الوقت- في تطور قانوني وسياسي لافت، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي مذكرة توقيف بحق رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال العمليات العسكرية في قطاع غزة. وقد أعاد هذا القرار تسليط الضوء على دور العدالة الدولية في النزاعات المعاصرة، وسط ردود فعل متباينة ومواقف دولية متباينة.
جاء هذا التطور بالتوازي مع مواقف أوروبية لافتة، أبرزها موقف وزير الخارجية النرويجي إسبن بارث إيده، الذي حذّر من تدهور خطير في الضفة الغربية وتقويض متسارع لحل الدولتين، مؤكداً أن بلاده ستلتزم بتنفيذ قرارات المحكمة، وأنها ستعتقل نتنياهو أو أي مسؤول مشمول بالمذكرة إذا دخل الأراضي النرويجية. في الوقت نفسه، شدد رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوسا على أن أي وقف لإطلاق النار في غزة لن يؤثر على الدعوى التي رفعتها بلاده ضد كيان الاحتلال أمام محكمة العدل الدولية.
هذه التطورات مجتمعة لا تعكس مجرد إجراءات قانونية معزولة، بل تشير إلى تحول أعمق في البيئة الدولية المحيطة بالصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، حيث تتراجع تدريجياً مظلة الحصانة السياسية التي تمتّع بها قادة الاحتلال لعقود.
تحذير الوزير النرويجي من تدهور الوضع في الضفة الغربية يعكس قلقاً أوروبياً متصاعداً من أن الوقائع الميدانية – من توسع استيطاني واقتحامات وتهجير قسري – تجعل إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة أمراً شبه مستحيل.
مضمون الاتهامات… من القصف إلى التجويع كسلاح حرب
قرار المحكمة الجنائية الدولية لم يأتِ في فراغ. فقد استند إلى اتهامات تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تشمل:
الاستهداف الواسع والممنهج للمدنيين.
تدمير البنية التحتية المدنية على نطاق واسع.
فرض قيود شاملة على دخول الغذاء والمياه والوقود والدواء إلى قطاع غزة.
استخدام التجويع كسلاح لإخضاع السكان المدنيين.
اللافت أن إدراج “التجويع كسلاح” ضمن الاتهامات يمنح القرار بعداً قانونياً بالغ الخطورة، إذ إن القانون الدولي الإنساني يحظر صراحة تجويع المدنيين كوسيلة من وسائل الحرب. وبالنظر إلى التقارير الأممية والحقوقية التي وثّقت ارتفاع معدلات سوء التغذية بين الأطفال، وانهيار النظام الصحي، فإن هذا الاتهام يتجاوز الطابع السياسي ليدخل في صميم الجرائم التي يعاقب عليها نظام روما الأساسي.
مذكرة التوقيف: اتهامات ثقيلة وأبعاد قانونية
أوضحت المحكمة الجنائية الدولية أن مذكرة التوقيف تستند إلى تحقيقات مطولة تناولت طبيعة العمليات العسكرية في غزة، وتشمل الاتهامات الموجهة إلى نتنياهو وغالانت ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك استهداف المدنيين واستخدام التجويع كسلاح حرب. وتعد هذه الاتهامات من أخطر الجرائم في القانون الدولي، ما يضع القضية في صدارة الاهتمام الدولي.
وبحسب نظام روما الأساسي، فإن الدول الأعضاء في المحكمة ملزمة قانوناً بتنفيذ أوامر التوقيف الصادرة عنها، وهو ما يعني أن أي دخول لنتنياهو أو غالانت إلى أراضي هذه الدول قد يؤدي إلى اعتقالهما وتسليمهما إلى المحكمة في لاهاي.
رد كيان الاحتلال… الطعن والمواجهة القانونية
عقب صدور القرار، تقدمت حكومة الاحتلال بطلب لإعادة النظر في مذكرتي التوقيف، معتبرة أن المحكمة تفتقر إلى الاختصاص و لا تملك صلاحية قضائية عليه وأن الاتهامات ذات دوافع سياسية.
لكن هذا الطعن لا يغيّر من حقيقة أن المذكرات أصبحت قائمة ونافذة في إطار الدول الأعضاء. والأهم أن مجرد صدورها يفرض قيوداً عملية على حركة نتنياهو وغالانت، إذ سيضطران إلى تجنب السفر إلى عشرات الدول.
من الناحية السياسية، يضع القرار حكومة الاحتلال أمام معضلة: فالتصعيد العسكري يفاقم العزلة الدولية، بينما التراجع قد يُفسَّر داخلياً كخضوع للضغوط.
النرويج: التزام صريح بتنفيذ مذكرة الاعتقال
في أبرز رد فعل أوروبي، أعلن وزير خارجية النرويج دعم بلاده الكامل لموقف المحكمة الجنائية الدولية، مؤكداً أن أوسلو ستلتزم بتعهداتها القانونية الدولية. وشدد على أن النرويج ستقوم باعتقال نتنياهو أو أي مسؤول مطلوب لدى المحكمة إذا دخل الأراضي النرويجية، في موقف يعكس وضوحاً سياسياً وقانونياً نادراً في هذا الملف.
ووصف الوزير الوضع في الضفة الغربية بأنه “شديد الخطورة”، محذراً من أن استمرار التدهور يهدد بشكل مباشر فرص تطبيق حل الدولتين. كما أكد أن احترام القانون الدولي ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات يشكلان أساساً لتحقيق السلام والاستقرار.
ويُنظر إلى الموقف النرويجي باعتباره رسالة قوية تؤكد أن بعض الدول الأوروبية مستعدة لتطبيق قرارات المحكمة عملياً، وليس فقط سياسياً، وهو ما قد يشجع دولاً أخرى على اتخاذ مواقف مماثلة.
تداعيات محتملة: قيود دبلوماسية وضغوط متزايدة
أثار إعلان مذكرة التوقيف، إلى جانب الموقف النرويجي، مجموعة من التداعيات السياسية والقانونية. أولى هذه التداعيات تتعلق بتقييد حركة نتنياهو دولياً، إذ باتت زياراته إلى الدول الأعضاء في المحكمة محفوفة بمخاطر قانونية، ما قد يؤثر على نشاطه الدبلوماسي.
كما عزز القرار الضغوط الدولية على حكومة الكيان الإسرائيلي، حيث ازدادت الدعوات في المؤسسات الدولية إلى التحقيق في الانتهاكات المزعومة. وفي المقابل، حذرت أطراف أخرى من أن الخطوة قد تزيد من تعقيد المشهد السياسي، وتؤثر على الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تهدئة النزاع.
إذا لا يمكن توقع أن تؤدي مذكرات التوقيف وحدها إلى وقف الحرب أو تغيير السياسات فوراً. لكن تأثيرها يتجلى في، تقييد الحركة الدبلوماسية للقيادة المتهمة. بالإضافة إلى تعزيز شرعية الرواية الحقوقية الفلسطينية. وخلق ضغط داخلي داخل مجتمع الاحتلال بشأن كلفة السياسات الحالية. وتوثيق قانوني قد يمهّد لمحاسبة مستقبلية أوسع.
بين القانون والسياسة
تسلط القضية الضوء على التداخل المعقد بين القانون الدولي والسياسة، إذ تعتمد المحكمة الجنائية الدولية على تعاون الدول لتنفيذ قراراتها، في حين تتأثر مواقف الدول بحسابات سياسية واستراتيجية. وبينما يرى مؤيدو القرار أنه خطوة نحو تعزيز المساءلة الدولية، يرى منتقدوه أنه قد يعمّق الانقسامات الدولية.
تشكل مذكرة التوقيف بحق بنيامين نتنياهو، إلى جانب الموقف النرويجي الداعم لتنفيذها، تطوراً مهماً في مسار العدالة الدولية، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التفاعلات القانونية والسياسية. وبينما لا يزال تأثير هذه الخطوة على مسار النزاع غير واضح، فإنها تؤكد أن ملف المساءلة القانونية للكيان الإسرائيلي بات حاضراً بقوة في الساحة الدولية، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على العلاقات الدولية ومستقبل النزاع في المنطقة.
قد لا تسقط هذه الخطوات حكومة الاحتلال ، لكنها تؤسس لمرحلة جديدة عنوانها: تآكل الحصانة السياسية أمام تصاعد منطق القانون.
السؤال الذي سيحدد مآلات المرحلة المقبلة ليس فقط ما إذا كانت المذكرات ستُنفذ، بل ما إذا كان النظام الدولي مستعداً فعلاً لتطبيق قواعده على الجميع دون استثناء. فإذا نجحت هذه المسارات، فقد نشهد بداية إعادة تشكيل لمعادلة القوة والقانون في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. أما إذا أُفرغت من مضمونها، فستكون النتيجة تعميق فجوة الثقة بين الشعوب ومؤسسات العدالة الدولية.
في كل الأحوال، ما جرى في لاهاي ليس حدثاً عابراً، بل محطة تاريخية قد تعيد رسم حدود الإفلات من العقاب في واحدة من أطول وأعقد القضايا في النظام الدولي المعاصر.
