الوقت - منذ يوم الأحد، شرع الحرس الثوري الإيراني في تنفيذ مناورات بحرية تحت عنوان “التحكم الذكي بمضيق هرمز”، وذلك بإشراف ميداني مباشر من اللواء محمد باكبور، القائد العام للحرس الثوري، في هذه المنطقة الاستراتيجية التي تُعدّ شريان الطاقة العالمي، بيد أنّ هذه المناورات ليست مجرد استعراض عسكري، بل تحمل في طياتها رسائل متشعبة المستويات، تتجاوز الحدود المحلية لتخاطب المحيط الإقليمي والدولي.
وفي ظل احتدام التوترات الأمنية في منطقة غرب آسيا، ولا سيما في المياه المحيطة بإيران، بفعل التحركات العسكرية الأمريكية المكثفة في الخليج الفارسي، تكتسب هذه المناورات دلالات تفوق كونها تدريباً سنوياً معتاداً، لقد غدت هذه الساحة المائية ساحةً لصراع الروايات، وصدام الإرادات، وحرب الحسابات، حيث باتت هذه الأبعاد توازي في أهميتها المواجهات العسكرية المباشرة.
أهداف المناورات: بين المعلن والمرموز
لقد أُعلن عن أهداف هذه المناورات بأنها تتضمن اختبار جهوزية الوحدات البحرية التابعة للحرس الثوري، واستعراض السيناريوهات المضادة للتهديدات المحتملة، والتدريب على ردود الفعل السريعة والحاسمة، فضلاً عن الاستفادة المثلى من المزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الجمهورية الإسلامية في الخليج الفارسي وبحر عمان، لكن وراء هذه الأهداف المعلنة، يكمن هدف أعمق وأشدّ أهميةً: إعادة صياغة مفهوم “السيطرة” على هذا الممر الحيوي للطاقة العالمية، سيطرة لا تعني الإغلاق الأعمى، بل تعكس إدارةً ميدانيةً ذكيةً ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالدبلوماسية.
الحقيقة خلف عناوين الإعلام
في الأسابيع الأخيرة، سعت وسائل الإعلام الغربية وحلفاؤها إلى تضخيم أنباء تحركات القطع العسكرية الأمريكية ونقل المعدات الحربية إلى المنطقة، لرسم صورة توحي بالتفوق المطلق لواشنطن في المياه المحيطة بإيران، لكن المناورات البحرية للحرس الثوري رسمت بخطوطٍ واضحة بطلان هذه الصورة الأحادية الجانب، فواقع الخليج الفارسي يختلف تماماً عن تلك العناوين الرنانة، هذا الممر المائي ليس محيطاً مفتوحاً يمنح حاملات الطائرات الأمريكية حرية المناورة، بل هو ممر شبه مغلق، ضحل الأعماق، مليء بالجزر، ومعقد التضاريس، مما يجعل قواعد الاشتباك فيه تختلف جذرياً عن العقائد البحرية التقليدية.
وفي هذا السياق، صرّح قائد القوات البحرية للحرس الثوري، الأدميرال علي رضا تنكسيري، قائلاً: “إنّ الجزر الإيرانية في الخليج الفارسي ومضيق هرمز هي حصون منيعة لا تُطال، وهي شرف الأمة الإيرانية.” هذا التصريح لا يُعدّ مجرد عاطفة وطنية، بل يشير إلى بنية دفاعية متينة متعددة الطبقات، تجعل من هذه الجزر قواعد عمليات ثابتة تُعزّزها الزوارق السريعة المتحركة.
لا تعتمد القوة البحرية الإيرانية في الخليج الفارسي على حاملات الطائرات العملاقة أو السفن الضخمة ذات التكاليف الباهظة، بل ترتكز إلى الزوارق السريعة، والفرقاطات المزودة بالصواريخ، وهياكل عملياتية غير مركزية، وشبكة متكاملة من الرادارات، والطائرات المسيّرة، وأنظمة التنصت، والصواريخ الساحلية الموجهة. إنّ هذا النهج يُعرف في الأدبيات العسكرية بـ“الحرب البحرية غير المتماثلة”، وهو نموذج يتفوق بفعاليته على التشكيلات التقليدية في ظل جغرافيا الخليج الفارسي.
إنّ الطبيعة الجغرافية المعقدة، بما فيها كثرة الجزر وضحالة المياه، تمنح الزوارق السريعة ميزة الحركة السريعة تحت غطاء التضاريس، ما يتيح لها تنفيذ هجمات مباغتة عند الحاجة، هذه الزوارق ليست وحدات منفصلة، بل هي عقد مترابطة ضمن شبكة قيادة وتحكم واسعة النطاق تمتد من سطح الماء إلى أعماقه، وحتى أجوائه.
وعلاوةً على الزوارق السريعة، تضمّ القوة البحرية للحرس الثوري سفناً متطورةً مثل السفينة الصاروخية “الشهيد سليماني”، وسفينة الهليكوبتر “الشهيد ناظري”، وسفينة الطائرات المسيّرة “الشهيد رودكي”، التي تُكمل منظومة القوة البحرية، وتربط القدرة العملياتية في الخليج الفارسي بامتدادها إلى بحر عمان بل حتى المحيط الهندي.
إن رسالة هذه المنظومة واضحة وضوح الشمس: إيران لا تسعى إلى استعراض القوة لأغراض هجومية، بل تسعى إلى ترسيخ معادلة الردع في بيئةٍ تشكّل نقطة ارتكاز هشاشة الاقتصاد العالمي.
من الخليج الفارسي إلى جنيف: الساحة في خدمة الدبلوماسية
لا يمكن فصل مناورات “التحكم الذكي بمضيق هرمز” عن أجواء المفاوضات والتحركات الدبلوماسية التي تتشابك خيوطها بين الشرق والغرب، لقد أثبتت التجارب الماضية أن إيران، كلما انخرطت في حوارات مع القوى الغربية، عمدت إلى تعزيز ثقلها الميداني أو الحفاظ عليه، في إطار استراتيجية محكمة تُعرف بـ“تلازم الساحة والدبلوماسية”.
وفي هذا السياق، تبدو المناورات الأخيرة جزءاً من لعبة متزامنة ذات أبعاد متقابلة؛ فمن جهة، تسعى واشنطن عبر إرسال سفنها الحربية ونشر أنباء تحركاتها العسكرية إلى تقوية موقف مفاوضيها، ومن جهة أخرى، تردّ طهران بعرض جاهزيتها العملياتية في مضيق هرمز لتبعث برسالة مفادها بأن أي ضغط يُمارَس بأقصى قوته، سيُقابَل بردٍ متناسب في الميدان.
إنّ المفاوضات لا تكتسب معناها الحقيقي إلا حينما يمتلك الطرفان أدوات القوة الفاعلة، والخليج الفارسي بالنسبة لإيران ليس مجرد مساحة مائية، بل ركيزة استراتيجية تُثقل ميزانها. ومن ثم، فإن المناورات في مضيق هرمز ليست سوى جزء من معادلة تفاوضية أشمل، تمتد من المياه الدافئة جنوب إيران إلى طاولات الحوار في عواصم أوروبا.
ضمن هذا الإطار، لا تحمل المناورات دلالة الرغبة في إشعال فتيل الحرب، بل هي إعلان عن الاستعداد لدرئها من موقع القوة، والرسالة إلى واشنطن واضحة وضوح الشمس: إذا ما اتُخذ طريق الدبلوماسية، فالأمن في المضيق مضمون، أما إذا أُشعل فتيل الخيار العسكري، فإن الساحة لن تبقى صامتةً.
معنى التحكم الذكي
لكن المفهوم الأبرز في هذه المناورات يكمن في كلمة “الذكي”، فالتحكم الذكي يختلف جوهرياً عن الإغلاق الكامل، مضيق هرمز هو شريان عالمي تعبره يومياً عشرات الناقلات النفطية والسفن التجارية، ويُعدّ بوابةً لنقل نسبة كبيرة من الطاقة العالمية، وأي خلل واسع النطاق في هذا المضيق قد يؤدي إلى قفزات جنونية في أسعار النفط، واضطراب الأسواق المالية، واندلاع أزمات اقتصادية عالمية.
إيران، وفي مناسبات عديدة، أكدت أن ردها على أي عدوان مباشر من الولايات المتحدة أو الكيان الصهيوني لن يكون محدوداً، بل ستتسع رقعته لتشمل أبعاداً إقليميةً، ومن الأدوات المحتملة في مثل هذه السيناريوهات، تعطيل حركة المرور في مضيق هرمز، لكن مفهوم “التحكم الذكي” يعني أن هذا التعطيل لن يكون عشوائياً، بل سيكون مدروساً وموجهاً بعناية.
على سبيل المثال، أثبتت التجربة التي خاضتها أنصار الله في مضيق باب المندب خلال حرب غزة، إمكانية إدارة حركة المرور بشكل انتقائي، حيث تُستهدف السفن المرتبطة بأطراف الصراع، بينما تُترك المسارات الأخرى مفتوحةً، وبالمثل، يمكن أن يكون التحكم الذكي في مضيق هرمز تجسيداً لرصد دقيق لمصالح الدول، وفصل اللاعبين المتخاصمين عن غير المتخاصمين، وممارسة الضغط بشكل مركز وفعّال.
وفي هذا السياق، يُشار إلى الصين، التي تعتمد بشكل مباشر على نفط الشرق الأوسط بنسبة تزيد على 80% من احتياجاتها، وهي نسبة تفوق تلك التي تعتمد عليها الولايات المتحدة. ومن هنا، فإن هذا النهج لا يضمن فقط الحفاظ على أداة الردع الإيرانية، بل يحول أيضاً دون وقوع أضرار جسيمة لشركاء إيران الاقتصاديين الذين يرتبطون ارتباطاً وثيقاً بمصادر الطاقة في الخليج الفارسي.
وقد شدّد الأدميرال تنكسيري على أن الرقابة المعلوماتية للقوات البحرية التابعة للحرس الثوري في مضيق هرمز كاملة وعلى مدار الساعة، تغطي السطح والجو وأعماق البحر، وهذه الرقابة الشاملة هي العمود الفقري لفكرة التحكم الذكي؛ إذ لا يمكن إدارة الحركة التفصيلية للسفن دون معرفة دقيقة بهوياتها، ومواقعها، ومقاصدها.
بعبارة أخرى، التحكم الذكي هو فن تحويل الجغرافيا إلى أداة سياسية، واستخدام الميزة الجيوسياسية لا لزرع الفوضى، بل لإدارة الأزمات بما يخدم المصالح الوطنية.
من يملك زمام السيطرة؟
إن هذه المناورات وما صاحبها من استعراض للقوة البحرية تثبت أن الحرس الثوري الإيراني، قولاً وفعلاً، قد أجاب عن السؤال: “من يملك زمام السيطرة في الخليج الفارسي؟” إنها حقيقة جيوسياسية لا تقبل الجدل؛ ففي هذا الممر المائي الذي يرتبط به اقتصاد العالم، اللاعب الذي يمتلك الجغرافيا والشبكة المعلوماتية والجاهزية العملياتية، هو الذي يحدّد قواعد اللعبة.
إن مناورات “التحكم الذكي بمضيق هرمز” تؤكد أن إيران لا تسعى إلى إغلاق الأبواب، بل تسعى إلى امتلاك مفاتيحها، وهذا فرق جوهري، ففي عالم تتشابك فيه الحرب والدبلوماسية، امتلاك مفتاح مضيق هرمز يعني امتلاك نصيب وافر من معادلات أمن الطاقة العالمية.
