الوقت- في أزمنة الحروب، لا تُقاس المخاوف فقط بعدد الصواريخ أو بحجم الخسائر المعلنة، بل تُقاس أيضًا بسلوك الأفراد والجماعات، وبالخيارات الاقتصادية التي يتخذونها تحت ضغط القلق الوجودي، خلال الأسابيع الأخيرة، برز في كيان الاحتلال الإسرائيلي سلوك لافت يتمثل في الاندفاع غير المسبوق نحو الحصول على التأمين، ولا سيما التأمين على المنازل والممتلكات والأثاث، هذا السلوك، الذي تناولته الصحيفة العبرية الاقتصادية “غلوبس”، لا يمكن قراءته باعتباره إجراءً احترازيًا عاديًا، بل بوصفه مؤشرًا عميقًا على مستوى الخوف داخل المجتمع الإسرائيلي، وربما دلالة أوضح من أي خطاب سياسي أو عسكري على القلق الحقيقي من اندلاع حرب واسعة النطاق، وخصوصًا بعد حرب الأيام الاثني عشر مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
التأمين كمرآة للخوف الجماعي
عادةً ما يُنظر إلى التأمين باعتباره أداة لإدارة المخاطر، لكن في السياق الإسرائيلي الحالي تحوّل إلى مرآة تعكس حجم القلق الشعبي، فحين يتسارع الأفراد إلى تأمين منازلهم وأثاثهم وممتلكاتهم الشخصية، فإنهم يعبّرون ضمنيًا عن توقعهم لسيناريوهات أسوأ، تتجاوز الأعطال اليومية أو الحوادث العرضية، الخوف هنا ليس مجرد هاجس فردي، بل حالة جمعية، تغذّيها التجربة القريبة للضربات الصاروخية، وصور الدمار التي شاهدها الإسرائيليون داخل عمق كيانهم، لا على أطرافه فقط كما اعتادوا في حروب سابقة.
ما الذي قالته “غلوبس”؟ دلالات الأرقام والإحصاءات
حسب ما أوردته صحيفة “غلوبس” العبرية، شهدت شركات التأمين الإسرائيلية ارتفاعًا حادًا في الطلب على وثائق التأمين المرتبطة بالحرب والأضرار الناجمة عن الصواريخ والحرائق والانفجارات، ورغم أن الصحيفة تناولت الموضوع بلغة اقتصادية، فإن الأرقام التي عرضتها تحمل في طياتها بعدًا نفسيًا وسياسيًا واضحًا، فارتفاع الطلب على التأمين على المنازل والأثاث لا يحدث عادة إلا عندما يشعر الناس بأن الخطر بات قريبًا ومحتملًا، وليس مجرد تهديد نظري، هذا الارتفاع، وفق مراقبين، يعكس إدراكًا إسرائيليًا داخليًا بأن الجبهة الداخلية لم تعد محصّنة كما كان يُروَّج لها لسنوات طويلة.
من الأمن المطلق إلى القلق الوجودي
لطالما بنت المؤسسة الإسرائيلية سرديتها على مفهوم “الأمن المطلق” والقدرة على الردع، لكن السلوك الشعبي الأخير يشي بتآكل هذه السردية، فالمواطن الذي يهرع لتأمين منزله وأثاثه لا يثق تمامًا بقدرة الجيش أو منظومات الدفاع الجوي على حمايته، هذا التحول في الوعي الجمعي يُعدّ تطورًا خطيرًا بالنسبة للكيان، لأنه يمسّ أحد أعمدة بقائه: شعور المستوطن بالأمان داخل الأرض المحتلة.
حرب الـ12 يومًا مع إيران: نقطة التحول
لا يمكن فصل هذا الاندفاع نحو التأمين عن حرب الأيام الاثني عشر مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فهذه المواجهة، بما حملته من ضربات دقيقة وقوية، شكّلت صدمة حقيقية للإسرائيليين، وللمرة الأولى، وجدوا أنفسهم أمام خصم قادر على إلحاق أضرار مباشرة بالبنية التحتية الحيوية، وعلى تهديد العمق الاقتصادي والعسكري في آن واحد، هذه الحرب لم تكن مجرد جولة عسكرية عابرة، بل لحظة كاشفة لحدود القوة الإسرائيلية، ولقدرة الطرف الآخر على تغيير قواعد الاشتباك.
الضربات الإيرانية وتأثيرها على الجبهة الداخلية
أظهرت الضربات الإيرانية، وفق تقارير متعددة، قدرة على تجاوز بعض منظومات الدفاع، وإحداث أضرار مادية ملموسة، هذه الأضرار، حتى وإن حاول الإعلام الإسرائيلي التقليل من شأنها، تركت أثرًا نفسيًا عميقًا، فالمستوطن الذي رأى صور الحرائق والانفجارات، أو سمع صفارات الإنذار في مدن لم تعتد ذلك، بات يفكر بمنطق مختلف: ماذا لو تكررت الضربة؟ وماذا لو كانت أشد؟ هنا يصبح التأمين ملاذًا نفسيًا قبل أن يكون إجراءً ماليًا.
الاقتصاد تحت الضغط: شركات التأمين في الواجهة
اللافت أن شركات التأمين نفسها وجدت نفسها أمام تحدٍّ مزدوج: من جهة، ارتفاع الطلب بشكل مفاجئ، ومن جهة أخرى، ارتفاع مستوى المخاطر، هذا الوضع يعكس بدوره حالة عدم اليقين التي يعيشها الاقتصاد الإسرائيلي ككل، فحين ترتفع أقساط التأمين، أو تُشدد شروطه، فإن ذلك يعني ضمنيًا أن السوق يتوقع مخاطر أكبر في المستقبل القريب، وهكذا يتحول التأمين إلى مؤشر اقتصادي مبكر على احتمالات التصعيد.
الخوف الإسرائيلي مقارنة بالأطراف الأخرى
ما يميز الحالة الإسرائيلية هو أن هذا الخوف يبدو أكبر من خوف أطراف أخرى في المنطقة، رغم امتلاك "إسرائيل" ترسانة عسكرية ضخمة ودعمًا دوليًا واسعًا، هذا التناقض يطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا يخاف الإسرائيليون أكثر؟ الإجابة تكمن في هشاشة الجبهة الداخلية، وفي طبيعة الكيان القائم على استقدام مستوطنين يحتاجون دائمًا إلى شعور بالأمان كي يبقوا، وعندما يتزعزع هذا الشعور، تظهر ردود فعل سريعة، مثل الاندفاع نحو التأمين.
الإعلام الإسرائيلي ومحاولة ضبط الرواية
حاول الإعلام الإسرائيلي، بما فيه “غلوبس”، تقديم هذه الظاهرة في إطار اقتصادي تقني، متجنبًا الغوص في أبعادها النفسية والسياسية، غير أن القارئ المتأمل يدرك أن الأرقام لا تكذب، فالتزايد الكبير في طلبات التأمين لا يمكن فصله عن إدراك داخلي بأن مرحلة جديدة من الصراع قد بدأت، وأنها قد تكون أكثر تكلفة من سابقاتها.
التأمين كبديل عن الثقة بالمستقبل
في المجتمعات المستقرة، يُنظر إلى التأمين كخيار إضافي، أما في المجتمعات القلقة فيتحول إلى ضرورة ملحّة، هذا ما يحدث اليوم في كيان الاحتلال، فالتأمين هنا ليس مجرد وثيقة، بل تعبيراً عن فقدان الثقة بالمستقبل القريب، وعن شعور بأن الحرب لم تعد احتمالًا بعيدًا، بل سيناريو واقعي يجب الاستعداد له.
هل يشير هذا السلوك إلى عدم الثقة بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية
يمكن قراءة هذا السلوك بوصفه مؤشرًا غير مباشر على تراجع الثقة بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، أو على الأقل تآكل صورتها التقليدية كضامن مطلق للأمن، فالمجتمع الذي يثق بشكل كامل بقدرة جيشه على الردع والحماية لا يلجأ عادةً إلى إجراءات فردية مكثفة لتعويض هذا الشعور، مثل الاندفاع الواسع نحو التأمين على المنازل والممتلكات، هذا السلوك يعكس فجوة متزايدة بين الخطاب الرسمي الذي يؤكد الجهوزية والتفوق العسكري، وبين الإحساس الشعبي اليومي الذي تشكّل بفعل التجربة المباشرة للضربات، وصوت صفارات الإنذار، واحتمال امتداد الحرب إلى العمق، فالمواطن الإسرائيلي، حين يؤمّن بيته وأثاثه، لا يتصرف بدافع عقلاني اقتصادي فحسب، بل بدافع فقدان اليقين بقدرة المؤسسة العسكرية على منع الضرر من الأساس، وبذلك يصبح التأمين بديلاً نفسيًا عن الثقة، ومحاولة فردية لسدّ فراغ أمني متنامٍ، ما يشير إلى تحول عميق في العلاقة بين المجتمع الإسرائيلي وجيشه، من علاقة اطمئنان مطلق إلى علاقة حذر وقلق وانتظار للأسوأ.
ختام القول
إن تسارع الإسرائيليين إلى الحصول على التأمين في زمن الحرب ليس تفصيلًا اقتصاديًا عابرًا، بل ظاهرة تحمل دلالات عميقة على مستوى الخوف الجماعي، وتآكل الشعور بالأمان، وتأثير الضربات الإيرانية خلال حرب الأيام الاثني عشر، الأرقام التي نشرتها “غلوبس” تؤكد أن المجتمع الإسرائيلي يعيش حالة قلق غير مسبوقة، وأن الجبهة الداخلية باتت تشعر بثقل المواجهة أكثر من أي وقت مضى، وفي النهاية، قد يكون هذا الخوف، المنعكس في سلوك اقتصادي واضح، أحد أهم مؤشرات التحول في موازين الصراع، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لطمأنة مجتمع يعيش تحت هاجس الحرب الدائمة.
