تحظی البحرین منذ القدم بأهمیة ستراتیجیة وجیوستراتیجیة فی منطقة الشرق الأوسط وعلی مستوی العالم بسبب موقعها الجغرافی إلی درجة جعلتها علی الدوام فی معرض التنافس والصراعات الإقلیمیة و الدولیة. وبعد تبلور الصحوة الإسلامیة فی عدد من دول المنطقة وسریان تأثیرها وبسرعة إلی الدول المجاورة سعت جمیع القوی الفاعلة والمؤثرة دولیا وإقلیمیا إلی توظیف مجریات هذه الصحوة وحرف مسیرها لتحقیق مصالح سیاسیة وأمنیة فی إطار نظام جدید یتناسب مع هذه المرحلة. وبعد التطورات الثوریة والتحولات الجیوبولوتیکیة فی البحرین تهیأت فرصة جدیدة لظهور هیکلیة سیاسیة جدیدة فی هذا البلد. فمن ناحیة حاولت الولأیات المتحدة وحلفاؤها الإقلیمیون لا سیما السعودیة إلی حفظ التوازن التقلیدی فی المنطقة ومن بینها الهیمنة الکاملة علی المجریات السیاسیة والأمنیة فی البحرین. أما أیران ورغم إنها لیست راغبة بإرباک الوضع الراهن لکنها تسعی فی نفس الوقت إلی لعب دور أکبر علی صعید المنطقة وتحقیق مصالحها الوطنیة فی ظل التطورات الحالیة وتعاظم دورها الإقلیمی. حیث أنها تری نفسها وأهدافها وبرامجها فی مواجهة مع أیران.
وتبعا لذلک تعاطت الأطراف الفاعلة إقلیمیا ودولیا بصورة متبأینة ومختلفة مع تطورات البحرین طبقا لما تملیه أهداف ومصالح هذه الأطراف فی منطقة الخلیج الفارسی. وتأتی الولایات المتحدة الأمریکیة والمملکة العربیة السعودیة وإیران فی طلیعة القوی الإقلیمیة والدولیة التی تلعب دورا مؤثرا واستراتیجیا فی المنطقة. وهذا الأمر یعود إلی مجموعة من الاعتبارات والاستحقاقات التی فرضتها طبیعة الأهداف التی تتبناها هذه الدول وعمق التنافس فیما بینها لتحقیق مصالحها وتطلعاتها.
وفی هذا الصدد انتهجت البلدان الأعضاء فی مجلس تعاون الدول العربیة بالخلیج الفارسی وبقیادة المملکة العربیة السعودیة أسلوبا تهاجمیا إزاء التطورات التی تشهدها البحرین واتخذت سلسلة من التدابیر السیاسیة والأمنیة لضمان بقاء عائلة آل خلیفة علی سدة الحکم فی البحرین.
ونظراً لاعتقاد المسؤولین فی دول مجلس التعاون بأن إضعاف حکم آل خلیفة والاستجابة لمطالب الشعب البحرینی المنادیة بتطبیق الدیمقراطیة سیشکل تهدیدا لبقاء الأنظمة السیاسیة فی هذه الدول وسیمنح أیران فرصة لتوسیع نفوذها فی المنطقة - حسب اعتقادهم - ولهذا یعارض هؤلاء المسؤولون حصول أی تغییر سیاسی حقیقی فی البحرین. وبما أن الولأیات المتحدة الأمریکیة تعد اللاعب الأساسی المؤثر فی سیر الأحداث بالبحرین قیاسا إلی القوی الأخری وبسبب وجود أسطولها البحری الخامس فی هذا البلد ونظرا لأهمیة الاستقرار السیاسی فی دول مجلس التعاون الخلیجی بالنسبة لها وخشیتها من توسع نفوذ أیران فی المنطقة سعت واشنطن لإبقاء نظام آل خلیفة فی البحرین ولا زالت تواصل دعمها للنظام السیاسی الحاکم فی هذا البلد. ولکن مع هذا تعتقد واشنطن بعدم جدوی التدابیر الأحادیة الجانب التی تتخذها سلطات آل خلیفة وتدعمها السعودیة للسیطرة علی الوضع فی البحرین والمتمثلة بتشدید قمع المعارضین وعدم السماح بإجراء أی إصلاحات فی هذا البلد، وتعتقد واشنطن أیضا بضرورة إجراء بعض الإصلاحات الشکلیة وانتهاج سیاسة "متوازنة" لاستعادة الهدوء والاستقرار إلی البحرین وتطویق الأزمة المتواصلة فی هذا البلد. وفی الحقیقة تسعی الولأیات المتحدة لإبقاء الهیکلیة السیاسیة الحاکمة حالیا فی البحرین وتعارض أی تغییر دیمقراطی قد یفضی إلی تفوق الأحزاب الشیعیة فی هذا البلد بنهأیة المطاف، ولهذا تتجنب واشنطن الخوض فی طرح أی بدیل سیاسی للخروج من هذا المأزق.
أما أیران فتؤکد دوما ضرورة الاهتمام بمطالب الشعب البحرینی وتدعو نظام آل خلیفة إلی الابتعاد عن اللجوء إلی العنف وقمع المعارضین. ورغم التهدیدات الأمنیة التی تواجهها وتعرض مصالحها للخطر تبنت الجمهوریة الإسلامیة الأیرانیة فی سیاستها الخارجیة رفض أی تدخل أجنبی فی شؤون البحرین والدعوة إلی إنصاف الشیعة وإعطائهم دورا یلیق بهم فی صنع مستقبل هذا البلد. والأمر المهم والبارز فی هذا المجال أن أیران وبسبب الظروف الصعبة التی أوجدتها بعض الأطراف وفی مقدمتها أمیرکا والسعودیة فی المنطقة والتی أدت إلی تقلیص إمکانیة دعم الجمهوریة الإسلامیة للمطالب الثوریة والشعبیة فی البحرین، عمدت طهران إلی مضاعفة جهودها لتقدیم الدعم المعنوی للشعب البحرینی عن طریق وسائل الإعلام ودون الاستعانة بقدراتها الأمنیة وذلک فی إطار متبنیاتها الاستراتیجیة والظروف التی تفرضها المرحلة والآفاق المستقبلیة التی تنتظرها المنطقة.
وعلی هذا الأساس یتخذ الصراع بین الولأیات المتحدة والسعودیة من جانب وأیران من جانب آخر أشکالا مختلفة لإثبات القدرة من ناحیة وتحقیق المصالح الإقلیمیة وعلی نطاق واسع فی عموم المنطقة من ناحیة أخری، ولهذا تبأینت ردود أفعال هذه الدول وطریقة تعاطیها مع ما یجری فی البحرین. وتعتقد أمیرکا التی تحاول فرض هیمنتها علی العالم والتحکم بنظامه الدولی بضرورة السیطرة علی منابع الطاقة فی هذه المنطقة الاستراتیجیة وتقویة علاقاتها الأمنیة مع دول مجلس التعاون عن طریق تکثیف تواجدها العسکری فی الخلیج الفارسی وإدامة الصراع وإثارة الأزمات مع الجمهوریة الإسلامیة الأیرانیة. وهذا الأمر یبین بوضوح طبیعة السیاسة التی تنتهجها الولأیات المتحدة لحفظ مصالحها ونفوذها فی البحرین. ومن جهة أخری فإن طبیعة النظام السیاسی فی السعودیة وخشیته من انتقال الدیمقراطیة إلی داخل البلاد ومعارضته لنظام الحکم فی أیران وتنافسه معه حول النفوذ الإقلیمی لأیران یعد من الأسباب الرئیسیة التی تقف وراء تدخل الریاض فی شؤون البحرین. وکذا الأمر بالنسبة لأیران التی تری فی مجیء حکومة موالیة لأیران والثورة الاسلامیة فی البحرین بأنه سیمثل ضربة قویة للسعودیة وسیقلص من نفوذها الإقلیمی ویحد من تدخلها فی شؤون مجلس تعاون الخلیج الفارسی. وأخیراً یجب القول ان منع الولأیات المتحدة من مواصلة تدخلها العسکری فی شؤون المنطقة وتحجیم دورها الإقلیمی یعد من الأهداف الرئیسیة لدعم أیران للثورة الشعبیة فی البحرین. ولکن الانصیاع لآراء الشعب ومطالب الأکثریة فی المجتمع البحرینی ، تدخل ضمن الاولویة الاولی لأیران والثورة السلامیة.