الوقت- من بين النتائج المهمة لاجتماع توقيع مبادرة "مجلس السلام في غزة" في مؤتمر دافوس، هو التطرق إلى موضوع إعادة فتح معبر رفح، وهو من أبرز القضايا على جدول أعمال هذا المجلس.
وفي هذا السياق، أفاد علي شعث، رئيس لجنة إدارة قطاع غزة، في رسالة فيديو وجّهها إلى المشاركين في جلسة توقيع الاتفاق في دافوس، أن معبر رفح الحدودي الواقع على الحدود بين مصر وقطاع غزة، سيتم إعادة فتحه الأسبوع القادم. وقال شعث: "نستبشر خيراً بإعلاننا أن معبر رفح سيُفتح ابتداءً من الأسبوع القادم بشكل ثنائي الاتجاه لحركة المرور."
كما أفاد نيكولاي ملادينوف، رئيس الهيكل المعروف باسم "المجلس التنفيذي لقطاع غزة"، يوم الجمعة، بأنه تم الوصول إلى اتفاق أولي لإطلاق عملية إعادة فتح معبر رفح. وأضاف ملادينوف: "نحن في طور التنسيق حول الجوانب اللوجستية لتنفيذ اتفاق إعادة فتح معبر رفح."
في سياق التطورات المتعلقة بمعبر رفح، ذكرت مصادر صهيونية، مثل شبكة "12" التابعة للکيان الصهيوني، يوم الجمعة المنصرم أن أحد المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين أفاد بأن الحکومة الأمنية للکيان ستُناقش في الأسبوع القادم موضوع إعادة فتح معبر رفح.
كما أكدت مصادر فلسطينية، في تصريحات أدلت بها لصحيفة "هآرتس" الصهيونية يوم أمس، أن أعضاء اللجنة التقنية المُكلَّفة ستصل إلى قطاع غزة عبر معبر رفح هذا الأسبوع، وذلك بهدف استلام إدارة الشؤون المدنية في القطاع، وفقاً لجدول زمني ينتهي بنهاية الأسبوع.
وبحسب وثائق رسمية تتعلق بخطة إعادة بناء قطاع غزة، فإن هذه اللجنة، التي تُشكّل جزءاً من خطة "20 مادة" التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ستتولى مهمة تقديم "الخدمات العامة اليومية والخدمات الحضرية" في القطاع، وستعمل تحت إشراف مباشر من "مجلس السلام في غزة" المزعوم، الذي يرأسه ترامب.
وقد جاءت هذه التصريحات بعد أن صرّح "مارك هاكيبي"، سفير الولايات المتحدة في الأراضي المحتلة، صباح يوم الجمعة الماضي قائلاً: "نحن متأكدون من أن معبر رفح سيُعاد فتحه، وأنا مقتنع بأن إسرائيل ستتخذ هذا القرار في القريب العاجل."
من ناحية أخرى، وفي فيديو نُشر عبر الإنترنت في 16 فبراير، أفاد "ستيو ويتكوف"، المبعوث الأمريكي إلی غرب آسيا، خلال مؤتمر صحفي عُقد في ولاية فلوريدا، وفي معرض إجابته على سؤال حول إعادة فتح معبر رفح: "علينا فتحه. لقد تعهدنا بذلك."
إن معبر رفح يُعد من الطرق الأرضية الوحيدة التي تربط قطاع غزة بالعالم الخارجي (باستثناء الأراضي المحتلة)، وهو الممر الرئيسي لدخول المساعدات الإنسانية الدولية إلى سكان القطاع، مما يجعله من المراكز الاستراتيجية الحيوية بالنسبة لسكان هذه المنطقة. وقد بقي المعبر في الأشهر الأخيرة عملياً مغلقاً، نتيجة التدخلات المتعمدة وسياسة العقوبات الجماعية التي يمارسها الکيان الصهيوني. وقد أُغلق هذا المعبر فعلياً منذ شهر مايو عام 2024، بعد أن وضعته "إسرائيل" تحت سيطرتها، ورغم التعهدات التي قطعتها أطراف اتفاق وقف إطلاق النار لإعادة فتحه لدخول المساعدات الإنسانية، فإن التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية ومنظمة الأمم المتحدة تشير إلى أن دخول الوقود، والغذاء، والأدواء، والتجهيزات الطبية إلى القطاع ما زال محدوداً للغاية.
السياسة الإسرائيلية: من رفض المطالب المحقة إلى انتهاز الفرص السانحة
رغم التصريحات والتفاؤل المعبّر عنهما حول إعادة فتح سريع لمعبر رفح، إلا أن صحيفة "هآرتس" أفادت بأن الکيان الصهيوني جعل إعادة فتح المعبر مشروطاً بإعادة جثة آخر السجناء الإسرائيليين من قطاع غزة، وبالتالي قرّر منع دخول أعضاء اللجنة التقنية الفلسطينية إلى القطاع.
وتأتي هذه الأنباء في ظل تصاعد الخلافات بين تل أبيب وواشنطن حول تشكيل "مجلس السلام" ودور تركيا وقطر فيه، حيث أفادت مصادر صهيونية بأن الحکومة الصهيونية الأمنية(المجس الأمني المصغر) قررت مواجهة قرار دونالد ترامب، وستمتنع عن إعادة فتح معبر رفح.
وذكرت صحيفة "معاريف" في تقرير نُشر في 14 فبراير، نقلاً عن مصادر في الکيان الصهيوني، أن التقييمات الداخلية ترى أن إعادة فتح المعبر بشكل كامل ستُغيّر قواعد اللعبة، وستؤدي إلى زيادة حركة المرور، وخلق فجوات أمنية، تُعتبر وفقاً لرأيهم، فرصةً لتهريب السلاح من سيناء إلى قطاع غزة.
وأضافت المصادر أنه حتى مع وجود آليات رقابة وتفتيش، فإن إمكانية التفتيش الدقيق والكامل لن تكون متوفرةً، وأن بقاء المعبر مفتوحاً لفترة طويلة هو سيناريو يزيد من احتمال إعادة تسلّح حركة حماس، وفقاً لتقديرات هذه المصادر.
وفي هذا الصدد، ترى تل أبيب أن إعادة فتح معبر رفح بالنسبة لمصر ستكون ممكنةً فقط في حال وجود قوة دولية فعالة تشرف على إدارة قطاع غزة وتحصل على التحكم الميداني. ومع ذلك، يتردد الکيان الصهيوني في تشكيل قوة متعددة الجنسيات تتجاوز الحضور الرمزي، ويؤكد أن أي دولة حتى الآن لم تكن علی عجلة من أمرها لإرسال قوات إلى غزة.
في ذات السياق، أشارت "معاريف" إلى أن قضية معبر رفح تُعتبر جزءًا من تحركات أمنية وسياسية أوسع مرتبطة بـ"اليوم التالي للحرب". وتؤكد "إسرائيل" أن هدفها الرئيسي هو تفكيك سلاح حماس، مشددةً على أن عملية انسحاب قواتها من المناطق المحتلة في قطاع غزة، لن تسير قدمًا دون تحقيق هذا الهدف. ومع ذلك، ذكرت مصادر إعلامية أن الترتيبات المتعلقة بتشغيل معبر رفح قد تمت بشكل نهائي، ويتوقع أن يُفتتح المعبر خلال 48 ساعة من التأكيد الرسمي، كجزء من المرحلة الثانية من التفاهمات التي توصلت إليها "إسرائيل" مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وبحسب التفاصيل، ستتم إدارة المعبر الرئيسي من قبل فريق مهمة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية (EUBAM) بالتعاون مع أعضاء من خدمة المخابرات العامة في السلطة الفلسطينية. EUBAM هي فريق غير عسكري تابع للاتحاد الأوروبي يهدف إلى دعم السلطات المحلية في تحسين إدارة الحدود وتأمينها.
وقد أفضی هذا الوضع إلى نشوب خلاف حاد داخل حكومة نتنياهو. وبحسب مصادر سياسية، فقد أعرب وزراء عدة في الحكومة، من بينهم "بيتسئيل اسموتریج" و"أوريت ستريك"، عن معارضة صريحة للمشاركة الفعلية للسلطة الفلسطينية في إدارة معبر رفح. وخلال المناقشات الحكومية، طالبت الوزيرة أوريت ستريك بأن لا يظهر ختم السلطة الفلسطينية على أي وثائق رسمية متعلقة بالمعبر. ونتيجةً لذلك، تم اتخاذ قرار بأن المسافرين الذين يعبرون الحدود عبر رفح سيتلقون وثيقةً مرفقةً مع جوازات سفرهم لا تحمل أي إشارة إلى السلطة الفلسطينية.
وقد أفادت مصادر رسمية أن تل أبيب ستُنشئ بوابةً إضافيةً تُسمى "رفح 2" بجانب البوابة الحالية، وستديرها مباشرةً. وبحسب ما نشرته "كان"، فإن الفريق الأوروبي سيُرسل قائمة الأشخاص الذين يدخلون إلى قطاع غزة إلى "إسرائيل"، حيث سيتم فحصها من قبل وكالة الأمن الداخلي الإسرائيلية (شين بت). فقائمة الأشخاص الذين يدخلون إلى قطاع غزة تُنقل من فريق البعثة الأوروبية إلى الجانب الإسرائيلي، لفحصها أمنيًا من قبل شين بت.
علاوةً على ذلك، تم تجهيز عملية التحكم عن بُعد في "إسرائيل"، بما في ذلك التعرف على الوجه وفحص بطاقة الهوية، دون الحاجة إلى حضور إسرائيليين مباشرةً في البوابة. ونقلت "رويترز" عن مصادر في الأراضي المحتلة أن "إسرائيل" تسعى إلى ضمان أن يكون عدد السكان الغزيين الذين يُسمح لهم بالعودة إلى قطاع غزة، أقل من عدد الذين غادروا القطاع بعد فتح بوابة رفح. وهذا الطلب يُعد في جوهره استمرارًا لسياسة نقل السكان من غزة، لكن بحلة جديدة وغير رسمية.
كما أفادت "الجزيرة" أن هيئة التنسيق الحكومي في الأراضي المحتلة (COGAT)، وهي الجهة الحكومية الإسرائيلية المسؤولة عن تنسيق الأنشطة الحكومية في الأراضي الفلسطينية، أفادت في بيان نُشر على منصة "إکس": وفقاً لاتفاق وقف إطلاق النار وتعليمات من القيادة السياسية، سيتم فتح معبر رفح في الأيام القادمة حصراً للسكان الذين يعيشون في قطاع غزة للسفر إلى مصر".
في هذا الإطار، تعكس التصريحات الأخيرة من مصر مخاوف القاهرة بشأن تنفيذ هذا السيناريو، حيث أكد عبد العاطي، وزير الخارجية المصري، رداً على التصريحات التحريضية للسلطات الصهيونية ضد بلاده، ومنها الإعلان عن إعادة فتح معبر رفح بشکل أحادي الاتجاه لخروج الفلسطينيين فقط، أكد على ضرورة إعادة فتح المعبر في الاتجاهين. وفي إشارة إلى تصريحات الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، أضاف قائلاً: "لا يمكن أن يكون معبر رفح نافذةً للاستيطان أو التهجير القسري، ومصر لن تشارك أبداً في أي ظلم يُرتكب ضد الشعب الفلسطيني".
باعتبار مصر واحدةً من اللاعبين الرئيسيين في المفاوضات المتعلقة بقطاع غزة، فقد لعبت دور الوسيط باستمرار. ومع ذلك، فإن العديد من المصريين كانوا يشعرون بالقلق لفترة طويلة من أن الهدف النهائي للکيان الصهيوني من الحرب في غزة، هو تنفيذ خطة تهجير واسعة النطاق للفلسطينيين إلى الأراضي المصرية. وقد تم طرح هذا الاحتمال بشكل جاد منذ الأيام الأولى للحرب. ففي الأسابيع الأولى من الصراع، أفاد المتحدث الرسمي باسم الجيش الصهيوني بأن الفلسطينيين يجب أن ينتقلوا إلى مصر، وهو التصريح الذي أثار رد فعل قوي من جانب القاهرة.
فقد أصدرت وزارة الخارجية المصرية في أكثر من مناسبة بيانات رسمية أكدت فيها أن القاهرة تدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني، وتعتبر أي تصرف أحادي من جانب "إسرائيل" لإخلاء قطاع غزة مدانًا ومرفوضًا. كما أكد الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" في عدة خطابات عامة أنه يرفض أي تهجير قسري للسكان الغزيين إلى الأراضي المصرية. وقد صرح في عام 2023 قائلاً: "لن تفتح مصر الحدود لحماية أمنها الوطني، ومحاولة إخلاء قطاع غزة والتهجير الجماعي للفلسطينيين إلى صحراء سيناء أمر غير مقبول". يُذکر أنه في ظل الحرب، هاجر نحو 100 ألف فلسطيني إلى مصر.
كما أصدرت ثماني دول عربية وإسلامية، وهي من بين الشركاء في مؤتمر شرم الشيخ حول وقف إطلاق النار في غزة، بيانًا مشتركًا أكدت فيه رفضها القاطع لأي محاولة لتهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، وشددت على ضرورة الالتزام الكامل بخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومن ضمنها إعادة فتح معبر رفح في الاتجاهين، وضمان حرية التنقل للشعب، ومنع إجبار سكان غزة على مغادرة أرضهم.
رفح أداة الضغط السياسي بيد نتنياهو
كما أن حکومة نتنياهو، وبالتوازي مع إطلاق سراح المعتقلين الصهاينة وتسليم جثث القتلى، تتجاهل بشكل واضح التزام هذا الکيان بانسحاب كامل من أرض قطاع غزة، وهو ما تتجاهله الولايات المتحدة أيضًا، ويبدو أن الاعتماد على إعادة فتح الحدود بشكل كامل هو مجرد تفاؤل زائف، لأن تل أبيب ترى في معبر رفح أحد أدوات الضغط الرئيسية على حماس وسكان غزة.
إن الهجوم على قطاع غزة والانتهاك المتكرر لوقف إطلاق النار من جانب "إسرائيل"، تواصل منذ اليوم الأول للاتفاق، وهو ما يُبرز هشاشة الاتفاق وعدم التزام "إسرائيل" ببنوده. وفي هذا السياق، ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الصهيونية، في تقرير سابق نُشر قبل شهر، أن الحکومة الأمنية للکيان الصهيوني قررت ألا تفتح معبر رفح، لأن حضور ممثلي تركيا وقطر في لجنة تنفيذ اتفاقيات غزة، لم يكن محسوبًا في المفاوضات الأولية بين "إسرائيل" والولايات المتحدة.
كما صرح مصطفى البرغوثي، الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، في حديثه مع شبكة "تي آرتي العربية": "تستند إسرائيل إلى ذريعة إعادة جسد آخر أسير إسرائيلي كمبرر لامتناعها عن فتح معبر رفح، وقد تحول هذا الموقف إلى أداة للضغط وتعليق التزاماتها". وأضاف البرغوثي في إشارة إلى سياسة حكومة بنيامين نتنياهو، أن رئيس الوزراء الصهيوني يعمل بجد لتعطيل المرحلة الثانية من اتفاق غزة بشكل كامل ومنع تنفيذها.
وأوضح أن هدف نتنياهو وحكومته هو الحفاظ على الظروف الكارثية والوضع الصعب لسكان غزة على المدى الطويل، بهدف إجبارهم على مغادرة القطاع قسراً، مما يفتح الباب أمام تكرار سيناريو الاستيطان الذي شهدته الضفة الغربية في قطاع غزة. وهو هدف يتناقض بشكل كامل مع إعادة فتح معبر رفح وبناء غزة من جديد وفق مبادرة ترامب.
كما أن الکيان يسعى إلى تغيير جذري في المعاهدة التاريخية مع مصر حول محور فيلادلفيا. يُعرف محور فيلادلفيا لدى الفلسطينيين باسم "صلاح الدين"، وهو نطاق أرضي ضيق يمتد على طول الحدود بين قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء في مصر والأراضي المحتلة، أي من البحر المتوسط في الشمال إلى بوابة كرم شالوم في الجنوب، ويصل طوله 14 كيلومترًا، وعرضه 100 متر. ويقع باب رفح الأرضي على هذا المحور.
إن إنشاء هذا المحور جزء أساسي من معاهدة السلام بين مصر والکيان الصهيوني، والتي وُقعت في عام 1979، وانتهت بها عقود من الحرب بين الطرفين. ولقد ساهم هذا الاتفاق في إلزام "إسرائيل" بإعادة شبه جزيرة سيناء، التي احتلتها في حرب 1967 مقابل قبول مصر لوقف إطلاق النار، ما فتح الطريق أمام اعتراف مصر رسمياً بـ "إسرائيل" خلال حكومة أنور السادات.
بعد عملية "طوفان الأقصى"، التي نُفذت في 7 أكتوبر 2023، حاصرت "إسرائيل" النطاق الكامل لقطاع غزة من كل الجهات، وتحوّل محور فيلادلفيا إلى أحد أهم الأهداف الاستراتيجية للحرب بالنسبة لتل أبيب. وقد شنّت من البداية ضربات جوية واسعة النطاق تستهدف معبر رفح، إلى درجة أنه لم يكن ممكنًا حتى في مراحل متقدمة من الحرب دخول أي مساعدات إنسانية محدودة إلى غزة.
وتحاول حكومة نتنياهو، من خلال التمسك بمحور "صلاح الدين"، تدمير الأسس التاريخية للاتفاق مع مصر، والعمل على تغيير القواعد السياسية والقانونية والجيوسياسية العربية والدولية المتعلقة بقضية فلسطين. والمعنى العميق لهذا التوجه في رؤية نتنياهو وشركائه هو إعادة النظر في شروط "السلام" مع مصر، وتصفية السلطة الفلسطينية، وإنهاء حل الدولتين.
