الوقت- في الأيام الأخيرة، شنت وسائل إعلام أمريكية وصهيونية حملة دعائية مكثفة بشأن الخطة العملياتية الجديدة للجيش الإرهابي الأمريكي، بالتعاون مع جيش الكيان الصهيوني، ضد ايران.
ومن المفارقات في هذه الحملة الدعائية والإعلامية، سخافة تصريحات المسؤولين الصهاينة حول رغبتهم في جولة جديدة من الصراع مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فبنيامين نتنياهو نفسه، ولا سيما وزير حربه المثير للجدل، يسرائيل كاتس، يتحدثان يومياً بتهديدات متزايدة ومتباهية عن حرب شاملة مع إيران، وفي الوقت نفسه، يوجهان تهديدات لفظية، علانية أو سراً، إلى مصر وتركيا. هذا الخطاب العدواني، الذي يترافق أحياناً مع رغبة غريبة في فتح جبهات جديدة، يرسخ في أذهان الناس صورة قوة مطلقة لا حدود لها.
لكن على الجانب الآخر، يُشير الواقع الموضوعي القاسي للنظام الإسرائيلي إلى كيان ضعيف منهك على وشك الانهيار التام؛ كيان قد ينهار مع أدنى صدمة قوية.
لفهم عمق هذه المفارقة، يكفي النظر إلى المكونات الأساسية لهذا الكيان. إسرائيل، أولاً وقبل كل شيء، كيان ديموغرافي وجغرافي هش للغاية: يبلغ عدد سكانه أقل من عشرة ملايين نسمة - وهم في حد ذاتهم مزيج غير متجانس من المهاجرين اليهود من جميع أنحاء العالم بهويات ومعتقدات وخلفيات اجتماعية مختلفة تمامًا، وأقلية عربية كبيرة، بعيدًا كل البعد عن أي تماسك وطني موحد - ومساحة جغرافية لا تتجاوز حجم نقطة على الخريطة. يفتقر هذا الكيان إلى أي عمق استراتيجي وخصائص دفاعية طبيعية كتلك الموجودة في إيران أو اليمن (جبال شاهقة، صحاري شاسعة، أو تضاريس جبلية).
على النقيض من ذلك، تُعدّ إسرائيل من أكثر الدول جفافاً في العالم من حيث الموارد المائية، إذ تعتمد على ثلاث مدن رئيسية فقط (القدس، وتل أبيب، وحيفا) وعدد قليل من المصافي والمراكز الصناعية والعسكرية ذات الكثافة السكانية العالية، وكلها في متناول أي هجوم واسع النطاق.
والآن، يُضاف إلى هذا الوضع الهشّ جراح الحرب العميقة والنازفة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. خلال هذه الفترة، انخرطت إسرائيل في حرب استنزاف على جبهات متعددة في آن واحد، وتكبّدت خسائر فادحة، لا سيما في المواجهات المباشرة مع إيران وحزب الله، اللتين استهدفتا بنيتها التحتية العسكرية والاقتصادية والحيوية.
ورغم الدعم المالي الثابت من واشنطن، يقترب اقتصاد الكيان أكثر فأكثر من هاوية التضخم والركود وعجز الموازنة الذي يصل إلى عشرات المليارات من الشواقل، كما أن موجة الهجرة المتزايدة للنخب ورؤوس الأموال والكفاءات العلمية - والتي تسارعت وتيرتها بعد الصراع الأخير مع إيران - تُشكّل تهديداً وجودياً لمستقبل الكيان.
في ظل هذا الوضع المتردي، يبرز هذا السؤال الجوهري: لماذا يندفع نتنياهو وحاشيته السياسية بحماس زائف نحو شن المزيد من الحروب وتهديد دول ذات تعداد سكاني ومساحات شاسعة (مثل تركيا ومصر)؟ يكمن الجواب في دوافعهم السياسية الملحة ورغبتهم في البقاء؛ حيث يبدو أن نتنياهو وكاتس لم يعودا يجدان سبيلاً للنجاة من المساءلة أمام المجتمع الإسرائيلي المنهك والمتضرر، ومن محاكم الرأي العام والقضاء، إلا بالتحريض المستمر على إشعال الحرائق والحفاظ على حالة طوارئ دائمة.
نتيجةً لهذا الصدام المرضي، تتسع الفجوة بين طموحات القيادة المتهورة والقدرات الفعلية المتدهورة لنظام، استناداً إلى الأدلة الميدانية وتحذيرات كبار قادته، ليس فقط عاجزاً عن فتح جبهة جديدة، بل هو أيضاً على وشك الانهيار الداخلي وفقدان القدرة على مواصلة الحرب على الجبهات القائمة. هذه الفجوة هي جوهر التحليل الذي سنناقشه بالتفصيل لاحقاً، استناداً إلى بيانات موضوعية وتقارير من قادة عسكريين إسرائيليين.
أزمة الأعداد: عجز في القوات يتجاوز التقديرات الأولية
على عكس أي تطمينات من المسؤولين السياسيين، يُعلن كبار قادة الجيش الإسرائيلي بوضوح عن انهيار وشيك. ففي 21 مارس/آذار، حذّر رئيس أركان الكيان، اللواء إيال زامير، المجلس الوزاري الأمني في اجتماع سري من أن الجيش قد رفع بالفعل عشرة "أعلام حمراء"، وأن قوات الاحتياط "لن تصمد"، وأن الجيش يتجه نحو "انهيار داخلي". كما أبلغ لجنة الشؤون الخارجية والأمن في الكنيست أن "جيش الاحتياط سينهار"، وحذّر من أنه سيخسر آلاف الجنود المقاتلين الآخرين ابتداءً من يناير/كانون الثاني 2027، بعد تقليص مدة الخدمة العسكرية إلى 30 شهرًا. حيث تُظهر الأرقام الجديدة أن الوضع أكثر خطورة مما كان يُعتقد سابقًا
قدّرت المتحدثة باسم الجيش، إيفي دافرين، أن الجيش يواجه نقصًا في عدد الجنود يبلغ حوالي 15,000 جندي، منهم ما بين 7,000 و8,000 مقاتل. وهذا الرقم أعلى من التقدير السابق البالغ 12,000.
وتُظهر طريقة الجيش في حساب نسبة وجود قوات الاحتياط صورةً متفائلة. فقد أفادت إذاعة الجيش أن الوحدات التي تُبلغ عن نسبة وجود تتراوح بين 50 و70% تعمل في الواقع بقدرة فعّالة أقل بكثير.
وقال قائدٌ من قوات الاحتياط لإذاعة الجيش: "وحدات الاحتياط شبه خالية اليوم. فالكتيبة ليست كتيبة كاملة، والسرية ليست سرية بالمعنى الحقيقي".
أدلة مرئية على الاستنزاف: من انهيار الألوية إلى إخلاء الثكنات
وتُقدّم التقارير أمثلةً مُقلقة وملموسة على الاستنزاف الحاد:
وأفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن بعض ألوية الاحتياط كانت على وشك "الانهيار الفعلي". كانت إحدى كتائب الاحتياط المدرعة المنتشرة في لبنان تعاني من نقص حاد في الدبابات، حيث أفاد القادة بأن الكتائب "غير مكتملة بأي حال من الأحوال".
وفي إحدى الحالات، أكملت سرية احتياطية مهمة في لبنان بضابط واحد فقط، وذلك بسبب إقالة قائد السرية وعدم وجود رتبة عسكرية.
وفي تطور حديث، في 31 يوليو/تموز 2026، ذكرت صحيفة "إسرائيل هيوم" أن 100 جندي من لواء جفعاتي قد فروا من ثكناتهم احتجاجًا على قائد السرية، تاركين أسلحتهم.
أزمة المعدات: نقص الدبابات والذخيرة وقطع الغيار
لا يقتصر الأمر على نقص الأفراد فحسب، بل يعاني الجيش أيضًا من نقص حاد في المعدات.
نقص الدبابات الجاهزة للعمليات: نظرًا للأضرار الجسيمة التي لحقت بالدبابات في المعارك، وخاصة في غزة وجنوب لبنان، لم يعد لدى الجيش ما يكفي من الدبابات الاحتياطية، وتعمل الفرق المدرعة بعدد أقل من الدبابات اللازمة.
نقص في الذخيرة والصواريخ الاعتراضية: صرّح ضابط رفيع لصحيفة "كالكليست" الصهيونية بأن الجيش استهلك نحو 100 ألف طلقة جوية خلال الحرب الطويلة، ويواجه الآن نقصًا في الصواريخ اللازمة لأنظمة الدفاع، بدءًا من "القبة الحديدية" وصولًا إلى "السهم 3". وحذّر قائلًا: "سنكون أقل استعدادًا للجولة القادمة".
تقادم المعدات ونقص قطع الغيار: أفاد المحلل العسكري آفي أشكنازي، من صحيفة "معاريف"، بأن وحدات المناورة في الجيش تواجه نقصًا حادًا في قطع غيار المركبات المدرعة، مما يؤثر على سرعة العمليات، ويضطر الجنود أحيانًا إلى حمل معدات ثقيلة والتحرك سيرًا على الأقدام. ولا تزال المعدات التالفة تُرسل إلى ساحة المعركة.
يأتي هذا في الوقت الذي حذّر فيه أليكسيس غرينكوفيتش، قائد القيادة الأوروبية الأمريكية (EUCOM)، وزارة الدفاع (البنتاغون) هذا الأسبوع من عدم كفاية القوات البحرية لديها لمواصلة الدفاع عن إسرائيل ضد هجمات الصواريخ الباليستية.
ووفقًا لمصادر تحدثت إلى صحيفة "واشنطن بوست"، فقد أُرسل التحذير كتابيًا إلى كبار مسؤولي البنتاغون.
بحسب هذه المصادر، صرّح غرينكوفيتش بأنه إذا لم يتسلم مدمرة أخرى، فسيكون مضطراً للاختيار بين الدفاع عن الولايات المتحدة والدفاع عن إسرائيل.
وقال مسؤول أمني أمريكي أيضاً إن تحذير غرينكوفيتش يتماشى مع طلبات سابقة من كبار الجنرالات الأمريكيين إلى البنتاغون.
الأزمة المالية: عجز في الميزانية وخلافات حول الأولويات
يواجه الجيش أيضاً أزمة مالية حادة أعاقت قدرته على إعادة البناء.
وقد أدى الارتفاع الحاد في تكاليف التشغيل إلى عجز في الميزانية يُقدّر بعشرات المليارات من الشواقل.
وتطالب وزارة الحرب التابعة للنظام بزيادة غير مسبوقة في الميزانية، لكن وزارة المالية عارضتها. وحذّر ضابط رفيع المستوى من أن الجيش، بسبب تأخر التمويل، غير قادر على توقيع عقود جديدة مع المصنّعين الإسرائيليين، وأن المخزونات العسكرية تتضاءل.
بالإضافة إلى ذلك، ورغم الموافقة على برنامج "حوشن" البالغ 350 مليار شيكل، فقد تعثّر تنفيذه بسبب خلافات حول الميزانية، مما جعل الجيش متخلفاً عن ركب سباق التسلح مع إيران.
والنتيجة: حرب لا نهاية لها على سبع جبهات
يُقرّ كبار المحللين الإسرائيليين بتغيّر طبيعة الحرب. وقالت دانا فايس، كبيرة المحللين في القناة الثانية عشرة، إنّ العقيدة الأمنية القائمة على الحروب القصيرة قد حلّت محلّها حربٌ تمتدّ لألف يوم على سبع جبهات. ويتمّ استدعاء قوات الاحتياط لمدّة تتراوح بين 80 و100 يوم سنويًا، ويُرهق هذا الضغط ليس فقط الجنود، بل عائلاتهم ومصادر رزقهم أيضًا. وقال أحد الضباط: "يقول الجنود علنًا: لن أعود للجولة القادمة".
ملخص: تراجعٌ شامل في جيش الاحتلال
وفقًا للبيانات الجديدة، فإنّ صورة الأزمة أخطر بكثير ممّا كان يُعتقد في البداية. يواجه الجيش الإسرائيلي عجزًا قدره 15 ألف جندي، ونقصًا في الدبابات والذخيرة، واستنزافًا حادًا لوحدات الاحتياط لدرجة الانهيار، ومأزقًا في الميزانية. وتُشير تحذيرات رئيس الأركان المتكرّرة من "الانهيار الداخلي"، والأمثلة الملموسة كالنزوح الجماعي لـ100 جندي، إلى عمق الأزمة. يبدو أن الجيش الإسرائيلي قد بلغ حداً أقصى في إدارة جبهات متعددة في آن واحد، ولا يمكنه الاستمرار في حرب الاستنزاف هذه دون تغييرات جذرية في هيكله وميزانيته وعمليات التجنيد.
