الوقت- في الحروب الحديثة، لا تُقاس القوة العسكرية بالأسلحة فقط، بل بقدرة الأطراف على إدارة الاقتصاد، وتأثيره على حياة المدنيين، والتحكم في الموارد، وخلق الفوضى المنظمة، قطاع غزة مثال صارخ على ذلك، حيث يفرض الاحتلال الإسرائيلي حصارًا خانقًا منذ أكثر من سبعة عشر عامًا، يتحكم فيه بكل صغيرة وكبيرة، ويحدّد ما يُسمح بدخوله من سلع أساسية، ويقيّد المساعدات الإنسانية، في حين يسمح في الوقت ذاته بتهريب سلع معينة كالسجائر، التي تحولت إلى أداة اقتصادية واجتماعية لها تأثير كبير على السكان.
قضية تورط شقيق رئيس جهاز الشاباك الإسرائيلي في تهريب السجائر إلى غزة، وفق تقارير إعلامية عبرية، ليست مجرد فضيحة جنائية، بل تعكس استراتيجيات الاحتلال في إدارة الاقتصاد والسيطرة على المجتمع الفلسطيني، هذه القضية تكشف ازدواجية واضحة في السياسة الإسرائيلية: بينما يُحاصر السكان ويُقيد وصول الضروريات، يُفتح الباب أمام تهريب السلع المربحة، ما يُحول المجتمع إلى سوق مُدمّر، ويؤسس لفوضى منظمة تُنهك النسيج الاجتماعي.
تهريب السجائر في غزة يعكس استراتيجية متكاملة للاحتلال، تجمع بين الحصار، والتجويع، والتهريب، والإدمان، لإعادة تشكيل المجتمع الفلسطيني قسرًا، غزة لا تُحاصر فحسب، بل تُعاد هندستها اقتصاديًا واجتماعيًا، بحيث تبقى في حالة إنهاك دائم، غير قادرة على التعافي أو الاستقرار، الاقتصاد الخفي للحرب هنا هو أحد أخطر أدوات الاحتلال، لأنه يقتل دون إطلاق رصاصة، ويُفكك المجتمع من الداخل، ويُحوّل معاناة المدنيين إلى مصدر ربح واستنزاف دائم، ليصبح ما يُقدَّم للعالم على أنه فوضى داخلية هو في الجوهر نتيجة سياسة استعمارية دقيقة تُتقن صناعة الخراب وإدارته.
الحصار الاقتصادي وأثره على السوق الفلسطينية
الحصار الإسرائيلي على غزة لم يكن إجراءً مؤقتًا أو أمنيًا فحسب، بل سياسة طويلة المدى لإعادة تشكيل المجتمع الفلسطيني قسرًا، التحكم في دخول السلع، وتحديد كمياتها، ومنع دخول المواد الحيوية، أدى إلى تعطيل الاقتصاد المحلي وإضعاف قدرة السكان على التكيف مع الأزمات، هذا التحكم لم يقتصر على الفصائل المسلحة، بل طال الأسر العادية، والطبقة الوسطى، وكل من يعتمد على دخل اقتصادي منتظم.
في ظل هذه القيود، أصبح النشاط الاقتصادي يتحرك في الظل، ما أوجد سوقًا سوداء متنامية، السلع القليلة المسموح بدخولها، مثل السجائر، تحولت إلى عناصر اقتصادية مهمة، لا تُستخدم فقط كمنتج استهلاكي، بل كوسيلة تبادل و«عملة بديلة» في ظل غياب السيولة النقدية، فالسجائر، بسبب صغر حجمها وسهولة نقلها وارتفاع الطلب عليها، أصبحت وسيلة للحصول على الغذاء والوقود، بل حتى لتسوية الديون الصغيرة، ما يجعلها أداة مركزية في اقتصاد البقاء اليومي.
السجائر كسلاح اقتصادي واجتماعي
تشير التقديرات إلى أن استهلاك قطاع غزة السنوي من السجائر يتجاوز 600 مليون سيجارة، أي نحو 30 مليون علبة، بقيمة سوقية تقارب المليار شيكل، لكن في ظروف الحرب والحصار، ترتفع أسعار السجائر بشكل كبير، ما يجعلها سلعة فاخرة في السوق السوداء، تتحكم بها شبكات تهريب محلية ودولية، هذه الشبكات، وفق التحقيقات، يشترك فيها أفراد مرتبطون بأجهزة الاحتلال، بما في ذلك شقيق رئيس الشاباك، وهو ما يظهر أن التهريب ليس نشاطًا عشوائيًا، بل جزءًا من منظومة اقتصادية معقدة تهدف إلى تحقيق أرباح هائلة، واستغلال معاناة السكان.
في هذا الإطار، تتحول السجائر إلى أكثر من سلعة، فهي أداة اجتماعية تؤثر في حياة السكان، وتصبح سببًا في نشوء صراعات على الموارد، وزيادة العنف، وتفشي الإدمان، استخدام السجائر كعملة في السوق السوداء يعكس قدرة الاحتلال على تحويل احتياجات أساسية إلى أدوات ضغط، ما يجعل كل صفقة تهريب جزءًا من استراتيجية أوسع لإضعاف المجتمع الفلسطيني.
تهريب المواد والممنوعات: تناقض الاحتلال
تُظهر القضية بشكل واضح ازدواجية سياسة الاحتلال. من جهة، يُمنع دخول المواد الحيوية مثل الغذاء والدواء والوقود، وتُقيّد المساعدات الإنسانية أو تُعطّل لفترات طويلة، وتُفرض قيود صارمة على مرور الشاحنات، بل يتم أحيانًا استهدافها أو نهبها، من جهة أخرى، يُسمح بتهريب مواد مربحة مثل السجائر، أو تسهّل عمليات تهريبها عبر رشوة بعض المسؤولين أو التواطؤ معهم، ما يجعل السوق السوداء غير خاضع للقوانين، ويخلق ديناميكية تعتمد على الندرة المصطنعة والفوضى المنظمة.
هذا النمط من الإدارة يوضح أن التهريب ليس عيبًا أمنيًا، بل أداة مقصودة لإدارة المجتمع الفلسطيني. السجائر ليست ضرورية للبقاء، لكنها تُستخدم لتوليد أرباح، وزيادة الإدمان، وإضعاف الطبقة الوسطى، وإحداث صراعات اجتماعية، هذا التلاعب المتعمد بالموارد يُظهر أن سياسة الاحتلال ليست مجرد حصار، بل إعادة هندسة اجتماعية واقتصادية، تهدف إلى تفكيك المجتمع من الداخل.
الإدمان كسلاح ناعم
انتشار السجائر، واستخدامها كعملة، لا يبقى محصورًا في حدود السلعة نفسها، بل يفتح الباب لأنماط أوسع من الإدمان تشمل المخدرات الخفيفة والأدوية الممنوعة، هذه المواد تُضعف القدرة على التركيز، وتزيد معدلات العنف الأسري والمجتمعي، وتستنزف موارد الأسر، وتُضعف القدرة على المقاومة أو التماسك الاجتماعي.
في الأدبيات الاستعمارية، يُعرف هذا الأسلوب باسم «التحكم عبر الإدمان»، إذ يُستغل الافتقار إلى الموارد والحاجة الماسة للسلع الأساسية لإدخال مواد تؤدي إلى تآكل القوة المجتمعية على المدى الطويل، ومن هنا، يصبح الاحتلال ليس قوة عسكرية فقط، بل مهندسًا لانهيار داخلي بطيء يتم عبر الاقتصاد الأسود والإدمان الممنهج.
المعابر كنقاط تحكم
معبر كرم أبو سالم يمثل الشريان التجاري شبه الوحيد لقطاع غزة، ويخضع للرقابة الإسرائيلية بالكامل، هذه السيطرة تسمح للاحتلال بتحديد من يدخل ومن يُحرم، وما يُسمح به وما يُسهّل تهريبه، تورط شقيق رئيس الشاباك في تهريب السجائر يؤكد أن هذه العملية ليست فردية، بل جزء من شبكة مصالح متشابكة، حيث يتقاطع النشاط التجاري غير المشروع مع السياسة الرسمية، ويخدم أهدافًا استراتيجية: تحقيق أرباح، وإضعاف المجتمع، وتحويل المعابر إلى أداة ضغط مستمرة على السكان.
السوق السوداء وتفكيك النسيج الاجتماعي
نتيجة الحصار وتهريب السجائر، أصبح السوق السوداء بديلاً قسريًا للاقتصاد الشرعي، نشأت شبكات احتكار، وازدادت الصراعات على نقاط التوزيع، وتآكلت الطبقة الوسطى، وتوسعت الهوة بين القلة المستفيدة والغالبية المسحوقة، ونتيجة لذلك، تفكك النسيج الاجتماعي، وارتفعت معدلات العنف، واشتدت التوترات المجتمعية، وأصبح المجتمع الفلسطيني أكثر عرضة للاستنزاف النفسي والاجتماعي، وأقل قدرة على التنظيم السياسي أو بناء أي شبكة صمود مستقرة.
ازدواجية الخطاب الإسرائيلي
على المستوى الدولي، يستمر الاحتلال في تصوير نفسه كجهة تراعي الاعتبارات الإنسانية وتمنع تهريب السلاح، لكن الواقع على الأرض يكشف تناقضًا صارخًا: شاحنات الإغاثة تُمنع أو تُستهدف، بينما تُفتح قنوات التهريب للسلع المربحة، ويُترك المجتمع الفلسطيني فريسة للفوضى، ما يجعل ما يُقدّم للعالم على أنه فساد أو اقتصاد ظل داخلي، في الحقيقة جزءًا من استراتيجية استعمارية دقيقة.
ختام القول
تهريب السجائر في غزة لا يمكن فهمه كقضية اقتصادية عابرة، بل هو جزء من اقتصاد حرب خفي يستخدم الحصار والتجويع والتهريب والإدمان لإعادة تشكيل المجتمع الفلسطيني قسرًا، غزة لا تُحاصر فقط، بل تُعاد هندستها اقتصاديًا واجتماعيًا بحيث تبقى في حالة إنهاك دائم، غير قادرة على التعافي أو الاستقرار، هذه الاستراتيجية لا تقتل الناس بالرصاص وحده، بل بالحرمان، والتفكك الاجتماعي، والإدمان، وتحويل الحاجة الإنسانية إلى أداة ربح واستنزاف مستمرة، ليصبح ما يُقدّم للعالم على أنه فوضى داخلية جزءًا من سياسة استعمارية ممنهجة تُتقن صناعة الخراب وإدارته.
