الوقت - انتهت كأس العالم 2026، التي استضافتها الولايات المتحدة، ولم تكن مجرد منافسة كروية فحسب، بل تحولت منذ انطلاقها وحتى صافرة النهاية في المباراة النهائية إلى ساحة تصادم للروايات السياسية والدبلوماسية والإعلامية.
ففي ظل استمرار حرب غزة ودعم حكومة الولايات المتحدة وبعض حلفائها للكيان الصهيوني، ارتفع صوت فلسطين على المدرجات عالياً، حيث رفعت أعلامها وصدحت الهتافات المناهضة للحرب والمؤيدة لشعب غزة في ملاعب ومدن أمريكا المضيفة، مما جعل هذه النسخة من كأس العالم واحدةً من أكثر البطولات السياسية في تاريخ كرة القدم.
وفي الختام، لم يكن تتويج إسبانيا مجرد إنجاز رياضي، بل حمل في طياته دلالات أعمق. فقد ارتبط هذا الانتصار في أذهان كثير من الجماهير، خصوصاً في العالم العربي وفلسطين، بمواقف الحكومة والمجتمع الإسباني السياسية تجاه حرب غزة، ليصبح رمزاً لغلبة سردية إنسانية على الأجواء السياسية المشحونة التي رافقت البطولة.
إسبانيا؛ بطل يتجاوز حدود الميدان
في المباراة النهائية، تغلبت إسبانيا على الأرجنتين بهدف فران توريس في الوقت الإضافي، محققةً لقبها الثاني في تاريخ كأس العالم. ووصفت وسائل الإعلام الإسبانية هذا الفوز بأنه تجسيد للتضامن والعمل الجماعي والقيم الإنسانية، معتبرةً المنتخب الوطني رمزاً للوحدة والاحترام.
لكن أهمية هذا الانتصار لم تقتصر على أرض الملعب فقط. ففي الأشهر الماضية، اتخذت الحكومة الإسبانية أحد أكثر المواقف الأوروبية صراحةً إزاء حرب غزة، حيث طالبت مراراً بوقف هجمات "إسرائيل". هذا الموقف عزّز من ارتباط شريحة واسعة من الرأي العام الفلسطيني والعربي بالمنتخب الإسباني، معتبرينه فريقاً متضامناً مع القضية الفلسطينية.
وأعلنت الناشطة الإعلامية الغربية نيكول جنز، وهي ترتدي الكوفية الفلسطينية، أن فوز إسبانيا هو فوز لفلسطين، معبرةً عن تقديرها بالقول: “تحية للإنسانية! تحية لإسبانيا!”
كما هنّأ محمد الفرح، عضو المكتب السياسي لأنصار الله، إسبانيا على تتويجها بكأس العالم، وقال: “كما كانوا الأفضل في كرة القدم، كانوا الأفضل أيضاً في السياسة والإنسانية. لن ننساهم أبداً في مواقفهم المشرفة تجاه فلسطين، وبالنسبة للفريق الذي كان يدعمه نتنياهو المجرم، نقول إنهم قد هُزموا.”
علم فلسطين؛ الضيف الدائم في كأس العالم
منذ مرحلة المجموعات وحتى المباراة النهائية، تكرر ظهور علم فلسطين في مدرجات الملاعب واحتفالات الشوارع، حاملاً رسالةً صامدةً لا تغيب عن أجواء البطولة.
في حي “فلسطين الصغيرة” بنيويورك، احتشد آلاف الفلسطينيين والعرب الأمريكيين، مرتدين قمصان المنتخب الإسباني، ورافعين علم فلسطين دعماً لهذا الفريق، مؤكدين أن موقف الحكومة والمجتمع الإسباني من غزة كان دافعاً رئيسياً لهذا التأييد.
وعقب تتويج إسبانيا، انتشرت صور عديدة للاحتفالات التي رفع فيها المشجعون علم فلسطين جنباً إلى جنب مع علم إسبانيا، لاقت رواجاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي وجذبت اهتمام الإعلام الدولي.
وقد أوردت وكالة “القدس” في تقرير لها أن أنقاض غزة كانت خلفية احتفال إسبانيا بكأس العالم 2026، حيث رفع الشباب الفلسطينيون في قطاع غزة علم إسبانيا وسط الدمار، محتفلين بهذا الإنجاز وسط الأجواء الصعبة.
وأعلنت وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية أن طلاب جامعة بيرزيت في الضفة الغربية، قد رفعوا أعلام فلسطين وإسبانيا جنباً إلى جنب خلال حفل تخرجهم، تعبيراً عن فرحتهم بتتويج إسبانيا باللقب العالمي.
وبحسب تقرير قناة الجزيرة، رفع علم فلسطين في احتفالات مشجعي إسبانيا عقب فوز منتخب بلادهم بكأس العالم في مدينة نيويورك.
كما أفاد مركز الإعلام الفلسطيني أن آلاف مشجعي المنتخب الإسباني في برشلونة احتفلوا بالتتويج، وكان علم فلسطين يرفرف في مقدمة التجمّع.
اللوبيات السياسية؛ عاجزة أمام إرادة الشعوب
ترافق كأس العالم في أمريكا منذ بدايته مع العديد من الجدل السياسي. فالضغوط المتعلقة بحرب غزة، احتجاجات اللاعبين والمدربين والنشطاء المدنيين، ومحاولات بعض التيارات السياسية للسيطرة على المشهد الإعلامي للبطولة، كلها دلّت على أن كرة القدم لم تعد بمعزل عن التحولات السياسية العالمية.
ومع ذلك، وعلى رغم الجهود المكثفة لإبعاد قضية فلسطين عن الحدث، فقد ظلت هذه القضية حاضرةً في صلب البطولة، من المؤتمرات الصحفية إلى مدرجات الجماهير واحتفالات الشوارع.
نهاية سردية
كان حضور دونالد ترامب في مراسم تتويج الأبطال، من المشاهد المثيرة للجدل في هذه البطولة. فقد دخل ترامب، الذي انتقد حكومة إسبانيا مراراً خلال الأشهر الماضية بسبب خلافات سياسية، إلى مشهد احتفال لاعبي إسبانيا، ما أثار موجةً واسعةً من الانتقادات من قبل مستخدمي وسائل التواصل والمحللين.
في المحصلة، لم يُحفظ كأس العالم 2026 فقط بانتصار إسبانيا، بل برسم صورة مختلفة في ذاكرة الجماهير؛ صورة تداخل فيها الرياضة والسياسة ومطالب الرأي العام بشكل غير مسبوق.
ولدى كثير من المراقبين، كان أعظم درس في هذه البطولة أن رغم محاولات التيارات السياسية والإعلامية لفرض السيطرة على الروايات، لم يخفت صوت التضامن مع فلسطين في المدرجات والشوارع واحتفالات الفوز، بل ظل حاضراً وبقوة حتى اللحظة الأخيرة من المنافسة.
