الوقت- اعترفت وزارة الحرب في كيان الاحتلال الإسرائيلي بارتفاع غير مسبوق في معدلات الاضطرابات النفسية وحالات الانتحار بين جنود الاحتلال منذ بدء العدوان على قطاع غزة في اكتوبر عام 2023، وذلك في اعتراف يعكس عمق الأزمة النفسية التي تضرب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مع استمرار الحرب.
كشفت وزارة الحرب الإسرائيلية، وفق ما نقلته صحيفة جيروزاليم بوست، عن زيادة حادة في الاضطرابات النفسية بين جنود الاحتلال منذ اندلاع العدوان على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث ارتفعت معدلات الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة بنحو 40% مقارنة بالفترات السابقة، وسط توقعات بأن تتضاعف هذه النسبة بشكل كبير خلال السنوات المقبلة إذا استمرت تداعيات الحرب دون حلول.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن 60% من أصل 22 ألف جندي يتلقون علاجاً جراء إصابات جسدية يعانون أيضاً من مشاكل نفسية تشمل القلق والاكتئاب ونوبات الهلع واضطرابات النوم، إضافة إلى أعراض صادمة مرتبطة بالمعارك المباشرة.
كما سجلت وزارة الحرب الإسرائيلية زيادة بنسبة 50% في لجوء الجنود إلى “العلاجات البديلة” مثل التأمل والعلاج بالفن، في ظل الضغط الكبير على منظومة الصحة النفسية العسكرية ونقص المختصين.
وفي سياق متصل، أوضحت معطيات صادرة عن منظمة “مكابي” الصحية أن 39% من الجنود الذين خدموا في غزة أو جبهات أخرى طلبوا دعماً نفسياً رسمياً، بينما عبّر ربعهم تقريباً عن مخاوف من تدهور حالتهم النفسية. وتشير التقارير إلى صعوبات متزايدة في اندماج الجنود بالحياة المدنية بعد الخدمة، مع تسجيل حالات تفكك أسري وعنف داخلي واعتماد متزايد على المهدئات، إضافة إلى تنامي القلق من ارتفاع حالات الانتحار داخل الجيش.
أرقام صادمة
وفي نفس السياق أفادت القناة 13 العبرية بأن 74 جندياً وضابطاً في جيش الاحتلال الإسرائيلي أقدموا على الانتحار منذ اندلاع العدوان على غزة، في مؤشر خطير على تصاعد الأزمة النفسية داخل المؤسسة العسكرية.
وأضافت القناة أن 279 جندياً آخرين حاولوا الانتحار خلال الفترة نفسها، ما يعكس مستوى غير مسبوق من الضغوط النفسية التي يتعرض لها الجنود.
وكشفت بيانات صادرة عن الجيش الإسرائيلي انتحار 22 جندياً خلال عام 2025، وهو أعلى رقم يُسجَّل منذ نحو 15 عاماً، في حين يحذّر مسؤولون عسكريون من أن عام 2026 سيكون الأصعب على الصحة النفسية لأفراد الجيش.
وبحسب البيانات، فإن 22 جندياً إسرائيلياً انتحروا أثناء الخدمة الفعلية خلال العام الماضي، وهو أعلى رقم منذ عام 2010 الذي شهد انتحار 28 جندياً.
وأوضحت المعطيات أن 12 من المنتحرين خلال عام 2025 كانوا مجنّدين إلزاميين، و9 من جنود الاحتياط، وجندياً واحداً محترفاً، فيما كان 12 منهم جنوداً في وحدات قتالية، و5 في أدوار دعم قتالي، و5 في مهام غير قتالية.
كما أظهرت البيانات أن 14 حالة انتحار وقعت خارج القواعد العسكرية، مقابل 8 حالات داخلها، في حين كان 5 من الجنود المنتحرين معروفين لدى ضباط الصحة النفسية ويتلقون الرعاية.
وتشير هذه الإحصائيات إلى أنه منذ اندلاع حرب غزة سُجِّل ارتفاع ملحوظ في عدد الجنود الذين يقدمون على إنهاء حياتهم أثناء الخدمة الفعلية، سواء في الخدمة النظامية أو الاحتياط، مقارنة بالسنوات السابقة.
وبحسب بيانات الجيش، أنهى 7 جنود حياتهم بين 7 أكتوبر 2023 ونهاية العام ذاته، بينما انتحر 21 جندياً خلال عام 2024.
غير أن بيانات الجيش لا تعكس الصورة الكاملة، وفقاً لصحيفة «هآرتس»، إذ لا تشمل الجنود الذين انتحروا بعد مغادرتهم الخدمة، ويُقدَّر عددهم بنحو 15 جندياً.
ولم يحدد الجيش العوامل المشتركة بين المنتحرين، بينما أرجع مسؤولون عسكريون ارتفاع عدد حالات الانتحار خلال فترة القتال إلى الزيادة الكبيرة في عدد الأفراد في الخدمة الفعلية، ولا سيما جنود الاحتياط.
وقالت مصادر عسكرية إن كثيرين ممن أقدموا على الانتحار كانوا قد تعرضوا لمشاهد وحوادث قتالية قاسية، تركت آثاراً عميقة على صحتهم النفسية.
كيف سيكون عام 2026 على جنود الاحتلال؟
في هذا السياق حذّر مسؤولون في جيش الاحتلال من أن عام 2026 سيكون العام الذي ستتراكم فيه الضغوط النفسية على المجنّدين بعد مغادرتهم الخدمة، مؤكدين أن الجيش يستعد لمرحلة ما بعد الحرب، ومن المتوقع أن يُنشئ وحدات جديدة لمتابعة الصحة النفسية للجنود.
ويرى محللون إسرائيليون أن هذه الأرقام تعكس الكلفة النفسية الباهظة التي تكبدها جنود الاحتلال نتيجة المعارك العنيفة والخسائر البشرية والمواجهات المباشرة مع المقاومة الفلسطينية، محذرين من أزمة نفسية طويلة الأمد قد تهدد الجهوزية القتالية والاستقرار الداخلي للمؤسسة العسكرية والمجتمع الإسرائيلي وبالتالي تكون المؤسسة العسكرية بأكملها بخطر.
