو دلالة رمزية بالغة الأهمية، إذ يُرسّخ صورةً لنهاية الاحتلال الأمريكي للعراق؛ وهي قضية لطالما مثّلت المطلب الرئيسي لشريحة واسعة من الرأي العام العراقي لسنوات طويلة، إلا أن مسؤولي البيت الأبيض، رغم المواقف السياسية والمناورات الدعائية، کانوا يرفضون الاستجابة لها.
تقع قاعدة عين الأسد الجوية في محافظة الأنبار، وكانت سابقاً أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في العراق، ومركزاً للنقل والإمداد بالوقود، والطريق الرئيسي لدخول القوات الأمريكية من خارج العراق إلى داخله. وفي هذا السياق، لعبت دوراً محورياً في إدارة العمليات العسكرية الأمريكية في العراق.
شُيِّدت هذه القاعدة خلال حكم صدام حسين في ثمانينيات القرن الماضي في منطقة صحراوية تبعد 160 كيلومترًا غرب بغداد. وكانت إحدى خمس قواعد عسكرية كبيرة خطّط العراق لبنائها منذ عام 1975، مستفيدًا من دروس الحرب العربية الإسرائيلية. ويُقال إن شركات يوغسلافية مملوكة للدولة قامت ببنائها بين عامي 1981 و1990 بتكلفة 280 مليون دولار. سُميت القاعدة آنذاك بـ القادسية، تخليدًا لذكرى معركة العرب والإيرانيين الشهيرة. وبعد ذلك، عُرفت لفترة باسم " Objective Webster"، وتُعرف الآن باسم "عين الأسد".
بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، أصبحت هذه القاعدة إحدى أكبر القواعد الأمريكية في المنطقة. وكانت القوات الأسترالية أولى القوات التي سيطرت عليها خلال ما يُعرف بعملية تحرير العراق. ثم استعادتها القوات الأمريكية لاحقًا، لتصبح ثاني أكبر قاعدة في العملية.
تضمّ القاعدة مدرجًا معبدًا بالإسفلت، يبلغ طوله 4000 متر، وتقع على ارتفاع 188 مترًا فوق سطح البحر. وتبلغ مساحتها ما يُقارب مساحة المنطقة الخضراء في بغداد، أي حوالي 10 كيلومترات مربعة.
سُلمت قاعدة عين الأسد إلى القوات العراقية عام 2009، لكن استعادتها القوات الأمريكية عام 2014، إثر هجوم تنظيم داعش الإرهابي على العراق، لتصبح مركز قيادتها وتخطيطها وعملياتها العسكرية الرئيسية في المنطقة. وقد زارها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2018.
ونظرًا للأهمية الاستراتيجية والرمزية لعين الأسد بالنسبة للوجود العسكري الأمريكي في العراق، شنّ الحرس الثوري الإيراني هجومًا صاروخيًا واسع النطاق وغير مسبوق على القاعدة صباح الأربعاء 8 يناير / كانون الثاني 2019، ردًا على استشهاد اللواء قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس ورفاقهما.
لماذا قاعدة الحرير الجوية؟
تُعدّ قاعدة الحرير الجوية من أهم مراكز القوات الأمريكية في المنطقة، إذ تقع على بُعد 75 كيلومترًا من مركز مدينة أربيل، وهي أقرب قاعدة أمريكية إلى الحدود الإيرانية، على بُعد حوالي 115 كيلومترًا.
تضمّ القاعدة معدات عسكرية ثقيلة، ورادارات متطورة، وصواريخ، ومدرجًا للطائرات المقاتلة. تمركزت القوات الأمريكية فيها عام 2015 بذريعة محاربة تنظيم داعش، ثم بقيت هناك لتدريب قوات البيشمركة، وبذريعة مماثلة، اتخذت خطوات لتوسيع القاعدة منذ أواخر عام 2018.
يتوقع المراقبون أن يكون الوجود الأمريكي في قاعدة الحرير الجوية طويل الأمد، ومن المرجح أن يستمر لسنوات، لأسباب تتجاوز محاربة فلول تنظيم داعش. وتشمل هذه الأسباب الدعم السياسي للأكراد، لا سيما وأن حكومة إقليم كردستان العراق ترى الوجود الأمريكي ضمانةً للأمن والاستقرار السياسي، على عكس الحكومة الاتحادية في بغداد، التي واجهت ضغوطاً كبيرةً من فصائل مختلفة لطرد القوات الأجنبية والأمريكية.
في الواقع، يُشير انتقال القوات الأمريكية من وسط إقليم كردستان العراق إلى شماله، بالتزامن مع خطوتها السياسية الأخيرة لإنشاء أكبر قنصلية أمريكية في غرب آسيا في المنطقة نفسها، إلى سعي واشنطن لجعل أربيل مركزًا رئيسيًا لأنشطتها العسكرية والسياسية والدبلوماسية في العراق، ومنحها ثقلًا كورقة ضغط على بغداد.
كما يُهيئ هذا الوضع بيئةً مواتيةً لوجود سياسي وعسكري أمريكي أقلّ تكلفةً في العراق، حتى أن قاعدة الحرير الجوية تُعتبر منصةً لوجستيةً حيويةً لدعم العمليات الأمريكية في شمال شرق سوريا.
وقال مهند سلوم، أستاذ الدراسات الأمنية في معهد الدوحة للدراسات المتقدمة، لصحيفة العربي الجديد: "لا يُمكن اعتبار قاعدة الحرير الموقع الوحيد المتبقي، ولكن يُمكن وصفها بأنها القاعدة الأخيرة والأكثر تحصينًا، على الرغم من إخلاء القواعد الرئيسية".
