الوقت - بعد أن أخفقت محاولات الولايات المتحدة لتغيير الحكم في إيران عبر إثارة الفوضى وأفضت إلی فشل ذريع، اتجهت واشنطن إلى المسارات القانونية والسياسية الدولية لزيادة الضغوط على الجمهورية الإسلامية. وفي هذا الإطار، عُقد اجتماع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حول أحدث التطورات في إيران، بناءً على اقتراح أمريكي، مساء الجمعة الماضي في مقر الأمم المتحدة. ورغم محاولات الولايات المتحدة تأليب مجلس الأمن ضد إيران لتحقيق أهدافها، إلا أن هناك أيضًا عدم استجابة من أعضاء المجلس لنوايا واشنطن.
في هذا الاجتماع، قال غلامحسين درزي، سفير ومندوب إيران الدائم لدى الأمم المتحدة، في كلمته تعبيرًا عن تعازيه لعائلات الضحايا في الأحداث الأخيرة في إيران: "خلال الأسبوع الماضي، فقدت إيران مواطنين أبرياء، من بينهم عناصر أمنية وعسكرية وشباب تم قتلهم بشكل بشع، كما ضحّى العديد من أفراد الشرطة بأرواحهم لحماية المواطنين."
وأضاف مندوب إيران: "كانت الاحتجاجات سلميةً والتي بدأت لأسباب اقتصادية، ولکن تسللت إليها مجموعات مسلحة منظمة، وتحولت إلى أعمال عنف إرهابية." وأكد على سياسات التدخل الأمريكي قائلاً: "تسببت سياسات التدخل الأمريكي في جميع أنحاء العالم في قتل المدنيين، وإحداث كوارث إنسانية كبيرة، وظهور مجموعات إرهابية، وبهذا تمكّن سكان العديد من الدول المتألمة من فهم مغزى هذا الدعم الأمريكي المزعوم."
وتابع درزي: "أتحدث الآن باسم شعبٍ يمرّ بفترة عزاء وحداد. ومن غير المشروع إطلاقاً أن يلجأ مندوب حكومة الولايات المتحدة، التي طالبت بعقد هذه الجلسة، إلى الكذب وتحريف الحقائق، ونشر معلومات خاطئة، لكي يغطي على دورها المباشر في تشجيع الشعب على العنف. وفي الحقيقة، فإن طلب الولايات المتحدة لعقد هذه الجلسة أمرٌ مهين."
وأشار إلى أن واشنطن تستخدم خطاب حقوق الإنسان كغطاء لتعزيز عدم الاستقرار وفرض التدخلات العسكرية، وأضاف: "طلب الولايات المتحدة لعقد هذه الجلسة هو لعبة مهينة، تهدف إلى إخفاء شراكتها المباشرة في جريمة."
وصرح درزي قائلاً: "أؤكد على دور الکيان الصهيوني في الأحداث الأخيرة في إيران، وأذكّر بأن هذا الکيان يحاول، تحت عنوان مزيف وهو "القلق على الشعب الإيراني"، أن يدفع الولايات المتحدة نحو الحرب مع إيران. وهذه هي التبريرات التي تسعى الإدارة الأمريكية لنشرها لتقديم نفسها على أنها صديقة للشعب الإيراني".
کذلك، أشار درزي إلى أن الشخصين اللذين تحدثا في هذا الاجتماع يوم الجمعة (مسیح علینژاد وأحمد باطبی، وهما شخصان معروفان بمعادتهما للثورة الإيرانية ويعيشان خارج إيران)، قد حثّا الشعب الإيراني على اتخاذ إجراءات مسلحة لسنوات، وشدّد على أن هذين الشخصين هما فقط صوت للسياسة الخارجية لـ "إسرائيل" والولايات المتحدة، وهما يعملان كعملاء مرتزقة لمكتب الاستخبارات الإسرائيلي (موساد)، وأن كلامهما أحادي الجانب ولا يحمل رائحة المدنية أو الواقعية.
يُذکر أن اجتماع مجلس الأمن حول إيران قد عُقد بناءً على طلب الولايات المتحدة، في ظل تصريحات ومواقف تدخلية أدلى بها الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" ومسؤولون في بلاده في الأيام الأخيرة حول التطورات في إيران، والتي ترافقت مع تصعيد في الحملات الإعلامية، وطرح ادعاءات غير مؤكدة، وتهديدات لفظية ضد طهران.
وكان ترامب قد کرّر تهديداته بدعمه للمحتجين، وقال إنه في حال مقتل أي من مثيري الشغب، فسيقوم برد قوي ضد الجمهورية الإسلامية. ومع ذلك، فإن هذه المواقف التدخلية لم تصل إلى نتيجة، وفي النهاية، نظّم الشعب الإيراني مسيرةً مليونيةً في جميع أنحاء البلاد في 22 فبراير، حيث أدان أعمال المجموعات الإرهابية ورعاتها الخارجيين.
مسرحية أمريكية في مجلس الأمن
في ظل استمرار سياسات التدخل الأمريكي ضد إيران، أعادت روسيا والصين التأكيد على رفضهما لأي مغامرات تدخلية من جانب واشنطن، وذلك خلال اجتماع مجلس الأمن الأخير.
وقال فاسيلي نبنزيا، مندوب روسيا لدى الأمم المتحدة، في كلمته خلال الاجتماع: "إن الولايات المتحدة، بدل أن تسعى لتعزيز السلام والأمن في العالم، تستخدم هذا الاجتماع كمجرد عرض فارغ لا يحمل أي معنى، سوى تضييع وقتنا من أجل تأمين مصالحها الذاتية."
وأضاف نبنزيا: "إن واشنطن، بدل أن تركز على القضايا الحقيقية التي تهدّد السلام العالمي، دعت شخصين من الخارج، وهما معاديان للثورة الإيرانية، لتقديم رؤى خاطئة ومشوهة عن الوضع في إيران. هؤلاء الأشخاص الذين يعيشون في الولايات المتحدة منذ أكثر من عقدين، ويدعمون برامج وخطط معادية لإيران، لا يمكن أن يكونوا ممثلين للشعب الإيراني، بل هم أدوات في يد السياسات التدخلية." وأكد نبنزيا أن هذا النوع من الأداء لا يخدم سوى أهداف سياسية ضيقة، ولا يعكس الواقع ولا يمثّل إرادة الشعب الإيراني.
کذلك، أشار نبنزيا إلى أن المسؤولين الإيرانيين أكدوا مرارًا على التزامهم بالسلام والأمن، ودعمهم لأي احتجاجات سلمية، وقال: "الحكومة الإيرانية اتخذت جميع الإجراءات اللازمة لضمان الاستقرار، وتعمل بجد على تعزيز الحوار البنّاء مع شعبها."
وأضاف نبنزيا: "ما شهدناه في الأيام الأخيرة في إيران، هو محاولة أخرى من الولايات المتحدة لإثارة ما يُعرف بـ "الانقلابات الملونة". بدأت هذه المحاولة بتحريض على قوات الأمن والجيش والمباني والمنشآت الحکومية، بل ووصلت إلى مهاجمة المحتجين السلميين أنفسهم. ونحن شهدنا كيف أن الدول المتدخلة لم تكتفِ فقط بالتحريض، بل أظهرت ذلك علنًا، ودعت إلى الفوضى والتخريب. ومع ذلك، شهدنا لاحقًا مظاهرات مليونية واسعة النطاق في جميع أنحاء إيران، حيث خرج الإيرانيون دفاعًا عن قيادتهم العليا، ودعمًا لحكومة بلادهم."
وتابع: "الرئيس الأمريكي طلب علنًا من المحتجين الإيرانيين أن يُسيطروا على المؤسسات الحكومية، بينما تُمارس الولايات المتحدة سوء استخدام واضح للأزمة المعيشية التي تضرب الشعب الإيراني، والتي نتجت مباشرةً عن العقوبات الأمريكية."
وفي ختام تصريحاته، أكد نبنزيا: "ندين بشدة أفعال الولايات المتحدة وأوروبا تجاه إيران، ونؤكد أن تحقيق السلام والاستقرار العالمي يتطلب الابتعاد عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى."
الصين تدين التدخلات الأمريكية وتدعو إلى حلول سلمية
من جانب آخر، أعربت الصين، عبر مندوبها في الأمم المتحدة خلال الاجتماع ذاته، عن معارضتها المبدئية للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وقالت: "إن أي تدخل من هذا النوع يُعد تطبيقًا عمليًا لمبدأ قانون الغاب، وليس للقانون الدولي."
وأضاف مندوب الصين: "نحن ندعم الشعب الإيراني في مطالبه المشروعة، ونرى أن التدخل في شؤون الدول لا يحل المشكلات، بل يزيد من تعقيدها."
ودعا مندوب الصين الولايات المتحدة إلى التخلي عن لغة التهديدات العسكرية، والالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة واحترام السيادة الوطنية والسلامة الأمنية للدول الأخرى، مشدداً على أن أي ضغوط عسكرية تؤدي إلى تفاقم الوضع وزيادة التوترات.
وخلص المندوب الصيني إلى القول: "إن منطقة غرب آسيا تُعد واحدةً من أكثر المناطق حساسيةً من حيث السلام والأمن العالميين، ونحن نلاحظ قلق الدول في تلك المنطقة إزاء تصاعد التوترات. وبما أن بكين تؤكد دوماً على الحلول السلمية، فإن المجتمع الدولي بحاجة إلى أن يقف في الاتجاه الصحيح، ويحترم مبادئ الشرعية الدولية."
بدوره قال السفير "عاصم افتخار أحمد"، مندوب باكستان في اجتماع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة: "يجب احترام مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وخاصةً ما يتعلق بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى." وأضاف: "إن التهديد أو استخدام القوة يهدّد السلام والاستقرار الإقليمي والعالمي، ويُضعف جهود تحقيق الاستقرار في العالم."
وتابع أحمد: "نحن نؤمن بقوة أن جميع الخلافات يجب أن تُحل عبر وسائل سلمية ووفقاً للقوانين الدولية. فاستخدام التهديد أو القوة لا يؤدي إلا إلى تفاقم الوضع، ويزيد من التوترات، ويُضعف من جهود تحقيق السلام والتعاون الدولي."
وأكد المندوب: "نثق تماماً في حکمة الشعب الإيراني وقيادته، التي ترتكز على تراث ثقافي غني، وحضارة قديمة، وتاريخ عريق، وقابلية عالية للتكيف مع التحديات كافةً."
من جانبه، وفي كلمته خلال الاجتماع ذاته، قال مندوب البحرين في الأمم المتحدة: "إن مملكة البحرين تؤكد على احترام حق إيران في السيادة، ونرى أن مصالح الشعب الإيراني يجب أن تُحترم ويُنظر إليها بعين الاعتبار."
کذلك، في كلمته أمام مجلس الأمن، قال "لويس جي. براون دوم" المندوب من ليبيريا، متحدثًا باسم ثلاث دول إفريقية عضو في المجلس وهي جمهورية الكونغو الديمقراطية، وصومال، وليبيريا: "نؤكد التزامنا بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة. إن حق التعبير عن الرأي، في إطار القانون، حق مشروع، ويجب أن يُحترم. كما نؤكد على ضرورة احترام السيادة الوطنية لإيران."
من جانبه، أشار المندوب "ليونور زالاباتا توريس" من كولومبيا إلى أن: "حرية التعبير وحرية التجمع هما حقوق مكفولة ومُصَرَّح بها في القانون الدولي الإنساني، ونحن ندعم هذه المبادئ ونحترم تطبيقها في جميع الظروف."
أما مندوب بنما، فقد قال خلال كلمته في اجتماع مجلس الأمن: "إن الوضع الاقتصادي غير المستقر في إيران، وعدم القدرة على تلبية احتياجات المواطنين الأساسية، هما السبب الرئيسي وراء اندلاع الاحتجاجات في البلاد. ومن المهم أن تُحل هذه القضايا عبر الحوار والتعاون، وليس عبر التصعيد أو التدخل."
تكرار التهديدات الأمريكية ومواصلة التدخل في الشؤون الإيرانية
رغم معارضة العديد من أعضاء مجلس الأمن لتدخل الولايات المتحدة في الشؤون الداخلية لإيران، إلا أن مندوبها في الأمم المتحدة عاد وكرّر التصريحات العدائية ضد طهران. حيث قال المندوب الأمريكي "مايك والتز": "إن جميع الخيارات مطروح على الطاولة"، في إشارة إلى إمكانية اتخاذ إجراءات عسكرية أو سياسية ضد إيران، رغم انسحاب الرئيس الأمريکي دونالد ترامب من أي خطوات محتملة في أعقاب الاحتجاجات الأخيرة.
وأكد مندوب واشنطن دعمه لأعمال الشغب في إيران، وادعى أن "ترامب يقف إلى جانب الشعب الإيراني"، في تصريحات تثير التساؤلات حول نوايا الولايات المتحدة الحقيقية.
أما الدول الأوروبية، التي عادةً ما تسير في الفلک الأمريکي في أي حملة ضد إيران، فقد عادت مرةً أخرى إلى تبني مواقف معادية وتدخلية تجاه الجمهورية الإسلامية. وفي هذا السياق، قال مندوب فرنسا في الاجتماع: "إن المجتمع الدولي يجب أن يدين العنف الذي يُرتكب"، متجاهلاً أسباب الاحتجاجات وأعمال الشغب وخلفياتها الاجتماعية والاقتصادية.
وأضاف المندوب الفرنسي: "نطالب بإطلاق سراح المعتقلين ورفع أحكام الإعدام عنهم"، ودعا إلى عقد جلسة عاجلة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لبحث الوضع في إيران، في خطوةٍ تُظهر ميلاً واضحاً نحو التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية.
بريطانيا تكرر الادعاءات وتهدّد بفرض إجراءات إضافية على إيران
أعاد مندوب بريطانيا في الأمم المتحدة تكرار الادعاءات غير المؤكدة ضد إيران، ودعا إلى إدانة أفعال طهران "بأقسى التصريحات". وقال: "إن وزير الخارجية البريطاني قد وجّه رسالةً واضحةً إلى نظيره الإيراني، مفادها أن إيران يجب أن تغيّر مسارها فورًا، وتكفّ عن انتهاك الحقوق الأساسية لشعبها."
وأضاف المندوب: "إذا لم تُنفذ هذه المطالب، فإن دول مجموعة الـ7 ستتخذ خطوات لفرض تدابير إضافية على إيران"، في إشارةٍ إلى احتمال فرض عقوبات جديدة.
جدير بالذكر أن الولايات المتحدة قد حاولت قبل ثلاثة أشهر إعادة فرض العقوبات الأممية على إيران، بعد تفعيل "آلية الزناد"، من خلال تقديم قرار في الأمم المتحدة يدين إيران. لكن القرار رُفض في النهاية بعد معارضة بعض الدول، من بينها الصين وروسيا، مما يُعتبر ثاني هزيمة قانونية لواشنطن أمام إيران في أروقة الأمم المتحدة.
تغير المعادلات الدولية وصعوبة تشكيل تحالف جديد ضد إيران
بينما تسعى الولايات المتحدة وأوروبا إلى تشكيل تحالف دولي جديد ضد إيران عبر استخدام الأدوات الدبلوماسية والإعلامية، فإن الواقع السياسي والدولي يشير إلى تغير جذري في المعادلات العالمية مقارنةً بالسنوات الماضية.
فعلى عكس ما كان يحدث في السابق، حيث كانت الضغوط الغربية تحظى بدعم واسع من الدول، فإن الوضع الآن مختلف. فكثير من الدول لم تعد ترغب في الانصياع بشكل أحادي لسياسات واشنطن، ولا ترغب في المشاركة في إجراءات تُعتبر مخالفةً للقانون الدولي. وهذا التغير في المواقف يعكس تراجع تأثير الغرب وزيادة استقلالية الدول النامية في اتخاذ قراراتها.
في السنوات الأخيرة، لم يتوانَ الغرب عن دعم الاضطرابات في إيران، لكن في النهاية، أظهر الشعب الإيراني وعيًا وحنكةً في كشف نوايا الأعداء، وأفشل كل المؤامرات التي رُسمت ضده. فبينما تدّعي واشنطن أنها تقف إلى جانب "الشعب"، فإن الحقيقة تشير إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءها هم السبب الرئيسي في الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها الأسر الإيرانية، وذلك عبر فرض عقوبات قاسية تعصف بالاقتصاد الوطني وتفاقم من معاناة المواطنين.
لهذا السبب، لا تجد دموع التماسيح الغربية، التي تُسال باسم "حقوق الإنسان" و"الديمقراطية"، أي صدى أو تجاوب من داخل إيران. كما أن المسرحية الأخيرة التي شهدها اجتماع مجلس الأمن تُظهر أن واشنطن فشلت أيضًا في تحقيق أي تغيير جوهري في هيكل الحكم الإيراني، رغم محاولاتها عبر دعم المجموعات الإرهابية ومثيري الشغب.
